مصر: تمرد فانقلاب فاستبداد فدموية صاحب السيف الأحمر

حجم الخط
0

هناك محطات رئيسية في طريق الفريق عبد الفتاح السيسي قائد الإنقلاب في القاهرة، كانت المحطة الأولى هي توليه إدارة المخابرات الحربية التي ضمن مهامها الرئيسية التأكد من ولاء ضباط الجيش للنظام، فهو بهذه المهمة يعتبر (حارس ولاءات مبارك)، ثم كانت المحطة الكبرى حين تم إختياره وزيرا للدفاع خلفا للمشير طنطاوي، في خطوة غير متوقعة من جهة كونه حارس ولاءات النظام القديم، ومن حيث التراتبية العسكرية التي تجعله في أفضل الظرف السابع في ترتيب المرشحين، ثم كانت المحطة الثالثة حينما بدأ يقحم نفسه في الشأن السياسي منذ دعوته في 12 كانون الاول/ديسمبر 2012 إلى حوار وطني بين الرئاسة والمعارضة تحت إشراف الجيش وهو (الإقتحام) غير مسبوق للسياسة من وزير للدفاع منذ سقوط مراكز القوى عام 1971، وصولا في النهاية إلى عزل الرئيس بدعوى الإستجابة للمطالب الشعبية.
وخلال تلك المحطات هناك ألغاز سيكشف التاريخ عن مكنوناتها لاحقا، ولكن بدأت بعض شواهدها تظهر، فالتسريبات تؤكد أن (حلم) الرئاسة والتطلع للكرسي كان عند الفريق منذ أمد بعيد، كما تثبت الشواهد أن حركة تمرد والقوى المعارضة للرئيس حظيت بدعم واضح وقوي من (الفريق) سرا، وهو الذي أعطى إمكانيات التصوير من طائرات وغيرها ليوحي للرأي العام في الداخل والخارج بأن تلك الحشود تمثل الإرادة الشعبية الغالبة.
ومنذ اللحظة الأولى للإنقلاب تحول إلى إستبداد، فأغلقت القنوات المعارضة في ذات الوقت الذي كان (الفريق) يلقي فيه بيان الإنقلاب، وفي اليوم التالي بدأ الزج بمعظم زعماء المعارضة في السجون، حتى الذين لا ينتمون لجماعة الإخوان، مثل أبو العلا ماضي وعصام سلطان، وتم إلقاء القبض على مئات السياسيين ومنهم من لم يتهم يوما بالعنف مثل الكتاتني وحلمي الجزار وغيرهم، وفي اليوم الرابع للإنقلاب تحول الإستبداد إلى دموية صارخة وسقط سبعين شهيدا أمام الحرس الجمهوري ليسفر (الفريق) منذ لحظتها عن وجهه الدموي.
وتجنح القوى الموالية للإنقلاب لتصوير تلك المراحل على أنها كانت (حتميات قدرية) لا فكاك منها!! أو كأنها (حتميات تاريخية) عن الذين لا يؤمنون بالقدر! فعندهم كان الإنقلاب نتيجة حتمية للتمرد إذ وجد الجيش أنه لا مناص من خلع الرئيس لعدم إستجابته للتنحي، وعندهم أن الإستبداد كان نتيجة حتمية للإنقلاب لأن وجود قنوات المعارضة والساسة المعارضين سيؤدي للتحريض وعدم الإستقرار!! وعندهم أن الدموية كانت نتيجة حتمية لهذا كله بدعوى ظهور مقاومة مسلحة ووجوب الرد عليها !!.
وكل تلك الحتميات التي رتبوها باطلة، وهي تسويغ للباطل، فلم يكن محتم للمعارضة أن تتحول لتمرد، لكنها إرادة التمرد عند أصحابها وإستعجال إسقاط الخصم بغير المسار الديمقراطي – وعن طريق الإضطرابات في الشارع لا عن طريق الصندوق- هي التي حولت المعارضة لتمرد، ولم يكن محتما للتمرد أن يصبح إنقلابا، لكنها إرادة (الفريق أول) أن يستغل التمرد ليحوله لإنقلاب يطيح فيه بالرئيس ويعتلي مكانه ويحقق أضغاث أحلامه القديمة، ولم يكن محتما للإنقلاب أن يصير إستبدادا، كان يمكن أن يسير في مسار يحاول فيه التبريد والإحتواء، لكنه جنح منذ اللحظة الأولى للقضاء على الطرف السياسي الآخر بمنطق الإبادة العسكرية، ولم يكن محتما لهذا الإستبداد السياسي من إغلاقات وسجن أن يتحول لمذابح دموية، لكنها إرادة قائد الإنقلاب الدموية في شخصيته، ورغبه في لجم الأمور بسرعة ولو على حساب أشلاء الآلاف، وفي مخيلته السيف الأحمر الذي حلم به في القديم !!.
وليس حقيقيا أن المعارضة كانت تؤدي حتما إلى التمرد، فقد كانت الإنتخابات التشريعية على الأبواب، وما دامت المعارضة واثقة من الحصول على الأغلبية فقد كان عليها خوض غمار الإنتخابات ومن ثم السيطرة على البرلمان وتشكيل الحكومة وإجراء الإصلاحات الدستورية والتشريعية من وجهة نظرها، وليس حقيقا أن الجيش أجبر على الإنقلاب كنتيجة حتمية للتمرد وعناد الرئيس، كان الجيش يستطيع أن يجبر ساسة المعارضة على قبول الإحتكام للإنتخابات النيابية، أو أن يواصل الضغط على الرئيس حتى يستجيب ويقوم بإجراء إنتخابات مبكرة، وطالما كان لديه القدرة على سجن الرئيس فقد كانت لديه من باب أولى إلى إرغامه عليها أو البحث عن بدائل أخرى.
وليس حقيقيا أن هذا الإستبداد من إغلاق القنوات وسجن السياسيين كان حتمية للإنقلاب، فلو أن الغرض وقف التحريض لكن الأولى به إغلاق القنوات من كلا الطرفين، وسجن الساسة من كلا الطرفين!! خاصة أن كلا الطرفين لم يستجب لمهلته، وكان الطرف الأكثر في عدم الإستجابة هو الذي حشد في الشارع، ولقد ظلت القنوات الموالية للمعارضة منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الحالية تحرض على قطاع من الشعب أبشع تحريض فاشي رأته مصر، وهو ما نراه جليا كل يوم على الشاشات وفي الجرائد، وتظهر تجلياته في ميليشيات المواطنين الشرفاء !!.
وليس حقيقيا في النهاية أن الدموية البشعة التي مرت بها مصر خلال الأشهر الماضية عبر ست مذابح قام بها النظام تجاه معارضيه، عند الحرس، والمنصة، ورابعة، ورمسيس، وأبوزعبل، ويوم 6 أكتوبر كانت حتمية قدرية أو تاريخية، ان أيا من تلك لم تكن حتميات، ولا يسوغها أي جرائم تحدث في سيناء أو كرداسة أو غيرها، فالجرائم لا تبرر الجرائم، فلا يمكن لصاحب ضمير أن يقول ان رد ما يحدث في سيناء يكون في رابعة!! أو أن مقتل جندي في الإسماعيلية يسوغ مقتل مائة من المواطنين في المنصة!! لكنها دموية صاحب السيف الأحمر، رسمت المحطات الأخيرة في طريقه.

م.يحيى حسن عمر
مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية