لندن ـ ‘القدس العربي’: سورية تزيد من العنف في داخل العراق، مقاتلون سنة يوسعون هجماتهم على الجيش اللبناني، تقول ‘وول ستريت جورنال’، اليمين المتطرف يجد فرصته للنمو والإزدهار في أوروبا، وحزب ‘أتاكا’ اليميني المتطرف في بلغاريا يستغل الحنق من تدفق اللاجئين السوريين لتوسيع قاعدته ويحضر للإنتخابات البلدية بقوة، تقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’، تركيا تعاني من مشاكل مجاهدين تقول صحيفة ‘حرييت’.
ولا يمكن للواحد منا أن يبتعد كثيرا ليكتشف الآثار الدولية والإقليمية والمحلية التي باتت تتركها الحرب الأهلية في سوريا على السياسات الدولية. فتخلق الحرب مآس شخصية مثل مقتل الطبيب البريطاني عباس خان في السجن السوري، أو مآس جماعية للسكان في المخيمات والمشردين داخل بلادهم. الحرب مستمرة وتتخذ كما يحب المعلقون الغربيون القول طابعا طائفيا.
ومن هنا فالحرب التي تشتعل في سوريا تلعب دورا مهما في إشعال التوتر الطائفي في منطقة الخليج كما تقول صحيفة ‘واشنطن بوست’.
وفي تقرير أعده جوبي واريك قال فيه إن الحرب الطائفية في سورية تعمق الإنقسام السني ـ الشيعي في دول الخليج الفارسي، بعيدا عن ميدان الحرب، حيث يدخل السنة والشيعة في حملة مبارزة تعمل على جمع المال والإغاثة للمتقاتلين في الحرب، يقول مسؤولون غربيون وخبراء مستقلون’.
ويشير التقرير إلى ان مظاهر الأزمة التي مضى عليها ثلاثة أعوام تظهر في الكويت حيث تصاعد الجدال والشغب بين السنة والشيعة والتي تعايشت في الماضي في انسجام نسبي، وبات الطرفان اليوم جزءا من النزاع من خلال إرسال المال والمتطوعين لطرفي النزاع.
وينقل التقرير عن اليزابيث ديكنسون من معهد بروكينغز قولها ‘هناك تغير في مستوى الخطاب الطائفي من كلا الطرفين’.
وقد أعدت ديكنسون دراسة عن أثر الحرب السورية على دول الخليج.
وفي الوقت الذي تصاعد فيه الخطاب الطائفي مع بداية الربيع العربي والتظاهرات في مملكة البحرين إلا ان الحرب السورية ‘جعلت الوضع أكثر سوءا’ على حد قولها.
ويحذر تقرير معهد ‘بروكينغز’ الذي صدر يوم أمس من أن ‘حربا طويلة في سوريا ستضع بشكل غير مباشر عناصر التركيبة السكانية المتنوعة في الخليج ضد بعضها البعض، مما يؤدي إلى زيادة حالة الحنق والعداء الذي لا يمكن التخلص منه بشكل سريع’.
ويقول التقرير ‘على خلاف الإتفاقات السياسية فلا يمكن التخلص من الأثار الإجتماعية للنزاع الطائفي من خلال صفقة سياسية’.ونقلت الصحيفة عن مسؤولين وخبراء آخرون لاحظوا ‘نبرة متطرفة’ بين داعمي الثورة السورية وفصائلها المسلحة، حيث تدعو بعض الجماعات وبشكل علني المتبرعين لشراء الأسلحة والتبرع لصالح جماعاتهم المقاتلة التي يفضلونها على الأخرى، فيما لا يخفي البعض الآخر دعمه الواضح والعلني للجماعات المرتبطة بالقاعدة مثل ‘جبهة النصرة’.
ويقول مسؤول أمريكي في الحد الأدنى لا آثار مترتبة على دعم جانب معين، وفي الحد الأعلى يعتبر هذا الدعم شارة شرف في دوائر الناشطين’.
ويقول المسؤول الأمريكي المتخصص في الجماعات الجهادية الخليجية ‘في داخل الجماعات المتدينة والمحافظة عليك إظهار من توالي عندما يتعلق الأمر بدعم سوريا’.
وتقول الصحيفة إن وصول آثار الأزمة السورية للخليج تأتي في وقت فشلت فيه جهود السفير الأمريكي في سورية، روبرت فورد في إقناع الجبهة الإسلامية لقاء المسؤولين الأمريكيين والتحاور معهم وبدون إبداء أسباب على حد قول السفير.
وتشير الصحيفة إلى أن الجبهة الإسلامية التي تتكون من سبعة فصائل يقاتل تحت لوائها مئات من المتطوعين من دول الخليج وتحصل على الدعم من هذه الدول ومن السعودية. وتقول الصحيفة إن الجمعيات الخيرية في الكويت ودول الخليج الأخرى أخذت دورا قياديا وخاصة في قطر لجمع التبرعات وما تحتاجه الفصائل المقاتلة من دعم غذائي ودوائي.
ومن المؤسسات منظمة ‘مدد أهل الشام’ التي تصل مساعداتها لجماعات المقاتلين ومنهم جبهة النصرة. وفي الكويت لعب ناشطون أيضا دورا مهما في تمويل الجماعات المقاتلة في سوريا، حيث جمعوا ملايين الدولارات من خلال المناسبات الخيرية التقليدية، والحملات التي أداروها على الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي. وقامت عائلات كويتية معروفة بإرسال أبنائها للقتال في سوريا، كما خصصت صفحات على التويتر والفيسبوك للصراع السوري.
وبنفس السياق قام شيعة الكويت بحملات موازية في محاولة منهم لبناء الدعم للشيعة في سوريا الموالين للنظام وللعلويين حسب تقرير بروكينغز، وفي منبر عقد في مدينة الكويت العام الماضي زعمت جماعة شيعية أنها جمعت ما يقارب 81 مليون دولار أمريكي أرسلتها لقوات الأسد.
ونقل التقرير عن محرر صحيفة كويتية نقلت عنه كاتبة التقرير أن الحديث عن ‘سنة- شيعة’ بات عاديا في الكويت ومنتشرا ‘ولم يكن هذا الحديث معروفا في الكويت في السابق’.
أطفال القاعدة
وكان واريك قد اعد تقريرا لنفس الصحيفة الأمريكية وأعادت نشره صحيفة ‘إندبندنت’ البريطانية عن معسكرات لتدريب الأطفال ويقول ‘ بالنظرة الأولى لا يبدو المعسكر مختلفا عن غيره من المعسكرات التي تظهر في الإعلانات الدعائية التي تضعها الدولة الإسلامية في العراق والشام على الفيديو، متطوعون ملثمون، يقومون بالزحف ويتدربون على إطلاق النار على أهداف تحت راية الدولة السوداء، لكن نظرة قريبة تظهر المتطوعين أصغر حجما من العادي. فأطول متدرب من بينهم لا يصل صدر مدربهم، وأقصرهم يبدون في زي غير مناسب لهم ويكافحون تحت ثقل الأسلحة التي يحملونها’.
وتؤكد صورة للمتدربين بدون لثام على وجوههم أعمارهم الصغيرة وأنهم ‘ليوث الزرقاوي’ التي تعتبر كتيبة الشباب والمظهر الأكبر لطموحات القاعدة في سوريا وخططها لبناء قواعد لها في البلاد. وينقل الكاتب عن ‘خبراء مستقلين’ قولهم إن القاعدة او ‘الدولة’ توسع الآن خططها التي بدأت فيها بالمدارس وتقوم الآن بزرع أيديولوجيتها في الشباب وتدربهم على السلاح، وبعضهم في العاشرة من عمره.
وكانت ‘الدولة’ أو ‘داعش’ قد أعلنت عن فتح معسكر ليوث الزرقاوي الشهر الماضي في شريط فيديو وضعته على الإنترنت ونظر للإعلان نظرة خوف خاصة أنه ذكر بكتيبة أخرى’ طيور الجنة’ التي أعلن عنها قبل عقود أثناء تطور ونمو تنظيم القاعدة في العراق.
ونقل التقرير عن ستيفن ستالينسكي من معهد الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث في واشنطن قوله’ هذا تهديد قادم، وهؤلاء هم أطفال القاعدة. وكانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان قد اتهمت فصائل المعارضة بكل أطيافها بتجنيد الأطفال واستخدامهم في أغراض مختلفة من الكشافة إلى المشاركة في المعارك.
وقابلت منظمة ‘هيومان رايتس ووتش’ أولادا لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة، استخدموا في نقل الأسلحة، بل وأطفالا أقل من العاشرة في وضع الرصاص في مخازن البنادق. ونقلت عن سارة مورغان، القائمة بأعمال المدير في واشنطن’ هذا أمر عادة ما يقوم به الأطفال لأن أصابعهم صغيرة’ ومن السهل وضع الرصاص في مخازن البنادق. ويقول التقرير إن ‘ إدارة أوباما وضعت قيودا العام الماضي على بعض الدعم العسكري بسبب قلقها على استخدام الأطفال كجنود في الحرب، حيث استندت على قانون عام 2008 والذي يحظر تقديم الدعم العسكري لدول استخدمت الأطفال كجنود، وفي المساعدات غير الفتاكة للفتاكة لسوريا وكذا لإفريقيا الوسطى، وبورما والسودان وست دول أخرى حسب وثائق الخارجية الأمريكية’.
ويقول التقرير إن الشريط الذي وضعته داعش يظهر جهودا منظمة لدمج الأطفال في الحرب كداعمين أيديولوجيين ومقاتلين في حرب دينية ضد نظام تقوده الطائفة العلوية. وينقل التقرير عن آرون زيلين من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى قوله إن بعض الجماعات الجهادية عادة ما تضع صورا لمقاتلين اطفال تظهر دورهم في القتال، ولدعم رسالة هذه الجماعات وإيصالها للشباب ‘فهم يفهمون أن الأطفال هم المستقبل ولهذا يجب تعريضهم لأفكار الحركة والقضية’، وهذا يفسر قيام بعض هذه الحركات فتح معسكرات تبدأ ‘بالليوث’ ثم تتدرج إلى مرحلة ‘الكشافة الأسود’ للأحداث.
واختارت الدولة الزرقاوي، كاسم للمعسكر نظرا لدوره في القاعدة في العراق قبل مقتله عام 2006 ولأنه يظل رمزا ملهما لها ولتوابعها في سوريا. ويظهر فيديو ‘ليوث الزرقاوي’ أطفالا ملثمين يتبعون مدربا، حيث حدد مكانه في الغوطة الشرقية قرب دمشق، ويصور الفيديو اولادا يحملون أسلحة خفيفة يتدربون تحت راية الدولة، ويصور الفيديو الأطفال في أكثر من موضع وهم يتدربون، وهم يتناولون الطعام ويتحادثون براحة وسعادة مع بعضهم البعض. وترافق الشريط أغنية حزينة. ويرى خبراء شاهدوا الشريط أنه حقيقي، ولم يكونوا قادرين على تحديد مكان تسجيله وزمنه، ولا يظهر عدد الأطفال الذين تلقوا تدريبا.ويرى خبراء شاهدوا الفيديو إنه محاولة من الجماعات الجهادية تلقين الأطفال تعاليمهم المتطرفة في بلد ظل يحكم بعقيدة علمانية.
ونشرت جبهة النصرة وداعش أشرطة تظهر مقاتليها وهم يزورون المدارس، وفي واحد منها ظهر مقاتل في زي عربي تقليدي وهو يهتف مع الأطفال شاجبا الأسد واوباما.
ولا يبدو أنه يشجبه بسبب عدم تدخله في سوريا لكن الازمة الإنسانية دعت عددا من الصحف للتركيز على حالة الأطفال .
عدم التدخل
وتساءلت في هذا السياق صحيفة ‘واشنطن بوست’ عن استراتيجية اوباما المترددة بعدم التدخل في الأزمة السورية.
وقالت إن ثمن عدم التدخل كان أكبر مما لو تدخلت واشنطن بطريقة مدروسة. مشيرة في افتتاحيتها أن أي عمل لن يكون بدون مخاطر ويجب ‘ تقدير كل عمل غير كامل مقابل مخاطر الوقوف متفرجين ‘ومساءلة أنفسنا ‘ماذا سيحدث لو فشلت الولايات المتحدة في تشكيل او احتواء الوضع الخطير؟
وللتدليل على ما فعلته الحرب السورية تقترح الصحيفة النظر لنشرة أخبار أي يوم ومراجعة محتوياتها لنرى أن أثر الحرب السورية يمتد من جاراتها إلى العالم. ويؤثر الصراع على سوريا حضاريا وعلى التجانس السكاني وتقول ‘لا احد كان يمكنه التكهن بما كانت الولايات المتحدة ستحققه، لكن من الصعب التنبؤ بنتيجة اخطر وأكثر خوفا مما يحدث’ وتظل كما تقول ‘النتيجة الوحيدة لعدم التدخل او اتخاذ فعل هي التحلل من المسؤولية، أي اننا لم ندمر البلد ولسنا مسؤولين عما حدث فيه. و’حتى هذا فهو أمر لا قيمة له مقارنة مع خطط المتطرفين المعادين للولايات المتحدة لتأسيس جذور لهم في سوريا وانتشار البؤس وهو ما يقود إدارة أوباما أو التي ستخلفها اكتشاف أن ثمن عدم التدخل يفوق أكثر بكثير من تدخل حدث في وقته وبعد دراسة متأنية’.
ضحايا أبرياء
وفي افتتاحية صحيفة ‘غارديان’ قالت إن غالبية الذين دمرت حياتهم واقتلعوا من جذورهم وقتلوا في الحرب ليسوا مشاركين فيها بالفعل أو جنودا فيها.وفي افتتاحيتها عن مقتل الطبيب البريطاني عباس خان في سجن سوري قبل أربعة أيام من إطلاق سراحه، والذي ذهب لإنقاذ حياة السوريين ‘ونجح بخسارة حياته’ـ وهنا ‘ المأساة الحقيقية’، ولكنها ‘جزء صغير جدا من المأساة التي تعيشها سوريا اليوم’، فمنذ اعتقاله في حلب العام الماضي قتل الالاف من السوريين في المدينة نفسها، وحلب هي واحدة من ميادين الحرب ‘في مسرح متعدد المشاهد للوحشية التي هي الحرب الأهلية السورية’.
وتقول الصحيفة إن إساءة معاملة وتعذيب الرجال والنساء المعتقلين في سجون الحكومة والمعارضة ليس شيئا جديدا ‘ وفي نزاع كهذا فأي أمل بمعاملة إنسانية للمعتقلين يظل أمل بائس’.
خاصة أن من يحاولون الحديث عنها والمطالبة بها يتعرضون للإختطاف وخطر القتل كما حدث للناشطة رزان زيتونة التي اختطفت مع زميلين لها من مركز عملهما من جماعة غير معروفة ولا يعرف حتى الآن مصيرهم.
تحول دولي
وتقول إن ‘غالبية المتأثرين بالحرب’ قتلا وتشريدا هم في الحقيقة ليسوا مقاتلين أو فاعلين فيها بشكل واسع ومن هنا لا أحد يستطيع تحميلهم مسؤولية ما يحدث على الرغم من حصتهم الكبيرة التي حصلوا عليها من هذا الصراع الرهيب وهو ما تحدثت عنه المفوضة السامية لشؤون اللاجئين فاليري آموس التي دعت إلى جمع 6.5 مليار دولار لمواجهة الكارثة الإنسانية.
وتقول الصحيفة إن آموس في وضع لا تحسد عليه حيث ستحاول التعامل مع السلطات السورية للتأكد من دخول المواد الغذائية للمناطق المحاصرة والتي ستقوم الحكومة بالتلاعب بها لخدمة أهدافها. فقد تقوم بحظر مرورها للمناطق الواقعة تحت سيطرة المقاتلين او السماح بدخولها بشرط شمول المساعدات المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
و’لا تستطيع ليدي آموس الإعتماد على المجتمع الدولي لممارسة الضغوط على نظام بشار الأسد للسماح بمرور المواد أو توزيعها للفئة الوحيدة التي تحتاجها، ولان الأمم المتحدة تواجه عرقلة من روسيا، فقد تجنب تمرير قرار عن الدعم الإنساني حول سوريا’.وتشير الصحيفة إلى ‘تغير المشهد السياسي في سوريا مع استمرار المعاناة هناك، وهذا التغير غير متوقع ولا يمكن التكهن به، فالمعارضة العلمانية المعتدلة، خاصة الجيش السوري الحر، سيتم استبدالها او تفوقت عليها جماعات إسلامية، في الوقت الذي تبدو فيه سيطرة الأسد على معظم البلاد اكثر ثباتا من ذي قبل’.
وتحدثت عن التطورات الأخيرة في شمال سوريا وسيطرة الجبهة الإسلامية على مخازن معدات وأسلحة للجيش الحر مما قاد الولايات المتحدة وبريطانيا تعليق المساعدات غير الفتاكة للجيش الحر. وترى الصحيفة أن هذا التطور قد يقود إلى ‘تحول في مواقف واشنطن والعواصم الغربية’، فيما دعا رايان كروكر، السفير الأمريكي السابق في سوريا والعراق إلى إعادة النظر في السياسة من الأسد.
مشيرة أيضا لتقرير وكالة أنباء رويترزعن أن الدول الغربية أخبرت ممثلي المعارضة المسلحة أن مؤتمر جنيف-2 الشهر المقبل قد لا يؤدي إلى خلع الأسد عن السلطة. وتختم بالقول إن ‘تسوية لا تزال بعيدة، وما هو أكيد هو حاجة السوريين للمساعدة الإنسانية أكثر من أي وقت مضى، حيث يمر على الأزمة الشتاء الثالث’.