محمود خيرالله: رمزيَّات اليد والموت في ديوان ‘كل ما صنع الحداد’

حجم الخط
0

يستخدم الإنسان اليد كأداة للكتابة والعمل والتواصل الاجتماعي، ويستخدمها أيضاً كسلاح يهاجم به أعداءه أو يدافع به عن نفسه، وقد لعبت اليد دوراً أساسياً في الحياة الإبداعية للمجتمعات الإنسانية، فاستخدمها في صناعة الأدوات من الحجر والخشب والمعادن، واستخدمها في الكتابة والرسم والنحت والرقص والتمثيل الدرامي.
لقد برع فنانون أمثال ليوناردو دافنشي وميكلانجو والبرخت دورر وإيشر وغيرهم في تصوير اليد، كما كُتبت قصائد كثيرة عن اليد لشعراء أمثال كيتس وبابلو نيرودا وماجي بيتمان وغيرهم، وكُتبت كذلك قصصٌ كثيرة عن اليدين منها، تمثيلاً لا حصراً، ما قام به ‘جي دي موباسان’، حين كتب قصتين عن اليد هما ‘اليد’ و’اليد المتحركة’، وكذلك لوفانو في ‘حكاية سروية حول شبح اليد’ وجولدنج ‘نداء اليد’ وأرثركونان دويل ‘اليد البنية’ ونرفال ‘اليد الساحرة’ ودريسر Drieser ‘اليد’ ووليم هارفي ‘الوحش ذو الأصابع الخمسة’ وهكذا.
وقد كان فرويد يقول عن المريض النفسي إنه: ‘إذا صمت بلسانه؛ ثرثر بأصابعه’ وتتعدد الدلالات الخاصة باستخدام اليد، فنجدها في الشعارات السياسية (حركة 6 إبريل حيث القبضة مشرعة إلى أعلى ومضمومة) وشعار رابعة مثلاً (بأصابعه الأربعة) ونجدها في الأغاني (تسلم الأيادي مثلاً)… إلخ
يمكن لليد أن تشير وأن تحذر، أن تكتب، وأن ترسم، وأن تقسم، وأن تُحيِّي، وأن تعلن، وأن توضح، وأن تعلم، وأن تنفي، وأن تؤكد، وأن تحكي وأن تصوِّر، وأن تسجِّل وأن تكشف، وأن تعوِّق، وأن ترحب، وأن تراهن، وأن تتملق، وأن تصرِّح وأن تلمِّح، واليد هي ‘أداة من الأدوات كلما’ كما قال أرسطو، وهي التي تتكلم غالباً بلغتها الخاصة، كما أشار كوينتليان: إنها أيضاً قد تطلب، وقد تعد، وقد تسمح، وقد تمنع، وقد تعترف، وقد تهدد، قد تعبر عن الفرح، أو عن الحزن والأسف، عن التردد وعن الإرادة، وعن العدد، وعن الكمية والزمن، عن البعيد وعن القريب، والأعلى والأدنى، عن القوة والبركة، عن التعجب والدهشة والخجل والأسى، ووجودهما كثيف في الأديان السماوية وغير السماوية وفي المعتقدات الشعبية أيضاً (كما في رمز خمسة وخميسة مثلاً، حيث اليد التي في منتصفها عين، كتعويذة لدرء الحسد والسحر والتي تسمى في التراث الإسلامي يد فاطمة، وفي التراث اليهودي يد مريم، أخت هارون وموسى).
نقول إن اليد في ذاتها، عالم غني بالدلالات والرموز، وإنها بمعنى ما، تحتوي على مفارقة في ذاتها، تناقُض في ذاتها. فهي مزدوجة الطابع، مُلتبسة الدلالات. فعلى الرغم من ارتباطها بالإبداع والإنجاز والتواصل مع الآخرين والعطاء، فإنها ترتبط أيضاً بالقتل والسرقة والاستيلاء على حقوق الآخرين والإساءة والدمار.
اليد شيء حي، يتكون من لحم ودم وعظام، لكنها أيضاً رمز و’فيتيش’ وصورة ترتبط بالحياة والموت، لا تمثل الذات الحيّة فقط، بل قد تكون تجسيداً لرغباتها ونوازعها التي قد تقودها أيضاً إلى الموت.
فيما يلي إطلالة على ذلك العالم الخاص باليد وعلاقتها بالتكرار والموت في ديوان ‘كل ما صنع الحداد’ للشاعر ‘محمود خير الله'(2).
في قصيدة ‘يدي أسوأ مني’ يحوِّل الشاعر يده إلى كائن وكيان، ذات حياة مستقلة، هنا تصبح اليد مرآة لذات الشاعر، وقد تصبح كائناً يحارب وينهزم ويقاوم ويعجز ويصاب بالخشونة والنعومة، بالحرارة والبرودة ‘أخفيها عن نفسي أحياناً .. كأنها جُثَّة .. لم تعد خشنةً ولم تعد قادرة على ارتكاب شيء’.
واليد تصحو وتنام، تمشي وتتذكر، تتمرد وتسرق، تكبر في السن وتشيخ، وتعود إليه في صحوه ومنامه، تنفصل عنه وتعود إليه:
‘يدي مُسنَّة
أصابعها تزداد نحولةً كل يوم’
وأنا نائم
كأن أحداً يمسحها بذكرياته
وأنا نائم’
يدٌ تتضخم وتزداد نحولة، تنام مع صاحبها وتموت معه، وتصحو، لا تفارق جسده ولا يفارقها، يحاسبها وتحاسبه، يندم وتندم معه، تمشي معه حتى آخر العمر وتهجره وتعود إليه، تتركه وتنام ‘في الوحول’ ‘تنسى صاحبها أحياناً وتذهب إلى أصدقائه وتسبغ حنانها عليهم، تتركه وهو الذي يحن إليهم، ويجن بهم، يؤثرهم على نفسه ولو كان به عوز أو خصاصة. ومثلما يذنب هو، تذنب يده، يسقط ذنوبه وأخطاءه عليها، ينزف قلبه فتنزف عروقها، وتبقى يده حية شاهدة عليه، مرآة لذاته، حائطاً يسقط عليه حياته، تلك الحياة المتراوحة بين الحياة والموت، العقل والجنون.
وتبقى اليد ميتة وحية، غريبة وقريبة، منفصلة عنه ومتصلة به، لا ينتصر عليها ولا تنتصر عليه، لا تصبح أمس منه، لأنه أبداً لا يرضى عن ذاته ولا يهنأ ولا يستقر، تصبح القوة الخاصة التي يقوم الشاعر بتثبيت أحلامه وذكرياته وانفعالاته وتهويماته وإحباطاته وانكساراته عليها. وهو يعرف أن اليد مجرد يد، لكنها أيضاً رمز خاص برؤيته للعالم، إنها صورة لذاته وتحولاته، لأصدقائه واحتياجاته، للدنيا التي يعيش فيها، لسماته وثقته بنفسه واهتزازاته، إنها الأرض الثابتة أو التي قد تبدو أحياناً كذلك، من خلالها ينظر إلى العالم ومن خلاله يعرف كيف ينظر العالم إليه، اليد عالم صغير فيه انطوى العالم الأكبر، أو بالأحرى عالم كبير فيه انطوت الذات وتجلت وتكشفت:
‘يدي تتصرَّف دون إرادة مني
وتنسى نفسها أحياناً في قلوب الأصدقاء’
هكذا تكون اليد مرآة كاشفة لاهتزازات الشاعر ومحاولاته لخلق منتج أو تمثيل رمزي إبداعي يواجه من خلاله الخوف، الخوف من أشياء في الحياة، أو فيما بعد الحياة، الخوف من الموت. وهنا استخدام مجازي لشيء مادي، معنوي أو جسدي، وهو اليد، يصبح بدوره أداة ناقلة لقوى رمزية أخرى غير محدودة موجودة في عقل الشاعر ووجدانه، هكذا تتكرر اليد وما يحلق بها من مفردات خاصة بالأصابع وغيرها في ديوان ‘كل ما صنع الحداد’، تتكرر على نحو وسواسي قهري انفعالي اجتراري لا يقوى الشاعر على مقاومته أبداً:
