عقدت القمة الرابعة والثلاثون لدول مجلس التعاون الخليجي بالكويت يومي 10 و11 من الشهر الحالي وسط أجواء من الاختلاف حول ملفين في غاية الأهمية والحساسية، العلاقات مع إيران من ناحية والتواصل مع مصر من ناحية أخرى.
بعيداً عن أجواء التجاذب والتباعد بين الدول الست حول أمور أخرى، أجد أن الحقائق المجردة تفرض علينا أن نُقر بأن مجلس التعاون الخليجي استطاع على مدى سنواته، التي بدأت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي أن يتجاوز العديد من العواصف العاتية التي هبت عليه وكادت أن تقتلعه من جذوره، لولا حكمة وحنكة قادته الراغبون في نجاح تجربتهم، رغم المعوقات الداخلية والخارجية.
فقد حرص الجميع على تفعيل العوامل المشتركة بين الشعوب من ناحية والتوافق الواقعي بين الأنظمة الحاكمة من ناحية أخرى، مع تواصل السعي المشترك لتعظيم دور المصالح والتعاون لدرء الأخطار والعمل معا لتحقيق قدر متنام من التعامل الفعال.
الدبلوماسية الخليجية في مجمل تجلياتها نجحت حتى الآن في التوصل إلى مجموعة من الآليات النوعية التي تُجمع في ما بينها، أكثر مما تشتت، لخدمة حد أدنى من الرؤى التي تتوافق عليها المصالح المشتركة، بهدف التوصل إلى بلوغ هدف الاستقرار المجتمعي والأمن الجماعي، مع إيجاد حلول شبه مستدامة لنقاط الخلاف أو ما يُوصف بأنه تباين حيال ما يجب اتخاذه من خطوات للسير بين أنواء موجات التقلبات السياسية والأمنية التي تهب بلا هوادة تجاه شواطئ الخليج.
من بين العديد من الملفات التي اشتملت عليها أجندة الدول الخليجية الست، يمكن القول ان تفاعلات الملفين الإيراني والمصري هي التي هيمنت بشكل لافت على أجواء القمة الرابعة والثلاثين لمجلس التعاون الخليجي. الكياسة الكويتية نجحت إلى مدى بعيد في التعامل مع الملفين بدرجة واعية من التقدير نالت استحسان الداخل والخارج.. قبل أيام من موعد انعقاد القمة استقبلت الرياض أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد ومعه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لتبادل الرأي حول الشأن المصري ولتقريب وجهات النظر بين السعودية الكويت من ناحية وقطر من ناحية ثانية.. وأثناء القمة وضحت إمكانات القيادة الكويتية حين تمكنت من احتواء الاختلاف بين الرياض ومسقط حيال خطوات تسريع الخطى نحو صيغة اتحادية تضم دول المجلس معاً.
اعتمدت الدبلوماسية الكويتية على مصطلح ‘ نتحاور حول الاختلاف في الرؤية، الذي يجمعنا، ولا نسمح للخلاف في الرأي أن يفرقنا’.. إدراكاً منها بتعدد نقاط الاختلاف وتنوع الرؤية تجاهه! وربما قناعة منها ومن غيرها أنها أي تعدد تلك النقاط – لن تزول بين عشية وضحاها، واتفاقاً مع غيرها حول ضرورة الإبقاء عليها في إطار التوافق بحيث لا تُهدد منظومة مجلس التعاون الخليجي.
أزعم أن الدول الخمس وافقت الكويت على العمل خلال الأشهر القادمة على تعزيز ما يجمع بينها جميعاً وعلى تلمس سبل توافقية لتجنب ما يثير الحساسية بينها..
كان هناك اختلاف على مستوى الدول الست من قبل التفاوض على صياغة الجملة التي حرص البيان الختامي للقمة على أن يوضح عبر كلماتها موقفه مما يجري في الساحة المصرية. اختلاف ظهر على السطح منذ أطاحت الجموع الشعبية بحكم جماعة الإخوان أواخر شهر يونيو الماضي وأدى إلى انقسام الدول الست حيال رؤيتها له كشأن داخلي في ضوء السؤال الذي لازال ساريا هل ما جرى كان انقلابا أم ثورة؟ ثم تعمقت المواقف حياله في ضوء مسارعة البعض في الاستجابة لضرورات دعم الشعب المصري مادياً وسياسياً ومجتمعياً.
صباح اليوم الثاني من اجتماع القمة، سربت وسائل الاعلام أن قيادات أربع دول تمسكت بالتعبير عن دعم المجلس لمصر بشكل مطلق، سواء من منظور النظام الحاكم وحكومته الانتقالية او على مستوى توجهات المستقبل وما يطرحه من بناء وتصحيح للمسارات كافة.. ما يعني أن دولتين كان لهما رأي آخر يتمحور حول أن يكون تركيز الدعم الخليجي لخيارات الشعب المصري وليس لما آل إليه حاله بعد 30 يونيو الماضي..
الألغام هنا مقدور عليها، لأن بعضها يحاول أن يفصل بين خيارات الشعب المصري وحكومته الحالية، وبعضها الآخر يعبر عن تأييده للقلة من المصريين التي ترفع شعارات مؤدية لجماعة الإخوان، والبعض الثالث يقف على خط المعارضة غير المبررة من الأكثرية داخل القمة الخليجية التي فضلت منذ نحو أربعة أشهر المشاركة في الحفاظ على الوطن والدولة والشعب فوق أرض مصر..
