طالما استهوتني لعبة الشطرنج، وأسرني انتشار أحجارها على رقعة ممتدة ذات اليمين وذات الشمال، وجذب انتباهي تباين ألوانها بين أبيض وأسود؛ وكأنها تحكي حرباً بين خير وشر، ضوء وظلام، علم وجهل. يتنافس لاعبان اثنان على احتلال رقعة كاملة والسيطرة على مجريات معركة، والفائز هو حتماً من يقتل ملك الآخر أولاً بلا هوادة.’ تصطف الأحجار حول الملك ذوداً عن غدر، وحماية لرمز ديمومة فريق، وإعلاء لكلمة وجود على رقعة مبتغاها نصر لا محالة. في المقدمة تزدحم الصفوف بالجنود أو البيادق. حركتها محدودة ومحكومة بتوجيهات، فالجندي غير مسموح له الرجوع إلى الخلف ولو خطوة؛ فإما الموت أو الحياة، وحياة بلا شجاعة وإقدام لا جدوى منها. ثم تأتي صفوف المؤخرة بعمائدها وحكامها. على يسار الملك، يأتي الوزير أو الملكة، وهو من أخطر الأحجار وأهمها تمركزاً على الرقعة. يده طائلة، وحركته محورية في كل الاتجاهات. في لمح بصر يغدو في مقدمة الصفوف، وفي ردة طرف يعود إلى جانب الملك. إذا سقط الوزير أو فسد، عانت الأحجار الأخرى الأمرين في تعويض فقدانه. ثم حجر الفيل أو الأسقف الذي يجاور الملك من جهة، والوزير(الملكة) من جهة أخرى. من وحي اسمه باللغة الانكليزية، الفيل يأخذ صبغة دينية، ومتاح له التحرك قطرياً على طول الرقعة ذهاباً وإياباً. قد يلتف من وراء الصفوف، ويتجاوز الأحجار تحقيقاً لهدف ما، فشعاره الغاية تبرر الوسيلة، وصلاح الوسيلة يعتمد على صلاح الأسقف أو الفيل. فإذا فسدت الوسيلة، كان ذلك ثغرة في جسد الفريق كله وملكه وملكته. فحجر الحصان أو الفارس، وتفرده بميزة عن باقي الأحجار. فهو الحجر الوحيد بكافة إعداداته المخول بالقفز عن الصفوف؛ لا يأبه إن كان هناك حاجز ما بينه وبين مراده، ما دام أن الهدف الأسمى هو حماية الملك. أخيراً حجر الرخ أو القلعة، واتخاذها زوايا الرقعة كأبراج مراقبة لحركة الأحجار الصديقة والغادرة. يلومها البعض بثقل حركتها ومدى بيروقراطيتها المتفشية؛ فالحركة إما عمودياً أو أفقيا مما يجعلها أقرب إلى النمطية وأبعد عن الإبداع.’ تبدأ المعركة بين الفريقين، وحالها تقدم في الصفوف الأمامية، وتنظيم صفوف في المؤخرة عن كثب بحثاً عن هفوة ما في فريق الخصم، والعين لا تغادر الملك. يسقط الجنود عادة في بداية المعركة، وتبدأ أحجار ارتكاز المؤخرة بين كر وفر علَ الموقف ينجلي عن نصر قريب. فإذا اشتد الوطيس وعلا صوت التهديد، يبادر البعض أحيانا باللجوء إلى حركة ‘تبييت الملك’ أي التبديل في المواقع بين حجري القلعة و الملك؛ صوناً لعرش ودفاعاً عن رمز استمرار. لكن من المعروف أن حركة ‘التبييت’ كلما تأخرت، قل نفعها وعظم ضررها وكشف ثغرات أكثر من سدها. يكون مرماها هو تلقي الهجمات عن حجر الملك؛ إلا أن الحركة في أحيان كثر لا تؤتي أكلها على الرغم من اعتقاد الناظر أنها تحرك استراتيجي تكتيكي!’ في حلكة الليل واشتداد الأسى، يبرز الأبطال البواسل. في خضم احتداد الأحداث، وضيق حلقات الموقف، يظهر معادن الرجال الرجال. فالجندي يمارس تقدمه إلى الأمام دون كلل أو تعب، حتى إذا ما لمس آخر خطوط العدو تحول إلى وزير بكل امتيازاته وصفاته. فقواعد اللعبة لا تحابي أحداً، ومن جد وجد، ومن سار على الدرب وصل. في ضوء تقهقر أحجار وسقوط أحجار أخر، يأتي الجندي من المؤخرة ليغير مجريات لعبة، ويصبح ورقة رابحة على حين غرة، ويقلب الطاولة رأساً على عقب في وجه عدو غاشم!’ رقعة الشطرنج وأحجارها تماثل نظام حكم في أي دولة، فحجر الملك هو رمز نظام الحكم، وحجر الوزير هو في مقام المستشار المقرب من نظام الحكم، وحجر الفيل هو الجهاز الديني أو القضائي للدولة، وحجر الحصان هو الجيش والقوات الأمنية، وحجر القلعة هو الأجهزة الحكومية المختلفة. أما الجندي فهو كل فرد من الشعب! فإذا حسن التنظيم والتخطيط وتم التنفيذ على أكمل وجه والمراقبة أخذت موقعها السليم كان النصر حليف كل الفريق. وإذا اختلت المنظومة لأي سبب من الأسباب، سقط الفريق بأكمله. أخيراً وليس آخراً، مرحى لأفراد ما استكانوا ولا هدأوا وداوموا التقدم حتى قطعوا خط النهاية وصاروا أمل حياة ومجداً على رقعة شطرنج.’