‘يدي ولدت مسالمة
وبعد دورة أو دورتين
لم تعد بريئة
صارت الأصابع هزيلة أكثر
كأنها آخر الاعترافات’
وفي صراعه معها وصراعها معه تغلب عليه كثيراً، تبتعد عنه، تصبح غريبة عنه على الرغم من كونها مكوناً أساسياً من مكونات ذاته:
‘أتوقع أن تخلعني يدي ذات مرة وتمشي بعيداً عني
كيف يعيش المرء بيد لا يحبها
بيد تذهب إلى الموت بمفردها
دون أن تأخذه معها’
هنا تصبح لليد، من حيث ارتباطها بالحياة والموت، بالإبداع والجمود، والرغبة وانطفاء الرغبة، تصبح لها قوة سحرية، فتكون موضوعاً للرجاء والخوف، أقرب إلى معبود أو صنم، أو فيتيش Fetish.
فيتشية اليد:
تعود كلمة فيتشية Fetishism في أصولها اللغوية إلى كلمة Feiticia البرتغالية التي تشير إلى شيء مصنوع معين، وقد استخدمها التجار البرتغاليون خلال القرن السابع عشر للإشارة إلى تلك الصور والتماثيل والمنحوتات والأقنعة التي رأوها تصنع في غرب إفريقيا. أما في اللاتينية فتعود هذه الكلمة إلى الجذر Factitious والتي تشير إلى شيء يصنع من خلال الفن، أي إلى شيء مادي تم اختياره بسبب تلك التداعيات والترابطات والصور المتعلقة به. إنه شيء خاص من حيث شكله مادته، اختير بسبب أصله والدلالات الخاصة بهذا الأصل، مثل الأسنان والفراء، ومخلب الحيوان، أو بسبب طبيعته غير العادية، كأن يكون شيئاً ثميناً، جروتسكيا، مخيفاً، نظرياً أو لسبب الخبرة الخاصة التي يشعر بها صاحبه بالنسبة إليه، يد الفنان الكاتب، الرسام، النحات، عين المصور، أنف الطهاة أو متذوقي العطور والخمور، في تلك اللحظات التي تكتسب فيها الأشياء تلك الخاصية السحرية والتي يشعر الناس خلالها بنوع من التدفق السيال للعالم، حيث يكون العالم والمعنى، كما قال عالم الأنثروبولوجيا أندرو جيل A. Gell متفاعلين وحضورهما مبهم(3).
الفيتيش كلمة مألوفة تدل على شيء غريب. ويعرف كل الناس أن هذه الكلمة تستخدم للإشارة إلى شيء أو موضوع يدور حوله ولع لا عقلاني ملابس معينة لامرأة، زهرة، كتاب، خصلة شعر، قناع .. إلخ، شيء يبالغ المرء عاطفياً أو انفعالياً في قيمته، قوته، الرغبة فيه أو دلالته؛ نوع من التثبيت الشخصي أو الثقافي على شيء أو فكرة أو موضوع. ويمتد تاريخ الاهتمام بهذا الأمر إلى أكثر من قرنين ونصف ويقال بل قبل ذلك. وهذا المصطلح هو غابة من النظريات عالية التجريد والمفاهيم الصعبة المتعلقة به، حيث توجد نظريات اجتماعية حول التشيؤ المؤسساتي ونظريات أنثروبولوجية حول الديانات البداية ونظريات تحليلية نفسية حول الانحراف الجنسي وكذلك نظرية ماركس حول التحول الثقافي للبشر إلى سلع(4).
