يعاني لبنان وضعاً سياسياً وامنياً مضطرباً بل متفجراً. صحيح ان مصدر الاضطراب سياسي بالدرجة الاولى، لكن تردي الوضع الامني بات لا يحتمل انتظار حل سياسي للأزمة المتفاقمة. ثمة حاجة ملحة وضاغطة لاتخاذ تدابير أمنية استثنائية، جدّية وسريعة لمحاصرة مصادر الانفلات والاختلال والسيطرة عليها.
المشكلة ان اهل النظام، موالين ومعارضين، منشغلون عن الوضع الامني بالازمة السياسية لدرجة اصبح معها الجيش اللبناني ‘يتيماً’ في مواجهة تداعيات الحرب في سوريا، على حدِّ تعبير صحيفة ‘السفير’، ما حوّلها حرباً في لبنان ايضاً بين مؤيدي طرفيّ الحرب الدائرة في سوريا وعليها. الى مشكلة مواجهة تداعيات الحرب في سوريا، ثمة مشكلة مواجهة تداعيات الحرب السياسية في لبنان، فبعد نحو تسعة اشهر على استقالة حكومة نجيب ميقاتي، لم يتمكّن الرئيس المكلف تمام سلام من تشكيل حكومة بديلة. فوق ذلك، تقترب ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من الانتهاء ما يطرح سؤالاً مفتاحياً: كيف سيكون وضع البلد سياسياً وامنياً اذا ما اخفق اطراف الصراع في التوافق على رئيس بديل قبل 25 ايار/ مايو المقبل؟ كل هذه التحديات والمخاطر تستوجب، بلا شك، مواجهة ومعالجة سريعتين، لكن التحدّي الامني يبقى الاكثر خطورة وبالتالي الاكثر جدارة بالمواجهة الجدية والسريعة.
لماذا؟
لأن الاضطراب الامني بات يعمّ جميع الاراضي اللبنانية، من شمالها الى جنوبها، ومن شرقها الى غربها، ذلك أجبر قيادة الجيش اللبناني على نشر ألويته وكتائبه على كامل مساحة الوطن تقريباً، الامر الذي استولد بدوره مشكلة اضافية. فعديد الجيش محدود قياساً بالمهام والاعباء الملقاة على عاتقه، وتسليحه ضعيف في مواجهة حجم القوى المخلّة بالامن وتسليحها المقلق.
لعل التحدي الأخطر الذي يواجه لبنان، كياناً وجيشاً، اعلان التنظيمات الموالية لـتنظيم ‘القاعدة’ او المتفرعة عنه مباشرةَ عملياتٍ في عمق لبنان ضد من تعتبرهم معادين لها او مؤيدين لقوى تُقاتلها في عمق سوريا. فما جرى من تفجيرات دموية مدوّية في ضاحية بيروت الجنوبية (الرويس) وضد السفارة الإيرانية، وفي منطقة صيدا (جسر الاولي ومجدليون ضد حواجز الجيش)، وقصف الهرمل (ضد ثكنة الجيش) ثم بعلبك بالصواريخ، ناهيك عن تهديد وزير الداخلية مروان شربل بالقتل، إن هي إلاّ أدلة صارخة على ان المجموعات الإرهابية قرنت اقوالها بأفعال دموية مدوية، وانها تمعن في اعتماد سلوكية العنف الاعمى بلا هوادة، وانها باتت تستهدف الجيش اللبناني تحديداً بلا مواربة.
إزاء تعاظم التهديدات والاخطار، قام الجيش بحملة امنية استباقية غير مسبوقة في منطقة صيدا صعوداً في وادي نهر الاولي (بسري) شرقاً، ألقى خلالها القبض على بعض الإرهابيين من جماعة الشيخ المتواري احمد الاسير. كما قام بحشدٍ لافت لقواته في منطقة البقاع الشمالي، بعدما تكرر قصف مدينتي الهرمل وبعلبك من مواقع المعارضة السورية المسلحة فوق تلال سلسلة الجبال الشرقية الواقعة على الحدود بين لبنان وسوريا. كما قام بتكثيف قواته المنشورة في مدينة طرابلس ومحيطها لمواجهة الاشتباكات التي لا تنتهي فيها.
