هذا موضوع قديم جديد يطفوعلى السطح بين الفينة والأخرى، يظهر ليختفي من جديد قبل ان يعود الى الظهور وهكذا دواليك، مثل الحرباء التي تتلون بألوان مختلفة ولكنها تظل حرباء في الأول وفي الأخير. وتطبيق صورة الحرباء بتلويناتها المختلفة على ملف الهجرة، الذي كما فهمه قارئنا يمثل موضوع هذا المقال، يأتي هذه المرة على شاكلة يؤدي فيها دور ‘اللون’ تقرير تسلمه رئيس الوزراء الفرنسي من فريق بحث عرض اقتراحات يراد بها ربط مقومات الهجرة بالمفهوم المستهلك المعروف في القاموس المدني الفرنسي، مفهوم العيش معا، أي، بلغة طبيعية اقل طنا ورنا، الحياة العامة.
وإن كنت اشدد على افضلية اعتماد لغة اقل دويا وجلبة لدى التطرق إلى المواضيع الساخنة، كما يقال، فلأن بقدر ما يكثر من التعويل على اشباه المفاهيم الصادرة غالبا عمن تنعتهم اللهجة المصرية بلقب ‘المفهومية’، بقدرما نبتعد عن دقة التحليل والأجواء المناسبة لاتخاذ ما يكفي من المسافة لإلقاء نظرة إلى الأمور تكون متزنة حصيفة.
فقد نزلت في الصحافة الفرنسية في هذه الأسابيع القليلة الماضية عدة تعليقات على نقطة نظر إليها على أنها جدلية، إما لأنها اقتحمت حصنا منيعا الى الآن يتمثل في صورة راسخة للتعليم بفرنسا، أشبه ما يكون من قبيل المحافظة في قالب التقدمّ، وإما لأنها ساقت أفكارا جديرة بالعناية ولكنها وردت في سياق غير ملائم.
وهذه النقطة، هي تعليم اللغة العربية واللغات الأفريقية، البمبارا نموذجا، في المدارس الابتدائية الفرنسية. غني عن القول إن ما جاء به التقرير لم يترك الرأي العام من دون ردود فعل. ففي وقت يكثر فيه التذمر من عدم إتقان أبناء مدارس فرنسا مبادئ اللغة الفرنسية المكتوبة، ويلام فقرهم اللغوي المدقع عند المحادثة الشفوية، لم يكن مكتوبا على هذا التقرير إلا أن يخلّف مواقف متحفظة جدا من هذه المقترحات في أحسن الأحوال، أو في أسوئها، أن يصبح أضحوكة جديدة تنضاف إلى أضحوكات آخر السنة الميلادية.
لن يختلف اثنان في حسن نوايا التقرير، فموضوع ‘تقبّل’ الجاليات الأجنبية بفرنسا بات على كل لسان، ولكنه بات بالتوازي، من منظور الدوائر الإدارية المتلاحقة التي تولّت الموضوع، منوطا بنظرة تصحيحية لا إصلاحية.
أجل.. نظرة تصحيحية لا إصلاحية إزاء موضوع الهجرة، إنها برأينا العبارة التي تضع إصبعا على بيت الداء. وبيت الداء بات يداوى في هذا المضمار ‘بالتي كانت هي الداء، والداء عند تناول موضوع الهجرة انطلق من قضية أقرب ما تكون الى التربة التي تضرب جذورها فيها إلى التربة الفلسفية. فقد ظل موضوع الهجرة مرتبطا بنقاش اصطلاحي طرح موضع السؤال عن مفهومي الاندماج والاستيعاب، وهما مفهومان يطرحان خيارين مختلفين ووجهتين متباينتين لسياسة الهجرة وممارساتها الاجتماعية. فبمفهومي الاندماج والاستيعاب ظهر ‘وجها’ ‘عملة ‘الهجرة، والعملة هنا يمكن تأويلها بمعناها الأصلي أي الثروة، فدار جدل الحكومات المتعاقبة في فرنسا حول كيفية استثمار ثروة وافدة تعاقبت في سياقات تاريخية مختلفة على مر فترات صقلها السياق والتاريخ صقلا.