لا أجد غضاضة في ما جاء به بيان القمة لأنه وان تنازل عما طرحته الأغلبية، إلا أنه عبر بوضوح عن قدرة الدبلوماسية الكويتية على تخفيف حدة الاستقطاب وعلى مهارتها في التوصل إلى حلول إيجابية لا تُفقد الهدف مضمونة الإيجابي.
ألغام الملف الثاني هي الأهم من حيث التأثير، ناهيك عن القدرة على التفجير..
حتى اللحظة الراهنة تعترف الدول الست أنها تتعايش ضمن مفردات المظلة الأمنية الغربية التي لا زالت تربط أمن موارد الطاقة المتفجرة على شاطئ الخليج بأمنها القومي من ناحية، ومصالح تلك الدول التي تشكل أطياف المظلة من ناحية ثانية..
اللحظة الراهنة حبلى بتقارب غربي مع إيران قد يؤدي من وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي إلى تعاظم قوة طهران الإقليمية على حساب قدراتها الذاتية أي الدول الست في الدفاع عن نفسها، وتخشي من تعاظم الدعوة التي سبق ان أطلقها أحمدي نجاد عام 2007 لإنشاء مؤسسات أمنية تعكس التعاون بين دوله وبين إيران.. قمة الكويت شهدت تعارضا بين ما هو ذاتي وما هو إقليمي.. وعاشت أجواء اتحادية تقاطعت معها مطالب تدعو إلى مراعاة التغيرات والصراعات التي فرضت نفسها مؤخراً على الساحة.. وثارت بين جنباتها تعبيرات صريحة عسكت حساسيات بين ما هو سيادة خليجية موحدة وما هو سيادة محلية. ووضحت ضمن أحاديثها مخاوف تفكيك عرى مجلس التعاون الخليجي لصالح التأسيس لنظام إقليمي بديل، في المقابل ظهر حرص الدبلوماسية الكويتية على ترسيخ عرى التعاون الخليجي وضرورة التمسك بها وتطويرها..
وإذا كانت قمة الكويت الخليجية قد أبرزت منتهى الالتزام الآن ومستقبلاً بهدف تعميق مفهوم الاتحاد بمعناه السياسي والاقتصادي والعسكري، فعليها ان تعمل على امتداد فترة توليها لرئاسة المجلس على تعزيز الأفكار التي تُحقق عددا من الخطوات المؤثرة في مسار هذا الطريق.. السياسات العاقلة غير الانفعالية هي التي ستُفرز خطوات إيجابية تحمي مكونات المجلس من الانفراط وتقلص مدى الاختلافات وتحد بقوة من عوامل الدعوة إلى الانفصال. والرؤية الواسعة لدائرة الخليج الإستراتيجية وعلاقتها الإقليمية والدولية ستقود حتما إلى التعامل مع الواقع، سواء فيما يتعلق بالملف السوري أو ما يرتبط بمصالح الدول الغربية الكبرى، او بمستقبل القوى الاقليمية، ليس فقط من منظور الخليج والدول المطلة عليه وإنما من منظور الشرق الأوسط الكبير ككل.
الدبلوماسية الكويتية مطالبة ضمن مسؤولية دورية رئاستها لقمة مجلس التعاون الخلجيي على امتداد الاثني عشر شهراً القادمة، بـ..
1 – فتح آفاق جديدة مع الدبلوماسية الإيرانية لتوفير أكبر قدر من الاطمئنان الواقعي الذي ينفي عمليا كل ما يقال حول مطامع طهران في الخليج العربي، وحول تكتيكاتها الظاهرة والخفية لمد نفوذها السياسي والمذهبي، وحول مخطط قدرتها منفردة على ملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة خلفها ان عاجلاً او آجلاً..
2 التأكيد على أن التوصل لحلول سياسية على مستوى الملف السوري لا يعني تمدد النفوذ الإيراني الى الضفة الأخرى من الخليج، من منطلق الانتصار الساحق للسياسات الإيرانية في المنطقة على حساب رؤية السياسات المناوئة لها.
3 العمل على أن يتحول تنوع الرؤية وتعدد منطلقات العمل الخليجي إلى توافق على اتخاذ مواقف تخدم مصلحة دول المجلس الست وشعوبها مثل توحيد منظومة القوانين والتشريعات ومؤسسات الحكم شديدة التشابه.
4 إفساح المجال لتفهم طبيعة التغييرات التي وقعت على الساحة المصرية وإيضاح أن ما جرى، مهما تعارضت وجهات النظر حياله، أمر داخلي بحت من شاء ان يؤيده فليؤيده ومن شاء ان يعترض عليه فليعترض من قاعدة أخوة العروبة والتاريخ والجغرافيا.
باختصار مطلوب من الدبلوماسية الكويتية ان تتعامل مع الاختلافات والتباينات على مستوى دول مجلس التعاون، بحيث تُقلل من عوامل الفرقة وتُنمي ميراث الواقع الجغرافي التاريخي والارث الإنساني والاجتماعي المتنوع الذي يمتد إلى الشمال والغرب بنفس درجة ومستوى امتداده نحو الجنوب والشرق..
‘ إستشاري اعلامي مصري مقيم في بريطانيا