الكثير من المراقبين والمتابعين للمشهد اليمني يدركون الجزء الاول في بعض مظاهره، من خلال مسار الانتفاضة الشعبية ونزول الاحزاب والعسكر والقبيلة للسيطرة على الساحات والحشود الشعبية، ثم هرولتهم جميعا بهدف قطع الطريق على التغيير (على الثورة) وكان لهم ما ارادو من خلال المبادرة البائسة التي روجت لها احزاب المشترك، بغية فتات الحصص والغنيمة من دون ادراكهم العميق بان من خطط لهذا المشهد الدرامي واختطاف الثورة والساحات هم رموز وشركاء وصناع الدولة الحاشدية من عام 78، وهم ثلاثة شركاء كافراد ومرجعيتهم في المؤسسات التي يمثلونها، العسكر والقبيلة والحزب، مع العلم ان بينهم صراعا خفيا حينا ومعلنا حينا اخر، ولا بأس في ان يجاهروا بصراعاتهم او يعتمدوا تصفيات لبعضهم او لبعض حلفائهم وقد فعلوا ذلك مرارا، ثم يـــقررون الاستمرار في التحالف وفق اعـــادة ترتــيب بتغيير حجم نصيب كل واحد فيهم اقتصاديا وموقعه سياسيا. ومع دخول المبادرة حيز التنفيذ، وقد كتبت من اول يوم انها لن تنجح ومصيرها الفشل، لان مراكز القوى كانت تراهن على الوقت وجعل المجتمع ينشغل في وهم المبادرة ووهم انجازاتها، خاصة ان المطبخ السياسي مع غباء قيادة المشترك (الجناح التحديثي) هو من صمم خطة الحوار بفضفضات كلامية في الاسابيع الاولى ثم توزيعهم مجموعات لمناقشة قضايا في الدرجة الثانية من الاهمية، وتغييب مقصود للقضية المركزية والاولى في الحوار، وهي طبيعة النظام السياسي وشكل الدولة وحل القضية الجنوبية. وعندما حان الوقت لاعلان نهاية الحوار لم يجد مبعوث العناية الاممية ومراكز القوى ما يعلنونه للمجتمع وهنا تزايدات الفوضى الامنية والعسكرية، كونها ساترا دخانيا لتمرير صفقات محددة، وهنا يلتقي طموح تلك الاطراف مع حلفائها من الخارج . وعلى سبيل المثال احد الحلفاء قال لاهم طرف عسكري في فضفضة اولية، انه لا بد من اعادة انتخاب هادي لفترة رئاسية جديدة وكان رده قاطعا بالنفي، واقترح تمديدا لاشهر معدودة وهو يعلم ان التمديد امر خارج المبادرة والدستور، مما يجعله محل عدم رضا شعبي ونخبوي. ولتعميق الازمة بساتر دخاني اخر تم اصطناع مشكلة دماج للاستفادة منها في حسابات سياسية، وهنا يتم عقد صفقات ومساومات مع الحوثيين في نفس الوقت تجري صفقات ومساومات سرية مع قيادات الحراك. ولان هادي اعتاد على الرئاسة/الحكم فهو من جانبه يحاول خلق مجموعة تحالفات تدعم استمراره في السلطة على مسارين، الاول جنوبي يتم ترتيب وجوده مؤسسيا وعسكريا من اجل مشروعين خاص وعام (سنناقشهما في مقال لاحق). والثاني عام يتضمن اقرار استمرارية الوحدة بصورتها البسيطة او المركبة ضمن شبكة تحالفات جديدة، وفقا لها يتم توزيع دوائر السلطة والمصالح الاقتصادية. فالرئيس له حوارات سرية جنوبا واخرى سرية شمالا وثالثة مع الحلفاء في عاصمتين رئيسيتين من الدول الراعية. ولان الرئيس غير ممسك بكل سلطاته وصلاحياته، وان تحالفاته لاتزال غير قوية وبعضا من الحلفاء لا يثقون به ولا يثق بهم في هذا السياق كانت حادثة وزارة الدفاع. الجدير بالذكر ان المشهد السياسي اليمني بكل مظاهره لا يقول الا النزر اليسير من الوقائع، وان المسكوت عنه هو الاصل، كما ان الحكومة والحوار شكل وصورة، بل هما ظل لأصل يبقى بصورته وظله وهذا عكس كل طبائع الامور التي يكون الظل صورة باهتة للاصل الا في المشهد اليمني الظل هو الأصل والأصل هو ظل لاصل اخر. والمشهد برمته يعكس انزياحات لبعض التحالفات وللمنصات التي يقف عليها كل طرف، ومع الاستقواء بالجيش المنقسم بين طرفين مدعومين بقواعد قبلية وحزبية هنا تتحرك مواقف الحلفاء وفقا لطبيعة ترتيبات المشهد محليا ومصالح الخارج . وهنا تظهر جدلية الصورة والظل في مراكز القوى والنخب الحزبية. ففي بلادنا اعتاد العامة على تقييم حجم ودور بعض من مراكز القوى والقيادات القبلية والعسكرية وفقا لزاوية واحدة تظهرها المعايشة، وفق نمط تسلطي، كما ان الاعلام الرسمي يقوم بتزييف الصور والحقائق. مع انه وبقليل من إعمال العقل سنكتشف ان هؤلاء الذين نعتبرهم صورة حقيقية ليسوا الا ظلا لصورة اخرى، ولأننا تعودنا على صورة الظل اعتبرناه حقيقة ومن هنا كانت الهالة والتفخيم في ادوارهم وقدراتهم. وهم اقل بكثير مما ساد الاعتقاد بهم، فهم لدى الخارج ليسوا الا اعوانا وحلفاء مؤقتين ولدى السفارات وكلاء. وبلغة البيزنس هم وكلاء محدودو الادوار في توزيع سلع ومشاريع لا تخدم اليمن بالضرورة. وهنا تظهر لنا الحقيقة ان بلادنا ليس فيها قادة وزعماء حقيقون حتى في اوساط الشباب والشابات والاكاديميين والصحافيين. هناك نفر منهم له حضور شخصي وفق جهوده العلمية والمعرفية او العملية ضمن انشطة اجتهد في صناعتها. ومع ذلك غالبيتهم يتم سحبه الى خانة الصور والظل ليكون ناطقا باسمها وواجهة تضفي عليها قدرا من المشروعية، فيصبح بدوره صورة وظلا من الدرجة الثانية. هنا نجد القادة والمفكرين والوجهاء الحقيقين حاضرين اجتماعيا وثقافيا، من دون اطر مؤسسية يسيطرون عليها او يحكمون من خلالها.. وعليه فمن كنا نعتبرهم مراكز قوى وذوي اهمية سياسية وحزبية وقبلية ليسوا الا صورة وظلا يعكسان الاصل في وجوده الخارجي. في هذا السياق تتطابق رؤى العاصمة الاطلسية مع العاصمة الصحراوية في ترتيب مجالي انعكاس الصور والظل على واقع اليمن سياسيا واجتماعيا وحزبيا، ففي في واحيانا اخرى تفترق في بعض الاجراءات والترتيبات ضمن اولويات للحلفاء ولا تشترط هذه التحالفات ان تكون في خدمة اليمن، وهذان الشهران كانون الاول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير باعتبارهما حاسمين للموقف النهائي لمجمل اللعبة السياسية وتحديد طبيعة الفريق المستمر لاكمال اللعبة في جزئها الثاني ابتداء من شباط/ فبراير. هنا الاحتمالات مفتوحة من دون سقف يحدها، لان المخرج النهائي سيظهر صورا جديدة وضلالا جديدة على اثرها يتم اعتماد نخب جديدة كزعامات للمرحلة الجديدة ايضا. والكلمة الكبيرة للخارج الاقليمي والدولي في ترتيب تلك الصور المنعكسة كظل لاخرين. ومع اقتراب ذلك الموعد سيشهد اليمن احداثا كبيرة تشكل خلفية لتثبيت حلول ومعالجات لا تخدم الشعب لكنها لصالح مراكز القوى وحلفائها بالمقام الاول لانهم يرون انفسهم مالكي اليمن وحكامه. وللعلم في اليمن – في اطار الصورة والظل – كل اطار مجتمعي، كما هو كل فرد، يخفي نقيضه ويعبر عنه وفق ممكنات تبرزها انزياحات المشهد العام.. فالتدين يخفي التزاما بالثقافة القبلية والبداوة.والقبيلة تظهر رموزا محددة وتخفي ديموغرافيا لا يراد لها حضور. والاحزاب تخفي قواعدها لصالح ديناصورات متخفية نسميها قيادات حزبية. والدولة تظهر ادواتها القمعية والجبائية وتغيب مؤسساتها وآلياتها القانونية. والجغرافيا الطبيعية لليمن تبخس في حجمها وقيمتها ودلالاتها لصالح تهويمات ايديولوجية وحسابات بنكية. ووفق كل هذا لاغرابة ان يكون المشهد السياسي في مجمله وتفاصيله عبثيا يعيد انتاج عبثيته بصورة تراجيدية حينا وكوميدية حينا اخر.