جدار إسرائيلي جديد.. لكن في لندن

حجم الخط
0

لم يقف حدود جدار الفصل العنصري الإسرائيلي عند حدوده داخل الضفة الغربية والخط الأخضر، بل امتد ليصل إلى العاصمة البريطانية لندن بعدما أراد بعض الناشطين ضد الاحتلال أن يعبّروا على طريقتهم عن رفضهم للقهر والظلم الذي يفرضه الاحتلال على الفلسطينيين عبر مصادرة أراضيهم واقتطاعها لصالح الجدار العنصري.

الاختيار الأنسب وقع هذه المرة على كاثدرائية سانت جيمس العريقة وسط عاصمة الضباب، بحيث جرى بناء جدار يحيط بالمبنى مصنوع من الورق المقوى والكرتون ودعائم خشبية بحيث يشابه من حيث الشكل والارتفاع جدار إسرائيل العنصري.

واختيار الموقع جاء موفقاً بكل معنى الكلمة، ليس من حيث المكان فحسب، وإنما من حيث الزمان الذي تصادف مع ذروة الاحتفالات بعيد ميلاد السيد المسيح، وأيضاً احتفالات رأس السنة الميلادية المجيدة والطوائف المسيحية على اختلافها.

الناشطون المبدعون لم يكتفوا بالجدار الجديد وإنما قاموا بإعداد فيلم مؤثر وضعوه على الشبكة العنكبوتية للإشارة إلى فداحة الجرم الذي ترتكبه إسرائيل بمصادرتها للأرض العربية، وبنائها لجدار يزيد في طوله عن ضعف الخط الأخضر بحجة الأمن والأمان.

وما أن راج صيت الفيلم على الشبكة العنكبوتية حتى حرك الصهاينة المتطرفون سهامهم تجاه الكنيسة والقائمين عليها والناشطين ومن معهم. لم يكتفوا بالنقد، بل انطلقوا نحو التعليق على الفيلم بصورة غاية في العنصرية والمواربة ولي الحقائق وتشويه الوقائع. لذا أدعو القراء الكرام إلى الاطلاع على تلك التعليقات التي تتبع الفيلم الموجود على الانترنت تحت عنوان “بيت لحم تتكشف” للوقوف على حجم “التخريف” العقائدي والفكري والتسويقي لهذا الجدار الأصم وما يقوده المتعصبون له من تبريرات وحجج واهية.

إسرائيل وبخبرتي التقنية المتواضعة ليست بحاجة لهذا الجدار أبداً، إذ أن إمكاناتها التقنية والفنية تتيح لها توفير التغطية الأمنية ليس فقط عبر كاميرات المراقبة، بل أيضاً باستخدام الأقمار الصناعية وقائمة لا تنتهي من الوسائل التكنولوجية العتيدة.

إسرائيل أرادت، وكما العادة، استخدام المجريات الميدانية للتذرع بالأمن لتسرق المزيد من الأرض العربية، ولو أنها ترفض كلامي هذا فإنني أتحدى أن تجيب على سؤال قدمه حلفاؤها قبل خصومها: لماذا لا تبني إسرائيل الجدار على طول الخط الأخضر إذا ما كان الأمن هدفها؟ ولماذ تبنيه داخل الضفة الغربية؟ هذا طبعاً لا يعني موافقتي كفلسطيني ولا بأي حال من الأحوال على مصادرة الأرض العربية أو بناء الجدران أو احتلال أي قطعة من فلسطين.

إسرائيل دولة احتلال وغطرسة بامتياز لأن حكومتها ترى في الجدران ونقاط التفتيش والمستوطنات قدرة على دفع الفلسطينيين للقبول باحتلالها واغتصابها للأرض العربية، لذا ترى في فلسفة قائمة على سرقة مرائب المركبات وساحات المدارس وحدائق الكنائس والمساجد وملاعب رياض الاطفال لبناء جدارها فيهم، فرصة ذهبية لتركيع الفلسطينين وتدمير فرصهم في الاستقلال والحرية.

أصحاب نظريات التوسع والهيمنة الاحتلالية الإسرائيلية رسبوا في امتحانات التاريخ كونهم لم يقرأوه جيداً، فالبطش والإكراه لم يصمدا يوما أمام إرادات الشعوب. وبما أن النظريات الصهيونية المتعاقبة التي درجت عبر التاريخ والقائمة على “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” و”الكبار يموتون والصغار ينسون” قد سقطت، فإن معتدلي اليهود وإسرائيل مدعون للاستفادة من “جدار لندن” لتفكير ملياً في جدوى جدار حكومتهم في تل أبيب ونجاعة السم الذي ادارته لعقود، فهل يكون جدار لندن فرصة للتمعن أم ظاهرة تندثر كما اندثرت غيرها.

          

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية