الاحتفاء باللغة ..حرمان من متعة الشعر !!

حجم الخط
2

من المعروف أن الشعر ولد مع ولادة الإنسان وسيبقى مواكبا لكل العوامل المحركة للحياة ، فالنص الحي بدون أدنى شك هو من يثير الأسئلة دائما ولا خير بنص لا يثير غبار الشك واليقين والجدل بين مادح معجب وقادح معترض..
فالنص يقوم على الشك صوب يقينيات يتقصدها ببحثه المستمر نحو المعنى الكبير ، فقد يكون وحده من صيّر الفكرة لصالح الجمال، أو يكون وحده الذي شوّه الصورة بمجازات و ترميز و لغة غامضة اعتقادا منه أنه يحتفي باللغة و يطورها …
فما يفعله البعض ممن يعتقدون انفسهم شعراء هو تشويه للغة وليس احتفاء ، وحين تسألهم عما يفعلون يقولون لك اننا نكتب للنخبة ، وأكاد اجزم ان هؤلاء النخبة لا يفهمون ايضا مايكتب من فلسفة قد لا تبث لقيم و قواعد الفلسفة بصلة، ولكنها مجاملات تافهة روجت للكثير، مما نراه اليوم من عزوف عن الشعر وضياع الشعر الحقيقي في زمن تكاثر فيه الشعراء و قلّ فيه الشعر .
و ان كان الحديث هنا عن الشعر الحقيقي الذي يحتفي باللغة ويستثمر جمالياتها في عملية الخلق ، فقراءة الشعر تحتاج الى دربة وتهيئة مسبقة كالتمارين الرياضية حتى تصل الى اللياقة التي نريد ، فلايمكن لأي قارئ ان يستوعب كل مايقال شعرا الا اذا وصل الى تلك اللياقة -ان صح التشبيه – التي تمكنه من ادراك ما يقرا ، من هنا علينا ان نربي و نكوّن ذائقة الفرد لتقبل الشعر بكل اسقاطات اللغة و أبجدياتها ، وهذا بدءا من المدرسة صعودا…الى التأهيل الثقافي و الأدبي في المراحل الجامعية…
ومن خلال اللغة التي نعنيها شعراً : فمن المطلوب أن نقف عند ما اصطلح عليه أسلافنا ( عذرية اللغة في شاعريتها )حتى تكون خارج خارطة مقننات اللغة في نحوها وصرفها، كقوانين رياضيات الإعراب وغيرها، أي أن نحسم فضل اللغة و مقدار الشعرية فيها للتعبير كأداة ووظيفة، لأن الشعر يتجاوز حدود التعبير الكتابي كإنشاء، إلى مفضيات جمالية التعبير في اللغة أي في الصورة المرئية والمحسوسة معاً، كالنص الشعري والنص المفتوح ودلالات القراءة الصورية للتنقيد الشعري، ناهيك عن تشظي المعنى إلى شعرية اللوحة ، وشعرية الأداء الصامت …..
فالنفس في غموضها وحركتها المتحولة تواقة إلى من يعبر عنها ويحسن هذا التعبير بكفاءة ، بلغة ملائكية حية ومنطلقة ومعبرة ولا يقربها التحجر أبدا ..و قد تكون غامضة بحسب جنس اشتغالها الإبداعي ومستوى منتجها في التكوين والوعي إذا آمنا بأن بأنها أداة تعبير جميلة ووسيلة إيصال وتواصل مع الآخر بمستويات شتى .. ولكن على أن لا يبقى تصورنا يراوح في دلالات اللغة التعبيرية الساذجة لا الشعرية الخلاقة، وبظلها ‘نعرف الشعر بأنه إحساس وحسب ونمضي؟. وعلى الآخر أن يبني قناعته وفق هذا التصوّر بأن الشاعر إنسان حساس ويمضي أيضاً؟!..
فذات الشاعر هي كنزه الادبي الذي ينبغي ان يصونه من المغريات ويترفع به على خسيس المغنم ، باعتبار أن القيمة الأدبية هي شرفة مفتوحة تطل على الاجيال القادمة يهب منها نسيم الماضي ويغسل زجاجها الشفيف الضمير الانساني الحي ،حتى تظلّ لغة الشعر الهمّ الاول دون أن يسن قوانين لغوية جديدة ا في زمن التمرد فيه مزيّف ومجاني، قد يضرّ عفّة اللغة و قدسيتها تحت مسمى : الاحتفاء باللغة مجاراة للحداثة المصطنعة !
لكن حين نطمح في التخلص من نزعة الذاتية الشعرية لتطوير اللغة وفق أسس البناء و التركيب للوصول الى العمق الانساني في التجربة للاخر و ذلك من خلال شفرات لغوية مهمة تخاطب المجتمع وتمتص وجعه ، هنا تدخل التجربة لتجدها مجسدة للانسانية الحقة دون غموض قد يدخل القارئ في فك هذه الشفرات لفترة من الزمن دون الوصول الى نتيجة ،باعتبار ان هذه المسألة تفضي إلى معرفيات نقدية وشعرية كثيرة لكنها تتعلق حصرا بالشاعر وموهبته ولغته ومرجعياته كمنتج للنص.. و ان كان الشكل الشعري يحدد ويحد من مقدار الشعرية إذا’ أخضع النص لسياق الشكل المقنن والمشروط’ كالقصيدة العربية الكلاسيكية في المضمون والشكل من المفروض إن يشتركا بصلات متبادلة محسوبة مسبقا ، بالرغم من أن مقدار الشعرية هي التي تبرر وجود النص المحبك لغويا دون الغوص في متاهات و اسعراض للمصطلحات اللغوية قد تفقد القصيدة نكهتها و عذريتها …

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية