عودة إلى.. ‘الدستور بين التهويل والتبعيض’

حجم الخط
5

سألني بعضهم عن كلمة ‘التبعيض’ التي في هذا العنوان، بعد أن قرأ المقال الأول في الأسبوع الماضي. ولابد من شرح الكلمة عمليا، بإدراج مثال واحد هنا، يبين المعنى المقصود باختصار شديد، إذ أن هذا المقال مخصص لشرح بعض أهم المواد في الباب الرابع من مشروع الدستورعن سيادة القانون، ويشمل المواد من (94 – 100)، والباب الخامس عن نظام الحكم، وهو أكثر الأبواب جدلاً في الدستور، ويشمل المواد من ‘101 221’، أي أكثر من مئة مادة، والباب السادس عن الأحكام العامة والانتقالية ويشمل المواد من ‘222-247’.
هب أيها القارئ أن عالما أو فقيها أشار في خطابه أو خطبته، إلى العمل بمقتضى الشهادتين، أي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فالمقتضى هنا للشهادتين واسع جداً، ولا يقوم به الانسان كاملا ‘أو يقترب من الكمال مهما كان صالحا، ولا يستطيع ذلك إلا العدد القليل جداً من الناس مثل الأتقياء والأبرار والمقربين.
‘ولذلك قال بعض كبار العلماء والفقهاء، ان الباء هنا في كلمة بمقتضى الشهادتين، هى باء التبعيض، أي القيام ببعض المقتضى، خصوصا الاعتقاد الكامل في وحدانية الله تعالى ويشمل ذلك توحيد الالوهية وتوحيد الربوية وتوحيد الأسماء والصفات كما يشمل، اجتناب النواهي، خاصه الكبائر أو المحرمات، أو على الأقل تحريم ما حرم الله وإنكار المنكر، ولهذا حديث آخر يفصل هذا الأمر تفصيلا.
عندما نعود إلى الباب الرابع من مشروع الدستور الجديد، نشهد أن سيادة القانون هي أساس الحكم في الدولة، فإذا أضفنا إلى ذلك استقلال القضاء، فإننا نطمئن الى حماية الحقوق والحريات، خاصة مع النص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، كما أن القانون يضمن لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم. نقرأ أيضاً في هذا الباب أن كل اعتداء على الحرية الشخصية أو الحياة الخاصة يشكل جريمة لا تسقط بالتقادم، وضرورة تعويض من وقع عليه الاعتداء تعويضا عادلا، كما أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام أو تعطيل تنفيذها جريمة يعاقب عليها القانون.
وبعد ذلك يأتي الباب الأكثر جدلاً، وهو الباب الخامس في مشروع الدستور عن نظام الحكم. كانت مشكلة البحث والاختيار في اللجنة، أي نظام حكم تختار؟ هل تختار النظام الرئاسي البحت، وقد عانينا من الاستبداد نتيجة تكدس السلطات في يد مؤسسة واحدة، أم تختار النظام البرلماني الكامل، حيث يكون الرئيس مثل ملكة بريطانيا يملك ولا يحكم، أم تختار اللجنة نظاما يجمع بين حسنات الأنظمة، فاختارت اللجنة النظام شبه الرئاسي بقدر مقبول، وبدأت في وضع أو تعديل مواد باب نظام الحكم لتناسب هذا الاختيار أو لنقل هذه الفلسفة الجديدة.
يتناول الباب الخامس أساسا، السلطة التشريعية أي مجلس النواب، والسلطة ‘التنفيذية’وتشمل رئيس الجمهورية والحكومة، والإدارة المحلية، والسلطة القضائية، أي الأحكام العامة والقضاء والنيابة العامة، وقضاء مجلس الدولة، والمحكمة الدستورية العليا، والهيئات القضائية، وهي قضايا الدولة، والنيابة الإدارية. ويتناول هذا الباب أيضاً المحاماة، والخبراء القضائيين، وخبراء الطب الشرعي والأعضاء الفنيين بالشهر العقاري. ويشمل هذا الباب أيضا القوات المسلحة ومجلس الدفاع الوطني والقضاء العسكري ومجلس الأمن القومي، والشرطة والهيئة الوطنية للانتخابات والمجلس الأعلى لتنظيم الاعلام، ويشمل أيضا المجالس القومية والهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية.
أما الباب السادس، فيتناول الأحكام العامة والانتقالية في مواده من (222- 247)،
كما قلنا من قبل كان الباب الخامس بتفرعاته الأكثر جدلا بين أعضاء لجنة الخمسين، وأيضا بين المهتمين بالدستور بالكتابة أو التحليل في شتى وسائل الاعلام والأحزاب السياسية وغيرها. ومن الاشارات المهمة في هذا الباب أن يقدم أعضاء مجلس النواب والوزراء ونوابهم ورئيس الوزراء ونوابه ورئيس الجمهورية، إقرارت ذمة مالية عند بدء مهمتهم وعند نهاية كل عام، وإذا تلقى أي منهم هدية نقدية أو عينية بسبب العضوية أو بمناسبتها تؤول ملكيتها الى الخزانة العامة للدولة. طبعا لو كان هذا مطبقا من قبل بدقة لم تكن مصر لتشهد المآسي والسرقات والتزوير والتجريف الذي شهدته أيام مبارك.
ينتخب مجلس النواب رئيسا ووكيلين من بين أعضائه في أول اجتماع ولا يجوز انتخاب أي منهم لأكثر من فصلين تشريعيين متتاليين. ومن المواد المهمة في هذا الباب المادة ‘131’ التي تنص على أنه ‘لمجلس النواب أن يقرر سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، أو أحد نوابه، أو أحد الوزراء، أو نوابهم. ولا يجوز عرض طلب سحب الثقة إلا بعد استجواب، وبناء على اقتراح عُشر أعضاء المجلس على الأقل، ويصدر المجلس قراره عقب مناقشة الاستجواب، ويكون سحب الثقة بأغلبية الأعضاء. وفي كل الأحوال، لا يجوز طلب سحب الثقة في موضوع سبق للمجلس أن فصل فيه في دور الانعقاد ذاته. وإذا قرر المجلس سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، أو من أحد نوابه أو أحد الوزراء، أو نوابهم، وأعلنت الحكومة تضامنها معه قبل التصويت، وجب أن تقدم الحكومة استقالتها، وإذا كان قرار سحب الثقة متعلقًا بأحد أعضاء الحكومة، وجبت استقالته’. من هذا نتبين أنه لا يوجد موظف في الدولة فوق القانون أو فوق سحب الثقة أو أنه سيظل الى الأبد في وظيفته مهما كانت أخطاؤه أو جرائمه.
كما أن المادة 131 لا تجيز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة وبقرار مسبب وبعد استفتاء الشعب. إذن الشعب موجود ويعمل له الرئيس الف حساب، بعد أن كان لا يعبأ به. أما المادة 145 فتنص على أنه ‘يحدد القانون مرتب رئيس الجمهورية، ولا يجوز له أن يتقاضى أي مرتب أو مكافأة أخرى، ولا يسري أي تعديل في المرتب أثناء مدة الرئاسة التي تقرر فيها، ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يزاول طوال مدة توليه المنصب، بالذات أو بالواسطة، مهنة حرة، أو عملاً تجاريا، أو ماليا، أو صناعيا، ولا أن يشتري، أو يستأجر شيئا من أموال الدولة، أو أي من أشخاص القانون العام، أو شركات القطاع العام، أو قطاع الأعمال العام، ولا أن يؤجرها، أو يبيعها شيئا من أمواله، ولا أن يقايضها عليه، ولا أن يبرم معها عقد التزام، أو توريد، أو مقاولة، أو غيرها. ويقع باطلا أي من هذه التصرفات. ويتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه، وفي نهاية كل عام، وينشر الإقرار في الجريدة الرسمية. ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يمنح نفسه أي أوسمة، أو نياشين، أو أنواط. وإذا تلقى بالذات أو بالواسطة هدية نقدية، أو عينية، بسبب المنصب أو بمناسبته، تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة’. وهكذا وبذلك يمكن أن يخرج الوطن من مشكلة صناعة ديكتاتور مرة أخرى.
ومن المواد التي تحدد سلطات رئيس الجمهورية، وتحدث تفاهما وانسجاما قبل الاقدام على مهمة كبيرة مثل إعلان الحرب المادة 152 ومنطوقها: رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمه قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. فإذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني’. وبهذا لا يستطيع رئيس جمهورية أن يورط الوطن في أمر مهم كالحرب إلا إذا كان الوطن كله مستعداً لذلك.
وأعتقد أن المادة 159 كذلك توضح لنا جميعا أن وراء الدستور فلسفة واضحة منها الوقوف ضد صناعة ديكتاتور مرة أخرى في مصر، بل يمكن اتهام الرئيس وهو في السلطة وفق المادة 159 التي تقول ‘يكون اتهام رئيس الجمهورية بانتهاك احكام الدستور، أو بالخيانة العظمى، أو أية جناية أخرى، بناء على طلب موقع من أغلبية أعضاء مجلس النواب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وبعد تحقيق يجريه معه النائب العام. واذا كان به مانع يحل محله احد مساعديه. وبمجرد صدورهذا القرار، يوقف رئيس الجمهورية عن عمله، ويعتبر ذلك مانعاً مؤقتاً يحول دون مباشرته لاختصاصاته حتى صدور حكم في الدعوى’. ‘ويحاكم رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة يرأسها رئيس مجلس القضاء الأعلى، وعضوية أقدم نائب لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وأقدم نائب لرئيس مجلس الدولة، وأقدم رئيسين بمحاكم الاستئناف، ويتولى الادعاء أمامها النائب العام، وإذا قام بأحدهم مانع، حل محله من يليه في الأقدمية، وأحكام المحكمة نهائية غير قابلة للطعن. وينظم القانون إجراءات التحقيق والمحاكمة، وإذا حكم بإدانة رئيس الجمهورية أعفي من منصبه، مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى’. يستوجب الموضوع مقالا ثالثا ورابعا، لشرح أهم مواد الدستور مراعاة للمساحة المخصصة وحتى يصوّت عليه الشعب بإدراك وفهم.
والله الموفق

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية