في أغنية للفرنسية باربارا عن ليلة الميلاد، تكون الساعة العاشرة مساء تقريباً من يوم الجمعة. هو، من أجل أن يحتفل بعشيّة العيد، كان ذاهباً إلى بيت مادلين قرب جسر ألما؛ مادلين التي كانت لتتألم لو لم يأتِ. ارتدى لها بذلة خضراء مخمليّة، وسترة بيضاء بياقة عالية مدوّرة. مشى على طول نهر السين وهو يصفّر بينما يمشي ببطء، إذ طالما هو ذاهب إلى بيت مادلين، كان لديه الكثير من الوقت. هي، بجزمتها السوداء وقفّازها الأبيض، كانت ذاهبة عند جان-بيير، الذي كان ليتألم لو لم تأتِ. كانت ستقول له أحبّك حين تصل، لكنّها كذلك مشت على طول نهر السين ببطء وهي تدندن، إذ طالما هي ذاهبة إلى بيت جان-بيير، كان لديها أيضاً الكثير من الوقت.
هناك على الجسر التقيا، كلاهما كان قادماً من الاتجاه المعاكس. هو، عندما رآها جميلة هكذا، من الجزمة السوداء إلى القفّاز الأبيض، شعر بنفسه خائناً حتّى أطراف أسنانه. وهي، أحبّت بذلته الخضراء وسترته البيضاء ذات الياقة المدوّرة العالية، وابتسمت له وهي ترتجف في الشتاء. ‘بونسوار، أنا ذاهبة إلى بيت جان-بيير، قرب جسر ألما’. ‘بونسوار، وأنا إلى بيت مادلين، البعيد بضع خطوات من هنا’. لكنّهما ذهبا عند أوجين ليحتفلا، وتحت شجرة الميلاد تعانقا. كانت سعيدة، وشعرت بالخفّة في جوف ذراعيه. عند الفجر أحبّا بعضهما قرب نار الحطب، واحتفلا بعيد الميلاد.
لكن بعد أسبوع، في يوم الجمعة، عشية رأس السنة، كلّ شيء بدأ من جديد. هو، عاد إلى بيت مادلين وقد بدا عليه شيء من الخبث والمكر، وهي إلى بيت جان-بيير، متأخرة قليلاً. كانت هناك ‘بالتأكيد’ كما تقول الأغنية مشاهد قرب جسر ألما؛ مشاهد جمعت عاشقين عاشا ليلة ميلاد كما لم يعرفها أحد. مع ذلك، كما في ختام الأغنية، كان لطيفاً بالنسبة لهما أن عاد كلّ منهما إلى البيت بعد ما كان منهما معاً.
هو الجمال بطبيعته هكذا: خائن، منحرف، أنانيّ، خبيث، مراوغ، بارع في لعبة الشكل والتأويل. مع ذلك هو كلاسيكيّ العناصر: رجل وامرأة، نهر وجسر، نار وحطب، وحبّ يمارَس في السرّ، ولا يستمرّ.
هي تلك العناصر التي تخالف، سطحيّاً، روح عيد الميلاد، كما يخالفها ويخالف اجتماعاتِ البشر السعيدة كلُّ الأدب الجميل. لكنّها في العمق تشبهها، جدّاً. ففي الحالتين، الحرفيّة (كما في ترنيمة عيد الميلاد الشهيرة) والمجازيّة (كما في أغنية باربارا) هناك آخر وحبّ وهدايا وألعاب ونبيذ وألوان وأضواء. ‘ليلة الميلاد، ينبتُ الحبّ’، كما في الترنيمة. قد لا يكون الحبّ المنشود دينيّا هو ما أحسّت به غريبة بين ذراعي غريب، إذ لم يرد ذلك للبشريّة أبداً من وُلد ليلة الميلاد، رغم أنّ كلّ ما في قصّته، المخالفة للطبيعة، يكشف عن إدراك عميق لقيمة الغرابة والاختلاف في صناعة الجمال. حرفيّاً، نكون في الميلاد عندما ‘نكفكف الدموع في العيون’، وعندما ‘نكسو عريانَ ثوبَ حبّ’، وعندما ‘نذوب في كيان الله’. يبدو أنّ الغريبين شطحا في التأويل، واحتفلا بمجاز ما. ربّما كفكف أحدهما دموعاً سقطت من الآخر في آخر الليل بلا مبرّر واضح، ربّما عرّاه فكساه ثوب حبّ، وربّما ذاب في كيان غريب جميل بلا أسئلة فاقترب من فكرة الله؛ من فكرة صارت روحاً صارت بشراً يرتدي جزمة سوداء وقفازا أبيض، أو بذلة خضراء مخمليّة وسترة بيضاء بياقة عالية مدوّرة. لأنّ العشق كما الإيمان، مختصر الطريق أعمى عن أدلّة النفي، تكون أغنية باربارا مجازا دقيقاً جدّاً لروح عيد الميلاد.
في النهاية كلاهما عاد إلى بيته، واطمأنّ إلى حقيقة ما، مهما كانت هشّة، لكنّها تمنح البشر خطّا مستقيماً، حبلاً يسيرون عليه كي لا يقعوا في هاوية الزمن الفوضويّ. مادلين وجان-بيير، نظريّاً وعمليّاً، ضرورة بشريّة، ثمنها أن تصبح مذهبياً لا تطيل النظر في جزمة سوداء أو قفاز أبيض وإلاّ اختلّ توازنك وأنت على الحبل. وهو ما يحدث كثيراً جدّاً بالمناسبة، إذ مَن مِن بين كلّ من يدّعون الإخلاص لشخص أو فكرة هو حقّاً بلا خطايا في حقّها؟ لا حَجَر، لأنّ الحاجة إلى الجمال لا تغيب أبداً عن بشر. على أنّ معظمهم أضعف من أن يغمسوا أنفسهم في دهاليز التأويل وألعاب المجاز، ولو كان الجمال الممكن كلّه هناك. هناك في هاوية قعرها الدائم الوحدة والضجر.
الجمال من طبعه الهرب، ويحتاج للحاق بفتاته الموزّعة عبر الزمان والمكان قوّة حقيقيّة، واستعداداً بطوليّاً للخسارة، إذ قد لا يأتي أبداً، ويبقى محكوماً لصدفة ما نادرة فوق جسر قرب نهر في ليلة باردة جميلة كنت ترتدي فيها، كما كان يرتدي الغريب، أجمل ما لديك، وكنت تصفّر، وكانت تدندن، وكان كلّ شيء معدّاً، صدفةً، للجمال، ولطريقة باربارا في الاحتفال المجازيّ بليلة الميلاد.