إن كتبنا عن تاريخ الأنظمة في مساحة من الوطن العربي نجد أن أغلبها أنظمة حكمها العسكر، أنظمة ديكتاتورية ذات أيديولوجيات جامدة لم تسع لتطوير ذاتها، بل أكثر من ذلك عملت على وضع سقف لعقل المواطن وتفكيره، فحصرت إبداعه في مدح السلطة وصولاً للكسب، وهذا على جميع الصعد، سواء الثقافية أو الاقتصادية المهنية وطبعاً السياسية، وكذا الأمر نجده بذات المنطق إن تحدثنا عن الأحزاب أو الأنظمة الدينية مع اختلاف الأيديولوجيا. لقد أضحى نجاح أي فرد في هذه المجتمعات يعود في أساسه لسيادة السلطة الحاكمة، لا للعقل المبدع له، وهذا ما يعول عليه الإعلام التابع للنظام في نجاحه. وبالمقابل نجد أن كثيراً من الطرق الموصلة للنجاح بشكل عام قد حُصرت في عقلية الشعوب عند طرق أبواب الفساد بتغطية من مسؤول نافذ في الدولة، وما ذلك إلا لأن فساد الأنظمة الحاكمة والقبضة الأمنية المخابراتية لها ارتفعت بقوتها الحاكمية على قوة إعمال القانون، وأصبح العدل قصة منسية وكذا الحق والأمانة والشرف والكرامة الإنسانية. في ظل أنظمة كهذه لا يمكن أبدا أن نضع أسباب تخلف المجتمع كاملاً على الأفراد، فنقول إن الدولة الفلانية متخلفة لتخلف أفرادها، لأن النظام الذي لا يحترم شعبه ولا يمده بأسباب النجاح، لا بد أن نجد شعبه يعيش تحت خط الفقر الفكري.. ومهما عمل الفرد على تطوير ذاته فكرياً وثقافياً وحاول عبر وعيه الملتزم بحدود مقررات السلطة الحاكمة استخدام حريته في التعبير، فإنه يبقى محدوداً كثيراً ضمن هذا القدر المسموح له به. هذا ما هدفت له غالبية الأنظمة الحاكمة في وطننا العربي، عبر نصف قرن من الزمن، تأطير إبداع المواطن وحصره في قوقعتها حفاظاً على موقعها في الحكم، تحت شعارات ما عادت تجدي في القرن الواحد والعشرين عصر التكنولوجيا والاتصالات، الذي فتح أعين الشعوب لتطلعات أكبر بكثير من تطلعات الأنظمة، فكان أن انتفضت مطالبة بحقوقها في الحياة. وفي خضم ما وصلت له هذه الثورات اليوم من نتائج يمكننا أن نستقرأ العقل العربي وكيفية تكوينه خلال المرحلة الماضية، لنجده منقسماً ضمن خيارين لا ثالث لهما، الأول: التابع للسلطة والخيار العسكري. أما الثاني فهو الخيار الديني تحت منظومة قيادة الإخوان المسلمين، علماً بأنه في بعض البلدان التي تقدمت فيها الثورات عن مرحلة إسقاط النظام، كان الهدف خلالها مشتركاً بين كلا الطرفين. وما هذا التخبط الذي وقعت به شعوبنا اليوم إلا سياسة ممنهجة لاستبداد حاربته عبر ثوراتها وتحاربه بشعارات المناداة بالديمقراطية والتعددية، ولكنها بنفس الوقت نشأت عليه وما استطاعت فكرياً تجاوزه بعد، استبداد طرف بالسلطة دون مشاركة الطرف الآخر، بينما العقل الحرّ وأمنيات المستقبل المنشود تتطلب خلقاً جديداً لفكرٍ بعيدا كل البعد عن تلك الأفكار البالية التي ما عاد لها وجود في المجتمعات المتحضرة والمتقدمة فكرياً. قد يقول قائل انني أحاجي الأوهام والخيال بما أدعو له من السعي لخلق فكر جديد يكون لنا قدوة لمستقبل نأمله، وأنه ليس بمقدور الشعوب الوقوف بمواجهة هذين التيارين اللذين يملكان كل أسباب القوة وأهمها المال والسلاح والتأييد الدولي.. ولكنني أرى أن هذا صوت اللاعقل، فمن سعى لحريته عبر ثورات ضد أنظمة مستبدة ظالمة، ودفع في سبيل ذلك أثمانا باهظة، لا بدّ أن يسعى ليصل إليها كاملة، فلا يستبدل مستبداً بآخر، بل إن الخيارات التي تفتح أبواب المستقبل كثيرة ولا شك أنها أنبل وأرقى وأسمى من خيارين عانت عقودنا الماضية من تخلفهما الفكري، الكثير. فلنعلنها لا هذا ولا ذاك، ولنتبع نوافذ النور المنبثقة من العقل ولنمنحها الفرصة لإبداع أفكارٍ تصحح مسارنا عبر تعاضد وطني مشترك من أجل إيجاد مفتاح المستقبل لبلادنا. تعالوا لنصنع خياراتنا بأنفسنا فلا نتناول البالي منها والجاهز حد التخمة.