من أجل فهم السياق الخاص برمزية اليد في هذا الديوان لابد لنا أن نشير قليلاً إلى تحليل ماركس للسلع، حيث أصبحت للسلع كما قال سلطة في المجتمع. فبدلاً من أن تكون لها قيمة استعمالية أصبحت تنسب لها سلطة أعلى من البشر، أصبحت إلهاً من نوع خاص، عبادة، حالة يتم البحث عنها والتلبس بها. هكذا أصبحت السلع والأشياء ذات طابع شخصي، أصبحت مشخصة، أصبحت لها شخصيتها، كذلك أصبحت العلاقات بين البشر متموضعة داخل أشياء وتشبه الأشياء. ومن أجل الفهم الأوسع لما يطرحه ماركس هنا لابد من أن نشير سريعاً إلى مفاهيم أخرى متعلقة بها وهي: الفيتشية والتشيؤ والاغتراب حيث تشير هذه المفاهيم إلى معالم جوهرية في العلاقات النفسية الاجتماعية الحديثة الخاصة بتصورات الأفراد عن أنفسهم وعن علاقاتهم بالآخرين وكذلك ذلك الإحساس المدرك بالفقد أو الفقدان للتجانس دالاً رمزي والتوحد والعلاقة العضوية مع الآخرين ومع الطبيعة حيث نوجد، هنا في العالم، شاعرين بالانقسام والتفكك والتشظي والقلق حين يفتقر الإنسان للعلاقات الحميمة مع الآخرين، فإنه قد يقيم هذه العلاقات مع ذاته، بل ومع بعض أجزاء مكونات هذه الذات، مع جسده، أو مع أحد أعضاء هذا الجسد، كاليد، مثلاً، في الديوان الحالي.
تحدث وولتر بنيامين عن ولع بودلير بالأشياء، وعن قدرته على التوحد لا مع البشر، بل مع الأشياء وعن قدرته الخاصة كذلك على التقمص داخل الأشياء غير العضوية والحياة من خلالها. وكذلك توحد فنانون وكتاب مع أجساد حية وميتة، مع صور فوتوغرافية وتماثيل.
وعندما يتوحد المبدع مع جسد حي وميت معاً، فإنه يبدو هنا، وكأنه يتحدث إلى المستحيل، هكذا تعمل الصور الفنية كلها عند أحد المستويات كاستبدالات فيتشية للجسد الغائب والذات المفقودة، كمحاولات لشغل المكان الخاص بذات تشعر بأنها غائبة أو مغيبة عن المشهد الذي تعيش فيه، رغبة في التهدئة المؤقتة أو التسكين لقلق وجودي واجتماعي يتعلق بفقدانات لا حصر لها، محاولة لبعث الحياة في موت صارخ صاخب موحش يلف كل شيء.
هنا في هذا الديوان كانت اليد أشبه بالجزء الذي يدل على الكل، والحاضر الذي يدل على الغائب والحركة التي تحاول أن تهرب من الرتابة والموت والسكون، رمزاً للعمل والسلطة والسيطرة والوجود في عالم يزخر بالموت والبطالة والتكرار وهيمنة الأشياء وأشباه الأشياء. هنا لا تفهم اليد بوصفها صورة موجزة للجسد الذي تم تقليصه أو تلخيصه أو تهميشه أو تحويله إلى شيء أو نفايات، بل صورة لعالم كبير يفرض وجوده وحضوره من خلال تمرده على صاحبه صاحبها، الذات التي تتقلص وتتراجع وتنكمش ولا يكون لها من ملاذ أخير سوى يدها التي تكشف من خلالها ذاتها الأخرى ووجودها الحقيقي، في حياتها حياة الإنسان وفي موتها موته.