هذه التدابير الاستباقية التي قام ويقوم بها الجيش تقع في اطار التحسب لتداعيات الحملة الواسعة التي يقوم بها الجيش السوري ضد فصائل المعارضة المسلحة في منطقة القلمون. وقد تردد أن محور جهده الرئيس هو بلدة يبرود، وانه اذا ما تمكّن من السيطرة عليها فإن الافاً من المسلحين، فضلاً عن اللاجئين، سيضطرون الى الفرار منها باتجاه لبنان. ذلك سيشكّل تحدياً امنياً إضافياً للجيش اللبناني الذي يتعيّن عليه ضبط الامن في مناطق ومساحات شاسعة بسرايا قتالية محدودة العدد والعدة.
الى ذلك، نشأ تحدٍ امني جديد للجيش والمقاومة معاً في بلدة شبعا الجنوبية الواقعة بين المنطقة اللبنانية التي تحتلها ‘اسرائيل’ ومنطقة مجدل شمس السورية. فقد نجم عن المعارك الدائرة هناك، ولا سيما في بلدة بيت جن، مقتل وجرح العديد من مقاتلي الطرفين. ويبدو ان فصائل المعارضة السورية المسلحة قامت بنقل جرحاها الى شبعا لمعالجتهم، الامر الذي اثار استياء ابناء منطقة حاصبيا الذين تربطهم صلات قربى عائلية وتعاطف سياسي مع اهالي منطقة مجدل شمس الموالين للحكم في دمشق. فقد اعترضوا على تطبيب الجرحى في شبعا مخافةَ عودتهم الى مقاتلة اقربائهم والمتعاطفين معهم في الجولان. فوق ذلك، فإن اهالي شبعا نفسها ابدوا اعتراضاً مماثلاً مخافةَ تعرضهم الى ردود فعل سلبية، ليس من ابناء حاصبيا فحسب، بل ايضاً من اهالي انصار المقاومة في الجنوب الذين يقاتل ابناؤهم في منطقة القلمون السورية ضد التنظيمات المنعوتة بالتكفيرية والإرهابية. والمفارقة العجيبة ان اهالي شبعا البالغ عددهم نحو ثلاثة الاف ما عاد لهم سلطة ولا نفوذ في بلدتهم بعدما بلغ عدد اللاجئين السوريين اليها يناهز الخمسة عشر الفاً! كل هذه التطورات والتحديات والمخاطر تطرح المسألة الامنية كأولوية اولى في هذه المرحلة، كما تُبرز الجيش اللبناني كمرتكز اساس للامن، بل كعمود فقري للدولة المتزعزعة الاركان في غمرة الانقسامات السياسية الحادة التي تعانيها والتشرذم والفُرقة الناجمة عنها في صفوف الشعب.
اجل، الجيش هو المؤسسة الوحيدة العابرة للطوائف وللجماعات السياسية المتنافرة والمتناحرة، والقوة الامنية الوحيدة المتماسكة والقادرة على حماية أمن الناس وتأمين الحد الادنى من الاتصالات والتواصل في ما بينهم.
الجيش والنقد (العملة) هما اللبنانيان الوحيدان اللذان يحملان، هذه الايام، هوية البلد. معظم إن لم يكن كل ما عداهما بات جزءاً من انتماء الى متّحدات اوليّة ادنى، كالطائفة والمذهب والمحلة والحي، ناهيك عن جماعات المصالح وميليشيات الابتزاز المالي والفساد والإفساد الاجتماعي.
هل ثمة مغالاة اذا ما طالب الناس قريباً بأن يُصار الى ادارة البلد، ولاسيما الشأن الأمني، من قبل المجلس الاعلى للدفاع بدعم من القوى الوطنية الحيّة وبمواكبة، إن لم يكن بمشاركة، يومية جادة من قياداتها قبل ان يصبح شعار المرحلة، جهاراً نهاراً واختياراً، ‘الجيش هو الحل’؟!
كاتب لبناني