باريس ـ من محمد سيف: لقد قدم المخرج ستيفان براوتشفايغ مسرحية الكاتب الايطالي بيراندلو ‘ست شخصيات تبحث عن مؤلف’ على مسرح لاكولين الفرنسي، بطريقة فكرية، وفنية عميقة، قلصت من امكانية فيض عواطفها، وجعلها لا تتجاوز حدودها المثيرة للغاية، وذلك بطرحه السؤال التالي: ماذا يمكن أن تقول هذه المسرحية لعصرنا الحالي ؟!
تتحدث المسرحية عن فرقة مسرحية في طريقها للقيام بتمارينها المسرحية، وإذا بعائلة تتكون من ست شخصيات، تقتحم عليها فجأة، صالة التمرين. عائلة كاملة: الأم، والأب، والابنة والابن، وطفلان ‘يكون دورهما صامتا’، تبحث عن مؤلف، وتختبئ خلف مظهرها الهادئ الرزين دراما مريعة، تطالب بحقها في الوجود. تقاطع هذه العائلة عمل الفرقة ومخرجها الذي يستجيب إلى الحاحهم وحقهم في الوجود، اخذا على عاتقه مسؤولية تقديم قصتهم. وبعد محاولته هذه يكتشف المخرج بأن العائلة غير مقتنعة بطريقة عرض الممثلين لها، وانها متشبثة بقصتها كما هي، إلى درجة اتهام لعب الممثلين بالخيالي، ولا يمثل الواقع الحياتي لها. علما أن الممثلين لا يمكن أن يكونوا هذه الشخصيات نفسها ، لأنهم في الواقع ليسوا سوى شخصيات أخرى مختلفة، تقوم بتقليدهم ومحاكاة مأساتهم مسرحيا. وهنا ينشب صراع وجدل بين الشخصيات والممثلين حول ما هو الواقع والخيال والحقيقي في لعبهم.
لقد اختار المخرج ستيفان براوتشفايغ لهذا النوع من المسرحة التي تنتمي في شكلها ومضمونها، الى المسرح داخل المسرح، إعدادا جعل من هذه الكائنات الخيالية التي كتبها بيراندلو في عام 1921، تدخل صارخة متباكيه، مقاطعة عمل تمارين فرقة مسرحية معاصرة، تعيش هي نفسها، أزمة فنية حقيقية، وذلك من خلال تشكيكها في طريقة عملها بطرح أسئلة: هل ينبغي علينا اليوم كفرقة مسرحية معاصرة، الاستمرار في الحديث عن الشخصيات الخيالية ؟! وهل أن المسرح بهذه الطريقة، يمكن له ان يتناغم مع عصرنا الحالي وتعقيداته ونظامه الجديد؟! في الوقت الذي تتضاعف فيه الأشكال غير السردية، وغير النفسية، على خشبة المسرح، بعد أن صارت اليوم قصص الواقع الحياتي تفتن القراء والمشاهدين اكثر فأكثر؟. أي طريقة من الاستقبال ستواجه دراما هذه العائلة المتألفة من ست شخصيات ؟! ما هي الأجوبة التي سوف يحصل عليها الممثلون الذين لم يعودوا يؤمنون بالشخصيات الخيالية ؟! وما هو هذا الالهام المسرحي الذي سوف يجده المسرح اليوم في ظل هذه الهواجس السرية للمؤلف الإيطالي بيراندلو ؟!. بلا شك إن الصدمة أو الاصطدام بين عروض مسرح ‘ما بعد الدراما’ وأسئلة بيراندلو الفلسفية حول الواقع والخيال، وحول إمكانية الفن وقدرته على إحداث التغيير في مصائر البشر، وإيمانه في نفس الوقت، بأن الفن اكثر حضورا وديمومة من الحياة نفسها، هي لذيذة ومذهلة بصريا. إذ أنها تجعلنا نشتعل بنيران المناقشات النظرية، ونمرح ونتمتع بالنكات التي يثيرها المخرج ستيفان براوتشفايغ في الأماكن المشتركة لعالم المسرح الذي يجذف فيه، دون التشكيك به نهائيا، ناهيك عن تسليطه الضوء على المسرحية التي تتركنا عرضة للدهشة.
من هي هذه الشخصيات التي تدخل المسرح لكي تعرقل مسيرة عمل فرقة مسرحية أثناء التمرين ؟ أسرة تبحث عن مؤلف ينهي مهمة عمل مؤلف آخر لم يكمل عمله بشكل جيد، لم ينه قصة مغامرته الخيالية ؟. لقد أصبحت قصة حياة هذه العائلة، غير المنتهية، رمزا لمسرح بيراندلو، هذا المسرح الذي لم يتوقف عن مساءلة نفسه، وإنه مسرح داخل مسرح، ويبني نفسه على هيئة الدمى الروسية التي تكشف الواحدة عن الأخرى وإلى ما لانهاية. وبمجرد ما يعتقد المشاهد بأنه قد تمكن من فصل الصح عن الخطأ، والواقع عن الخيال، سرعان ما يعدل عن رأيه بسبب التقلبات المسرحية المتتالية، وذلك لأن الحقيقة في مسرح بيراندلو، يمكن ‘أن لا تكون صحيحة، ولكنها دائمة ممكنة’. لقد لجأ المخرج ستيفان براوتشفايغ إلى بيراندلو وشخصياته لجعلهم يلتقون بمسرح اليوم وممثليه، الذين يتساءلون بدورهم عن المسرح وامكانيته، وضرورته في مثل هذا الوقت المضطرب والمليء بالأزمات. وانطلاقا من عملية الارتجال التي حققها مع ممثليه، قام بإعادة كتابة جزء كبير من المسرحية، باستحضاره المؤلف نفسه على المسرح، مستوحيا ذلك من الاعداد السينمائي الذي قام به بيراندلو في وقت متأخر من حياته. في نص المسرحية يكون المؤلف واضحا من خلال غيابه، ولكنه في السيناريو السينمائي يصبح مركزا للأحداث، ونراه يكافح شخصياته الخيالية، وقد شكلت هذه الرؤيا بالنسبة للمخرج براوتشفايغ طريقة لإعادة النظر في العقدة الملغزة للمسرحية: لماذا رفض المؤلف هذه الشخصيات، على الرغم من اقتناعه بحضورها وتحميلها دراما جديدة ومعقدة ؟ هل لأنها أقل إثارة للاهتمام وما تقوله أقل عالمية ؟ أو ربما لأنها تقلق المؤلف نفسه، بكشفها رغما عنه، عن جزء سري من حميميته ؟. إن أسئلة مسرح، بيراندلو تلقي بالعبء الأكبر على عصرنا، وحميمية جمهوره، بتسليط الضوء عليهما بشكل مفرط. يقول كولتس: إن الحقيقة الوحيدة القاسية هي حقيقة الإنسان، الغير منجزة، والتي توقفه مثل علامة استفهام في منتصف جملة، وإنها تبتعد عنه أو بالأحرى تعطيه ظهرها بعدما تقوم بمعاينته بشكل جيد ‘. إن هذه القسوة وهذه الغرابة الموجودتين في مسرحية بيراندلو هما اللتان فتنتا المخرج براوتشفايغ: وجود شخصيات درامية، ولكنها ليست حقيقية، وذلك لأن مؤلفها قد تخلى عنها أثناء خلقها … إنها فكرة ساحرة، وتنفتح على الفور، على هوة من الأسئلة: ما هي الشخصية ؟ من الذي خلقها ؟ ولماذا ؟ وما هو حجم وكمية الجزء الخيالي من الحقيقة، وكيف يمكن ترجمته في عمل ؟ ما هي علاقة المؤلف بمخلوقاته ؟ إن الذي يقوم بتفعيل هذه القضايا، ليس فقط ترجمة، وإخراج ستيفان براوتشفايغ، وإنما محاولة العثور أيضا على الخالق الغائب لهذه الشخصيات الست التي تبحث عن مؤلف. وهنا تكمن أصالة العرض. إن المخرج لم يقم بإعادة قراءة المسرحية، وإنما بسطها، وحدثها، ورفع من صوت أسلوبها. لقد قام المخرج في هذه النسخة الجديدة للنص، بإعادة كتابة مقدمة النص الاستهلالية: فرقة في الوقت الحالي، تتكون من مخرج وأربعة ممثلين يبدأ عملهم حول الطاولة. يبدأ التمرين بشكل سيىء، لأن ‘نص ست شخصيات تبحث عن مؤلف’، بالنسبة لهذه الفرقة المعاصرة، لا يخلق ما يكفي من الرغبة، وإنه كلاسيكي جدا، وعفا عنه الزمان، وصار بعيدا عن اهتمامات المشاهدين، وفقا لبعض الممثلين. أحدهم يقترح تكيفه، وإعادة كتابته، واختيار مشاهد منه تناسب الممثلين. وممثل آخر، يرفضه، ويفضل أن يستوحى العمل من الواقع، بالاستحواذ على دور المؤلف. ممثل ثالث، يفضل الابتعاد تماما عن النص، مع الاستمرار في التعامل مع مخيلة المؤلف. من خلال هذه التساؤلات نتعرف على موقف واعداد براوتشفايغ نفسه لنص بيراندلو، والدخول مع المؤلف بحوار عاطفي، ولكنه بعيد عن النص. وإن مناقشات أعضاء الفرقة فيما بينهم، تستنطق المناقشات المعاصرة لمسرح ما بعد الدراما، التي هي: تفكيك الشخصيات التي ‘لم تعد نوعا، وشخصية، وإنما مجموعة من العواطف التي ينتجها جسد الممثل، وتكون بعيدة عن علم النفس’، ولكن أيضا، رفض النص، الخيال، والمؤلف، لصالح الكتابة الركحية. أي استبدال عمليات السخرية الرومانسية العزيزة على بيراندلو، بسخرية حديثة. أكثر الشخصيات الرئيسية في هذا الاعداد قد اختفت أيضا: الملقن، العمال التقنيون، والممثلون الشباب الذين يرقصون في بداية المسرحية’، وإن مدير الفرقة الأخلاقي والمستبد، أصبح المخرج الديناميكي والهزلي، الذي يطرح الأسئلة. إن الشخصيات الست التي تقاطع عمل الفرقة، لم تعد تحمل على وجوهها أقنعة خاصة، كما هو مدون في نص المؤلف. وإن المعنى العميق لهذه المسرحية، لا يجعل منهم ‘أشباحا’، وإنما ‘ بنى من الخيال غير قابلة للتغيير أو التحول’، حيث كل واحد منهم يلعب طبعا معينا: ‘الأب الندم، الفتاة الجميلة الانتقام، الأم الألم، الابن الاحتقار’. إن شخصيات براوتشفايغ تجسد بشكل رائع مفارقاتهم الطبيعية: حيوية، وقريبة من ممثلي البرامج التلفزيونية الذين يملأون حياتنا اليومية، ولكنهم ليسوا حقيقيين، وأصحاب مأساة لا ترحم، ولكنها لم تكتب بعد، وهي متعددة بعدد مجموع عيون الجمهور الذي ينظر إليها، وإنهم يرفضون التخلي عن أدوارهم، وراديكاليون، وأيتام … وهناك تغيير آخر قام به المخرج أيضا، عندما أضاف الفواصل، نوع من ‘احلام الممثلين انطلاقا من تأريخ الشخصيات’، للشرح والتفسير. وفي واحدة من بين هذه الأحلام، نشاهد ممثلا جالسا على هيئة تمثال ‘المفكر’ للنحات الفرنسي رودان، ويتصور نفسه المؤلف. وخلفه، شريط فيديو يعرض صورة ثقب في السحب ‘كمجاز أو صورة استعارية’. إن جميع هذه التعديلات والإضافات قد أنتجت مسرحية جديدة، ونصا من نص، إن جاز القول. وفي نفس الوقت، إن هذه الترجمة والكتابة الركحية الجديدة، لم تؤثر سلبا على روح الشخصيات الست التي تبحث عن مؤلف’، بل على العكس، لقد تتبعت مسار المسرحية، وسلطت الضوء على مواضيعها الرئيسية: 1- مشاكل الاتصال ارتبطت في معاني الكلمات التي تختلف من فرد لآخر، 2- الحاجة إلى لعب دور لأجل الاقتراب من الأنا المثالية، واظهارها من أجل اخفاء، الصراع بين الحياة التي تتغير باستمرار والطبيعة الثابتة، غير المخلوقة، 3- الشخصيات التي ترمز إلى اختيار الشكل الفني. وقد حضر المتفرجون في هذا العرض العديد من البروفات التي توضح درجات من الخيال المختلفة: البروفة الأولية، وهي بمثابة مناقشات نظرية حول المسرح، بين محترفين، والبروفة التي يجتمع فيها الممثلون والشخصيات، وتصبح فيها المناقشات النظرية التي كانت تدور في البروفة الأولى محل تطبيق في الفضاء المسرحي. ولقد عملت السينوغرافيا على وضع وتنظيم التشويش المتدرج الذي يحصل بين الممثلين والشخصيات الستة، بجعله واضحا، برسمها حدودا بين الواقع والخيال يمكن اختراقهما بسهولة. في بداية المسرحية تنقسم الخشبة إلى قسمين، جانب منها، يمثل فضاء العمل المجرد والمظلم، والجانب الآخر، يكون على هيئة خشبة بيضاء مشرقة للتمرين. إن الشخصيات التي تقاطع جلسة العمل تصل من الصالة، وتغزو فضاء اللعب، باختلاطها مع الممثلين فوق الخشبة البيضاء التي تنزلق إلى منتصف المسرح، فيتضاعف الحضور على الخشبة. ثم ينزلق فضاء ثالث من خلال الفيديو، ويتمثل بالشاشات والأماكن التي تستحضرها الشخصيات، والمناظر الوهمية. ويتم من خلاله بث افلام ، تظهر فيها الشخصيات وهي مسجلة مسبقا أو تصور بشكل مباشرة. حيث تتشكل لعبة المرآة المذهلة حد الدوار، حيث تسمح بتنظيم مختلف النغمات، بدءا من الدراما وانتهاء بالفكاهة المبهجة، وباختصار، إن كل ما في هذا العرض الذكي والمثقف يمثل بيراندلو، بل يوجد فيه حتى أكثر من ذلك بقليل، عندما يتم العثور على المؤلف الضائع في النهاية، بفضل عصا المسرح السحرية.