هنا يجد المرء نفسه في مواجهة عالم كبير لا يرحم، عالم يستبعد الفرد ويهمشه، عالم يسحق الفرد ويجعله يتقلص، يتحول إلى جزء صغير شيء، أحد أعضاء الجسم (كاليد أو الأصابع كما في هذا الديوان) أو حشرة كما في قصة كافكا الشهيرة، (التحول أو المسخ) وفي مثل هذا العالم لابد من أن تقوم الذات بتحويل نفسها إلى شيء كلي القدرة، كلي الحضور، أو تقوم بالتطلع إلى ما وراء الكون أو عالم الميتافيزيقا، فترى خلاصها في الدين والإيمان، أو تقوم، كذلك، بالاحتماء بأفكار في واقعها (اجتماعية وطنية .. إلخ) أو بجسدها أو ببعض أجزاء هذا الجسد، ويصبح العالم كله مثبتاً ومتمركزاً في هذا الجزء، الفيتش، الحضور الغياب الذي يكرر نفسه مرة بعد أخرى، في متاهة المرايا التي لا تنتهي والأمر كله مرتبط بأزمة الهوية، فهو أشبه ببحث عن الذات، من خلال اليد ودلالاتها، وعن اليد من خلال الذات، ومحاولة كذلك لرأب صدع هذه الهوية المفككة، رغبة في الوصول إلى الوحدة والكلية المفتقد في هذه الهوية الفردية والجماعية الموجودة الآن.

‘المذنبة دون أن تفعل شيئاً
المتهمة لأنها موجودة
ولأن عروقها التي نزفت كثيراً
لا يغيب عنها الدم
نعم
يدي أسوأ مني’

هنا، في هذا الديوان تكون اليد أداة التراوح بين الجزء والكل، الحياة والموت، الذات والمجتمع، العالم الصغير والعالم الكبير.
هنا الذات انطوائية تطل على العالم من خلال نافذة خاصة بها هي اليد وأصابعها هنا أيضاً تحول ما للجسد الحي، العضوي، إلى جسد ميت، بمعنى ما، قريب من عالم الجثث البقايا الأطلال والبدد. لكن هذه الذات التي فقدت اكتمالها، تحققها، معنى وجودها، تتحول وتتمركز في جزء منفصل منها، هنا تكون اليد كناية عن الهوية وعن الذات، إنها وسيلتها التي ترى من خلالها العالم وتطرح تساؤلاتها الخاصة، من خلالها، عليه. وأكبر الأسئلة التي تطرحها هذه الذات سؤال الهوية والموت. وهنا يعد الجانب الطقس المتكرر من ‘الفيتشية’ مهما، فهو الذي يربط بين هذه النزعة أو الميل وبين ذلك الدافع الخاص بالموت.
الهوية والموت:
هناك حضور كثيف، في هذا الديوان، للموت، بأشكاله المادية ودلالاته الرمزية، هنا أيضاً إرادة محركة للذات، لكنها تبدو في أحيان كثيرة وكأنها إرادة لمخلوق ليس حراً في ذاته، ليست لديه إرادة في ذاته، مخلوق تحركه قوى باطشة تقع، كما قلنا، خارج تحكمه، ولكنه يتحرك دوماً كي يقاوم الموت ويحقق الوجود والخلود، ولكن حركته هذه توقعه أحياناً في التكرار والآلية وفقدان الروح، هنا آلية يبدو أنها قدر الإنسان، خصوصاً في مجتمعاتنا هذه التي غابت فيها قيمة الإنسان وحضرت فيها قيمة الممتلكات والصور والأشياء وهي الآلية التي تقف أيضاً وراء فكرة الخلود الفرعونية، وراء المومياوات والمعابد والأهرامات وراء وجوه الفيوم، والأعمال الفنية، وراء فكرة القرين لدى المحلل النفسي الألماني أوتو رانك، التي لابد وأنه استمدها من جذور فرعونية، حيث ظهور القرين يعني اقتراب الموت، لكنه يعني أيضاً التكرار والكثرة والاستمرار والخلود، وتقف هذه الفكرة كذلك، أو بالأحرى هذا الهاجس، وراء تلك التجليات الفلسفية والفنية التي حاولت استكشاف رمز المرآة النرجسية وتعدد الذات، وهنا اليد في ديوان ‘ما صنع الحداد’ ميتة وحية، أليفة وغريبة، متصلة ومنفصلة، في وطن كان وربما مازال مسكوناً بالجمود والآلية وفقدان المشاعر الإنسانية والتبلد وبرودة الشوارع والمشاعر:
‘يا من رأيتم العجوز ينزف
فهربتْ سياراتكم بسرعة
يا من بيننا وبينهم
كل ما صنع الحداد’
هذا وطن استولت فيه قلة من القتلة على المقدرات كلها، الهواء كله، الماء كله، الزهور كلها، الرمال كلها، لكنهم ولأنهم يفتقرون للمشاعر، لا يبدعون، جامدون، موتى ويظنون أنفسهم أحياء، هكذا يخاطبهم الشاعر:
‘لا تقرأوا هذه القصيدة
فهي مكتوبة لغيركم’
يعيش شعب مصر كما تجسد ذلك صور هذا الديوان ومفرداته ورموزه وهواجسه، في الغرف الضيقة، حيث تنقطع المياه ويتلوث الهواء ويلعب الذباب مع الأطفال وتتعطل القلوب وتتعطن، وفي المساءات الباردة يذهب العمال إلى نوبات العمل الليلي متعبين، بينما تذيع شاشات التليفزيون الأخبار الكئيبة. ويأكل الأطفال من صناديق القمامة وتحضر التناقضات والتفاوتات في كل شيء، في الجوع والأسعار المشاعر والبشر، وتتحول هياكل الموتى الشهداء والقتلى والميتون جوعى في الشوارع، تنكسر عظام الموتى عندما يصرخ الناس في الطرقات، يصرخ الناس من الخوف، ويعود الأموات إلى الحياة، ويصبح هناك خوف مهيمن كبير، خوف الأحياء من الموتى، وخوف الموتى من الأحياء ‘وترسل السماء مطراً قليلاً للعاطلين عن العمل’، وتمتلئ الشوارع بهؤلاء العاطلين عن العمل وبالصبايا اللائي قتلهن الوباء وبالمخبولين والأكاذيب والأشباح، والهياكل العظمية، والمتمردين، والجائعين وكل ما كان يدل على اقتراب الانفجار الكبير في 25 يناير 2011، حين تمت الإطاحة بالسيد الرئيس.
التكرار والموت:
كان التكرار قد بلغ ذروته والكذب تجاوز قمته، كذب تحولت معه الحقائق إلى أشياء عادية، حيث تحولت الحروب المستمرة على شاشات التليفزيون بحكم التكرار والتعرض والتعود وتبلد المشاعر إلى ما يشبه أفلام الكرتون، وحيث طالت مشاعر الاستسلام وكثرت عمليات البكاء وفقدان الأمل، وصارت الآلية ومعها التكرار والانتظار- تلف كل شيء تحت أجنحة ليلها الكئيب، أصبح الأب بينما ينظر إلى أحد أبنائه وهو يشرب الشاي ‘برشفة واحدة مثل أبيه’ وتحول الإنسان إلى شيء ‘تعود أحلامه’ إليه، كأنه ‘سيارة مُستعملة’.
وتتكرر المشاهد والحكايات والأحلام والتجول والكلام والبكاء والأداءات اليومية، تتكرر الانكسارات، وتتكرر التكرارات، ولكن تبقى الذات الواعية، يبقى الإبداع يبقى:
‘العاشق الهشُّ
الذي لم يخسر شيئاً
لأنه لم يكن لديه ما يخسره
الضعيف إلى حد النكسة
وإلى حد الجلوس طوال الليل
هكذا
لكي يكتب قصيدة عن نفسه
كأنه يصالحها’
واليد تعود، وتكرر الظهور، بعد ابتعادها واختفائها، وانفصالها عن صاحبها، يعتقد أنها انفصلت عنه وماتت، لكنه، ينظر دوماً فيراها، تتقافر أمامه أو تتحرك أو مدفونة في جسده:
‘كنت ألفظ أنفاساً على الشاطئ
بينما أصابعي
كانت تموت وحدها في التراب
وحين أفقت وجدت يداً مدفونة في جسدي’

الذات والآخر:
يكتب ‘محمود خير الله’ في قصيدته ‘عن عشرين إصبعاً ودمعتين’ عن ‘بعضنا، ذلك الذي يقضم الخبر أو يتأمل الفتارين ‘حيث نتجول أحياناً كثيرة دون هدف، نتكلم لكي نلون الساعات’ وربما نبكي’ لكن يظل هناك ذلك الخيط الموجود والحبل المشدود الذي يجعلنا حتى عندما نعبر الشارع مسرعين نضع هذا الحبل كي ‘يرفع ملابس العائلة عن الأرض’ هنا يظل هناك أمل، ورغبة في الارتفاع والطيران والتحليق، بعيداً عن الأرض والأوساخ والسقوط، رغبة في رفع الملابس ومن يرتديها بعيداً عن الأرض، ومن خلال ذلك الحبل المشدود بين شجرتين أو إنسانين، هكذا يكتب محمود خير الله عن الأطفال وعن الأمل وعن الوداع المؤقت، وعن الأسرة وعن الشجن وعن الحنين:
‘عن أربعة أيدٍ تلوح كل يوم
في الشرفة
عن عشرين إصبعاً
تشق فجوة في الهواء
لكي تقول: وداعاً
عن ابتسامات أربعة
وخمسين ألف ضحكة’
وعن الأشياء الصغيرة الجميلة: ‘عن الصغير، الذي يرفع يدين قصيرتين فجأة، حين ‘أقبع تماماً وراء البيوت’، لكنه يكتب أيضاً عن ذلك التكرار الأبدي، عن البدايات، ونقاط الوسط، والنهايات، عن الحب والزواج والإنجاب والموت، عن موت البشر وموت الشاعر وموت الشعر، والشعراء، عن الذكريات وعن من يعودون من وراء الزمن أو الموت، عن الأصابع والكتابة:
‘تركت أصابعها في يدي
ذات مرة
وانصرفتْ متعجلة
وحين أغلقت الباب على نفسي
وجدت خاتماً من شاعر آخر
في واحد من هذه الأصابع’
يكتب عن البيت والتمرد وعن القبر والموت، عن الشتاء والموت وهولاته؛ الموت في القطارات والباصات، الموت المتوقع والموت دون توقع، صرخات الموت والموتى وعن حادث مات فيه بعض أصدقائه لكنهم يظلون، على الرغم من ذلك، أحياء مقيمين معه مثل يده التي تغادر وتبقى معه في الوقت نفسه:
‘سبعة رجال تركوا أفواههم مفتوحة
كأنهم يعقبون على موتهم بصرخة
وكأن موتهم لا يريد أن يسمع
تركوا حناجرهم على الأرض وانصرفوا
وحين خرجت الجثامين إلى المقابر
خرجوا جالسين’
يكتب عن العمل والعمال والشقاء اليومي، عن الجنازات والملابس البالية القديمة، عن الفقر والعوز، عن هؤلاء الذين يرتدون ملابسهم ويذهبون كل يوم بحثاً عن عمل لا يتيسر، ورزق لا يجيء، وعن روحه الثقيلة التي كأنها ذهبت إلى الحرب بمفردها، ولا تستطيع حتى أن تعود’ وعن ذلك التكرار والسأم وتلك الروح العبثية:
‘أنا أيضاً في الصباح
أقف في الشرفة
والشقاء واقف بجانبي
تماماً،
كأنه لا يجد عملاً سواي’

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية