ثلاث سنوات مرت على الثورة التونسية ثورة الحرية والكرامة ..ثلاث سنوات مرت على ثورة ساهمت في عدوى تغيير السياسي لدى الآخر. إنّ التاريخ يعلمنا أن الأمم تجد في الماضي دروسها وبه تستأنس لتطور حاضرها وتتوق لخير غدها. لقد قدمت لنا الثورات الانسانية نماذج في أسس تحولاتها، حيث كان السياسي يهتدي بذاك الثقافي، فكان لفولتير وروسو وروباس بيار صولاتهم وبصماتهم على ممارسات الدولة الفرنسية الحديثة، مثلما وجدت الثورة البلشفية في كتابات ماركس ولينين منارات رشد لها. هي الثورات لا يمكن أن يستقيم عودها ويثمر أكلها في غياب أسس الفكر وحضور النخب . بعد ثلاث سنوات من الثورة التونسية نقف على طغيان واضح للسياسي على الثقافي، ويتمثل ذلك في تحويل جل الفضاءات العمومية والمساحات الإعلامية السمعية والبصرية الى حلبات صراع بين الفرقاء لتبادل الأفكار وتوجيه الاتهامات وللتجريح المؤلم في الذمم والأعراض. وهو ما انعكس على واقع الشارع التونسي، حيث وصل الأمر إلى حد العنف والحرق والتراشق باللين والصلب واللسان والأيادي. واتجهت قلة من الشباب نحو الحلم بالسلاح قوة للتغيير وقلب موازين الاجتماع والتمدن، وهنا يكمن عمق الاستفهام حول دور الثقافي والأكاديمي المعرفي في توجيه الواقع تفكيرا وممارسة لتجنب لغة القوة ومنطق الرصاص والنار كبديل عن الحجة والعقل. كما يتجه الاستفهام أيضا نحو اعطاء الثقافة والنخب الدور الجدي في هذه الثورة حتى تتنفس الأرض ويفرح الناس ويطير القول أبعد من مداه، ذلك أن كل ثورة في التاريخ كان سياسيها يجد دائما في الثقافي روح التوجيه وحسن المراقبة النقدية لبلوغ أهداف الثورة ونبل مبادئها. 2 بعد ثلاث سنوات من الثورة كان على الثقافي في هذه الربوع أن يعود الى احتلال موقعه، لخلق ذائقة جديدة تغير وضع تونس الثورة. لقد لاحظنا تطورا جادا لواقعنا السياسي عبّر عنه الجدل المتسع والمترامي الأبعاد ما بين ايديولوجية ومعرفية ذاك الذي يستمد جذوره من داخل أمرين أساسيين، الأمر الأول هو الكبت السياسي الذي عاشه الانسان التونسي على مرّ خمسين عاما من الحكم الدكتاتوري المزدوج، والأمر الثاني هو هذه الرغبة الجامحة من النخب لبناء نظام سياسي يعترف بالكل خارج كل اقصاء. وقد عبرت الشهور الأولى من ثورتنا عن رغبة ثقافية جادة لانعاش الجسد الذي ظلّ يحتضر في السنوات الخمسين الماضية، وذلك بسعي من إرادة جديدة تسعى لبناء واقع ثقافي بديل خصوصياته التعدد والاختلاف الحقيقي. ولعلّ في تكاثر الجمعيات الثقافية الحقيقية لا المزعومة تكمن هذه المحاولة لخلق ثقافة حوارية تتجاوز الواحد نحو التنوع، وتغادر الجاهز نحو المشروع البنائي. وتبعا لذلك برز جدل من الاحتقان السياسي والاحتقان الثقافي لخلق تونس الجديدة لدى البعض والأمة الجديدة لدى الآخرين. هو جدل أراد له البعض الحياة والنمو وخالفه البعض ليجعل منه محاولة لقبر الثورة والحـــرية وعلنية القول والرغبة في الحوار النظيف. هنا يكون دور الثــــقافي محاولة حقيـــقية لاستنفار إرادة التعبير عن الحرية لدى الناس وقيادتهم لجانب الحياة بعيدا عن زريبة الموت. قول يذكر الساسة بوجوب الانتباه لتغيير الفكر والقيم مثل توجههم لتغيير ممارسات الحكم . 3 يحتاج تأملنا الواعي لواقعنا السياسي الثقافي الجديد، التوجه نحو جامعتنا التي لم تزل تمكث داخل أسوارها وما زال الباحثون في وحداتها يتوجهون إلى الكتب والمدونات عوض الانخراط في الشارع وأخذ المعلومة من العيني المباشر. إن الجامعيين عندنا ألّهوا الكتب وخيروها على الفعل الواقعي، أهملوا نبض الشارع وحسن سماع الضفة الأخرى، حيث تجربة الناس وصدق الوجود. لقد ظلت وحدات البحث الجامعي في تونس وفي الوطن العربي عموما تبحث عن الموضوع انطلاقا من دقة المناهج المتبعة في البحث، مهملة الموضوع ذاته ذاك الذي يؤسسه الموجود في مكانه الأصلي، أي في مكان عيشه الحقيقي. هكذا عانق الباحثون عندنا حيطان جامعاتنا وتأملوا جيدا في الظواهر الإنسانية بتغييب الاحتكاك بالفعل الخارجي، حيث الموضوع وجدله الحقيقي، مختارين التعالي وتطليق الواقع عن الانصهار في عمق الخارج. ولعل ترتيب جامعاتنا التونسية خاصة والعربية عامة وما تحتله من مراتب سفلية في درجات سلم المعرفة شهادة على تخلف قيم البحث ومناهجه ومواضيعه لدينا . إن ثورة 14 يناير التي بينت للنخبة التونسية والعربية قيمة سواد الناس وقدرة الطبقات الشعبية على دفع الحاكم وزبانيته إلى الهروب، هي التي ستكتب قصص المجد، وهي التي ستعلم الجامعيين خاصة والمثقفين عامة سلوك طريق الحرية وتصحيح التصورات السابقة عن المعرفة والمجتمع والسياسة والناس. كذلك هي طرق تحرير العقل وتصحيح المناهج وتطوير الذوات لا حياة لها خارج تصحيح المبادئ وإعلاء اليومي ليساهم في تطوير المعرفة وبناء الثقافة النقدية. لعلها ثورة ثقافية تنشد خروجها من الركام، هي ثقافة الانسان لا يمكن أن تتطوّر بغير هذه العودة الى الفعل الثقافي في حركيّته وفي رفضه لديكتاتورية الحاكم والسلطان وكلّ أشكال الهيمنة على الرأي والرأي الآخر. كان على النخب الثقافية التونسية أن تنظر لهذا الزخم الثقافي والسياسي بعين الجدة والنقد، فليس هناك من قدر لثقافة الاحتقان الجديدة غير الحوار والحوار البنّاء كأنموذج تعددي يرهب كل محاولات العودة الى الوراء. لا يمكن اليوم الحديث عن تقدم للثقافة وللفكر وللإبداع والمعرفة من دون هذه الاحتقانات الضرورية، فتاريخ الانسانية يرتبط بهذا الجدل بين السالب والموجب، وبين الواقع والفكرة، وبين الأنا والآخر.. طوبى للحرية وهي تنشر ضرورتها في سماء تونس والابداع والثقافة والسياسة لتعلن لنا وللآخر أن ربيع الثورات يزحف بكل قوة نحو العقول وأنّ الثورة الثقافية ضرورية لتصحيح المسار. ثورة يعشقها الحاكم مثل المحكوم وتذكر أصحاب السلطان بضرورة احترام النخب المعرفية والفنية إذ بها ندخل عالم بناء إنساننا. المجد للفكر والحرية للفن روح الإنسان والانتباه الانتباه من ممارسة سياسية تغيب فعل نخبها. رحم الله الشهداء ضياء الكتابة والخيال ونبراس الحاكم في ممارساته السياسية . 4 ‘لم يعد للثورة طعم التمر حتى النواة حتى النساء حتى المدارس حتى النزل لم يعد للثورة غير الكتب حتى التلفاز حتى السجن حتى الخمر حتى أنا لم أعد أنا الشعر فر من يدي لأبي لهب’