هل الهجرة بفرنسا تستدعي الاندماج أم الاستيعاب؟ المعروف أن الاندماج يتصور ‘فلسفة’ الهجرة من زاوية مرتبطة أكثر بالموروث الثقافي والخصوصيات المتصلة بنمط حياة جالية ما، فضلا عن معتقداتها وعاداتها الغذائية وتصورها للأسرة وما شابه ذلك من عوامل اجتماعية ثقافية تنظمها. ولا ترى هذه الفلسفة ضيرا في تجاور مقومات هوية كل جالية على حدة في ما بينها، بل ترى فيها إثراء متبادلا، بين ثقافة البلد المضيف وثقافات الجاليات المقيمة على أرضه. أما الاستيعاب، فمقوماته الفكرية مبنية على ثقافة ‘الذوبان’ على نقيض ثقافة التجاور، بحيث تغدو موروثات الثقافة الأصلية وخصوصيات الهوية قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في خبر كان، اللهم الا في حالة بروز مبادرة شخصية من الأطراف المعنية للوقوف عند موروثها. ولعل الحالة هذه تنطبق أكثر على ابناء الجاليات الوافدة المولودين على الأرض المضيفة، وهم يحسون بالانتماء إلى بلد الولادة الذي دخلوا اليه بشكل طبيعي وحتى لاشعوري في حكم الوطن الأم.
وإذا ربطنا بهذه الخلفية شؤون الساعة وشجونها، أي التقرير الداعي إلى تدريس لغات مثل العربية وبعض اللغات الافريقية في المدارس الابتدائية الفرنسية، فنكتشف بصورة جلية أن الموضوع في قلب النقاش الجديد القديم الذي لم يستقر عنده قرار بخصوص إشكالية أي فلسفة للهجرة يمكن أن تتجاوز المنحى التصحيحي لتسمو إلى المنحى الإصلاحي.
قد يقول قائل إن مسألة الاندماج والاستيعاب متروكة في النهاية لحرية الشخص فله أن يختار أي مسلك يراه انسب لتصوره الخاص لوجوده الاجتماعي على الأرض التي هو فيها مقيم. أما نحن، فمتفقون تماما مع هذا الرأي، ومتفقون كذلك مع ما سيستخلص من هذا التحليل من أن مسألة الاندماج والاستيعاب لا تتطلب حسما على مستوى دوائر صناعة القرار، طالما أن قوانين الاحترام المتبادل وعدم اقتحام حرمات الغير مرعية مصونة. ولكن الذي ينبغي أن يحسم حسما هو موضوع تهيئة الظروف التي تسمح لملف الثقافات الوافدة والثروة الخصبة التي تحملها بأن تلقى تجاوبا، بل طلبا على اكتشافها وضمها إلى برامج ثقافية راسخة في النسيج الاجتماعي للبلد المضيف.
وفي الحالة الفرنسية لا نرى أن اجراءات أقرب ما تكون إلى سياسة التمييز الإيجابي الأمريكية ستؤدي إلى تثبيت الالتفاف على التنوع الثقافي الفرنسي. الموضوع أشمل ويمكن صياغته كالآتي: فرنسا بلد الاستثناء الثقافي، وعليها بإدخال التنوع الثقافي التي هي حاضنة لها في مشاريع إرساء دعائم الاستثناء الثقافي. كفانا مثل بسيط متعلق باللغة والحضارة العربيتين: فهل يتصور في فرنسا، بلد الاستثناء، أن تظل قناة واحدة ناطقة بالعربية على مدار الساعة، لا تستطيع أن تغطي الجانب الثقافي إلا في حدوده الدنيا لأنها إخبارية اساسا؟ أصبحت ضرورة التفكير في مشاريع أكثر طموحا، كتأسيس قنوات ثقافية ناطقة بلغة الجاليات ذات وزن لغوي كبير وأيضا ناطقة بلغة البلد المضيف للتعريف بهذه الثقاقات أمرا أكثر من ملح. هذا مشروع نأمل أن يتحقق يوما وسنبذل كل ما في وسعنا للمساهمة في تحقيقه.
‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي