لندن ـ ‘القدس العربي’ من الأنبار الى لبنان وسوريا أعطى فراغ السلطة وخروج الولايات المتحدة من المنطقة مساحة للمتطرفين والجهاديين للنمو والظهور، كما وأعطى فرصة للتنافس السعودي- الإيراني ومحاولة كل منهما ملء الفراغ ومواصلة حرب بالوكالة في سوريا ولبنان.
فالقتال الدائر بين جماعات إسلامية معارضة وأخرى جهادية تنتمي إلى القاعدة شمال سوريا تشير إلى المدى الذي انحرفت فيه الإنتفاضة السورية عن أهدافها، أما ما يحدث في العراق ولبنان فهو عرض لما يجري في سوريا. فقد تشابكت في العراق خاصة أهداف الحرب في سوريا مع أهداف القاعدة فيه.
القوى البربرية
وينظر للقتال الدائر في شمال سوريا والأنبار العراقية على أنه لحظة مهمة في الصراع السوري الذي يقترب من نهاية سنته الثالثة.
ودعت التطورات في العراق وزير الخارجية الأمريكية جون كيري للقول في إسرائيل حيث يحاول الدفع باتجاه صفقة وتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إن واشنطن جاهزة لتقديم الدعم اللازم للحكومة العراقية التي لم يكن أداء جيشها جيدا أمام مقاتلي القاعدة في الرمادي والفلوجة وهما من المدن المهمة في المحافظة والعراق بشكل عام.
ولاحظت الخارجية الأمريكية أن بعض العشائر واجهت مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ وتعاونت مع الشرطة فيما لم تستطع القوات العراقية تحقيق تقدم في الفلوجة التي يقاتل فيها مسلحون من القبائل فيما وصفتها صحيفة ‘واشنطن بوست’ بـ ‘الثورة الواسعة ضد حكومة نوري المالكي التي يتسيدها الشيعة.
وترى الحكومة الأمريكية في التطورات العراقية إشارة خطيرة على محاولة القاعدة السيطرة على العراق وسوريا واصفا مقاتلي القاعدة بـ ‘أخطر اللاعبين في المنطقة، فبربريتهم ضد المدنيين في الرمادي والفلوجة وضد القوات الأمنية العراقية واضحة للعالم كي يراها’، ولم يحدد كيري طبيعة المساعدات التي ستقدم للعراق ولكنها ستكون معدات عسكرية إضافية، خاصة بعد تزويد الإدارة الأمريكية حكومة المالكي بصواريخ ‘هيلرفاير’ وطائرات تجسس ستصل في آذار/مارس المقبل.
ولا يعتقد المراقبون أن تقوم الولايات المتحدة بإرسال قوات لمساعدة الحكومة العراقية حيث كان كيري واضحا عندما قال إن ‘القتال يخص العراقيين’وحدهم.
وتمثل محافظة الأنبار بعبعا للأمريكيين الذين خسروا فيها أكثر من 1300 جندي أثناء احتلالهم للعراق فيما بين 2003-2011 وخاضوا أكبر معاركهم فيه، اي في الفلوجة التي سيطر عليها المقاتلون، وخاضت قوات المارينز حرب شوارع فيها دمرت معظم مبانيها.
‘داعش’ وصلت لبنان
وعلاوة على ذلك فقد تراجع التأثير الأمريكي في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه، ورفض المالكي توقيع الإتفاقية الأمنية والتي تسمح ببقاء عدد محدود من الجنود والضباط لأغراض الإستشارة والتدريب.
وتقول ‘واشنطن بوست’ إن الحرب في سوريا قد أدت لصعود الدولة الإسلامية في العراق كما كانت تعرف أثناء الوجود الأمريكي. وأعطى وضع ما بعد 2011 والإنتفاضة السورية القاعدة فرصة لإعادة التنظيم وزيادة أعدادها. ومن هنا يرى كيري أن الحرب ضد القاعدة لا يخص العراق ‘فهذه الحرب هي أكبر من العراق’ لأن ‘صعود الإرهابيين في المنطقة، خاصة في سوريا، ومن خلال القتال فيها، هو جزء يؤدي لعدم الإستقرار في بقية المنطقة’.
وكانت أول إشارة لوصول داعش للبنان عندما أعلنت عن مسؤوليتها عن الهجوم الذي نفذ في الضاحية الجنوبية التي يسيطر عليها حزب الله.
وتقول الصحيفة إن ‘الإنتفاضة’ ضد داعش في بعض المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون السوريون هي أول إشارة عن تراجع سطوة التنظيم بعد أشهر من التقدم للدولة التي تعتمد على التمويل الخارجي والمقاتلين الأجانب من دول العالم الإسلامي وأوروبا. فقد استطاع التنظيم منذ إعلانه مد نفوذه من العراق لسوريا في نيسان/أبريل الماضي تعزيز سيطرته على مناطق واسعة في شمال سوريا مما أدى لتراجع حظوظ الجماعات المعتدلة.
ويرى ناشطون أن الثورة التي أعلنها مقاتلون ضد داعش بـ ‘الثورة الثانية’ على أمل ان يتحول دفع الحرب لصالح المعتدلين.
ونقلت عن ناشط أجبر على الرحيل عن الرقة التي تسيطر عليها داعش إلى تركيا قوله ‘هذه المعركة أهم من مواجهة النظام’.
وكانت المواجهات قد بدأت الجمعة عندما تم الكشف عن جثة أحد قادة ‘احرار الشام’ اختطفته داعش وعذبته حتى الموت حيث بدأت فرق تابعة للجبهة الإسلامية التي أعلن عن إنشائها حديثا والتي انضمت إليها فرق تابعة للجيش الحر هجوما على مواقع داعش، فيما قامت السلطات التركية، بإغلاق أهم المعابر إلى سوريا والتي تمثل شريان الحياة بالنسبة للجماعات المقاتلة.
ويقول المقاتلون إنهم أعادوا السيطرة على مواقع في إدلب وباب الهوى وريف حلب وأنهم قتلوا قيادات بارزة في داعش، من شيشاني وسعودي وتونسي، واعتقلوا 170 من مقاتلي داعش.
ونقلت الصحيفة عن العقيد قاسم سعد الدين المتحدث باسم الجبهة الثورية السورية قوله إن داعش خسرت دعم الناس بسبب الطريقة السيئة التي عاملتهم فيها.
ويرى محللون أن المواجهة قد تكون محورية خاصة في حالة إخراج داعش من المناطق التي تسيطر عليها، فداعش على ما يبدو في وضع دفاع عن النفس. وعليه يفهم تهديد داعش الإنسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في حلب حيث ستترك المدنيين تحت رحمة قوات النظام.
نفس الصور
وعلقت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ في تقرير لها عن التطورات الأخيرة في العراق وسوريا قائلة إن ‘الصور في الأيام الأخيرة غريبة كما لو أن رعب العقد الماضي يعاد تكراره: رجال مقنعون ومسلحون يعودون للمدن العراقية الرمادي والفلوجة التي مات فيهما الكثير من الجنود العراقيين، سيارة مفخخة تنفجر في وسط بيروت، وبيت مدمر في سورية التي تزداد فيها الحرب الأهلية سوءا’.
وتقول إنه رغم كل الصدى الذي تحمله الصور ونزيف الدم الذي غمر العراق ولبنان وسوريا، فإن ما يحدث يكشف عن شيء جديد ويزعزع الإستقرار: ظهور الشرق الأوسط في المرحلة ما بعد الأمريكية’.
وترى فيها مرحلة غاب عنها الطرف الذي يملك السلطة أو لديه القدرة على احتواء الأحقاد الطائفية. وفي ظل هذا الفراغ ازدهر الإسلاميون المتطرفون في كل من العراق وسورية، ذلك أن الصراعات في كلا البلدين أثرت على البلد الآخر وعززت من الراديكالية.
تنافس سعودي ـ إيراني
وقالت ان خلف الصراعات الدائرة في البلدين التنافس المر بين إيران والسعودية اللتان تستخدمان أجندة طائفية ضد بعضهما البعض مما يجعل من التوصل لأرضية مشتركة عملا يشبه الهرطقة كما تقول الصحيفة.
ويتحدث الروائي والكاتب اللبناني الياس خوري عن نقطة تحول قد تكون الأسوأ ‘ أعتقد أننا نشهد نقطة تحول قد تكون الأسوأ في تاريخنا’.
وقال الروائي الذي شهد الحرب الأهلية التي مرت على بلده واستمرت 15 عاما ‘ لم يعد الغرب موجودا، ونحن الآن بيد قوتين إقليميتين هما السعودية وإيران، كل متطرف بطريقته الخاصة ولا أرى طريقة يمكننا التوصل بها لاتفاق أو لحل عقلاني’.
وتقول الصحيفة إن طبول العنف التي دقت خلال الأسابيع الماضية تهدد بعودة الحرب الأهلية التي فتحت أمريكا الباب لها في العراق عندما غزته وبعد ذلك أنفقت مليارات الدولارات وخسرت أرواح آلاف الجنود للتغلب عليها.
ويخشى الكثيرون من الإنسحاب الأمريكي القادم من أفغانستان والذي قد يفتح الباب أمام عنف جديد مما سيترك مهمة ‘بناء الدول’ رمادا.
وتقول الصحيفة إن الإدارة الأمريكية تدافع عن سجلها في المنطقة، وتشير للجهود التي تقوم بها لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والإتفاق النووي مع طهران الذي توصل له في جنيف قبل نهاية العام الماضي، ولكنها تعترف بمحدودية قدرتها ‘فليس من مصلحة أمريكا أن يكون لها قوات وسط كل نزاع شرق أوسطي او تنخرط في نزاعات مفتوحة في الشرق الأوسط’ حسب بنجامين جي رودس نائب مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي.
وتضيف الصحيفة أنه ولأول مرة يستطيع فيها مقاتلون تابعون للقاعدة السيطرة على أراض في العراق، في إشارة لدخولهم مدنا في محافظة الأنبار، وكذا ما حدث في لبنان وما يحدث في سوريا.
وترى أن ما يربط هذا الضرر هي الدعوة الواضحة للولاءات الرجعية من القبيلة والطائفة.
وتقول إن القوى الأجنبية تفرض أجندتها على المنطقة فيما لم تسمح الدول البوليسية والحكام الديكتاتوريين لمجتمعاتهم بالتعبير عن تنافسهم وعدائها القديم.
وبدأت هذه تظهر مع الثورة الإيرانية عام 1979 فيما أدت أحداث السنوات الأخيرة من الإنتفاضات لإضعاف بنية الدولة ولم تعد حدودها واضحة مما أدى بالناس للعودة إلى هوياتهم الطائفية كدرع حماية.
يتحركون لملء الفراغ
وترى الصحيفة أن القادة العرب يتحركون سريعا لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، مدفوعين لحماية الطائفة ومصالحهم.
وتشير إلى تعهد السعودية بدعم الجيش اللبناني بـ 3 مليارات دولارات بعد اغتيال محمد شطح، الرمز السياسي المعروف في تيار المستقبل المرتبط بالسعودية.
وينظر للخطوة على أنها محاولة من السعودية لتعزيز وجودها في لبنان الذي تلعب فيه إيران دورا مهما عبر وكيلها حزب الله.
وفي الوقت نفسه زادت كل من السعودية وإيران من جهودها لتجنيد وتدريب وتمويل أطراف الحرب السورية التي ينظر إليها الطرفين على أنها حرب وجودية. فقد تدفق المقاتلون من مصر وليبيا وتونس والسعودية ومناطق أخرى للقتال إلى جانب الجماعات المسلحة خاصة المرتبطة بالقاعدة.
فيما تدفق مقاتلون شيعة من العراق واليمن ولبنان والبحرين للقتال إلى جانب الميليشيات المرتبطة بالنظام السوري. ونقلت عن أبو كرار، مقاتل شيعي من العراق قوله ‘الكل يقاتلون في سوريا خدمة لأهدافه، وليس فقط لحماية بشار الأسد ونظامه’. وتضيف أن بعض المقاتلين الشيعة يتلقون تدريبهم في إيران ولبنان قبل إرسالهم لسوريا. ومعظهم يتلقون رواتبهم وسكنا وتذاكر مجانية من متبرعين شيعة خارج سوريا.
وتقول إن السعوديين الذين شنوا حربا على القاعدة في بلادهم قبل عقد من الزمان يقومون بتمويل المقاتلين الإسلاميين الذين يقاتل بعضهم لجانب جماعات مرتبطة بالقاعدة مثل ‘جبهة النصرة’ ويقول السعوديون أنه لا خيار أمامهم بعد أن قاموا بممارسة الضغط على الولايات المتحدة للتدخل العسكري في سوريا دون جدوى.
المالكي هو السبب
وتشير الصحيفة إلى الوضع المتردي في العراق الذي رسم له أنتوني بلينكين، مستشار باراك أوباما للأمن القومي، في خطاب له عام 2012 صورة وردية ‘في العراق اليوم عنف أقل’، كل هذا في وقت كان نوري المالكي يشن حملة ضد الرموز السياسية السنية مما أغضب السنة العراقيين.
وقد أعطت هذه السياسات الطائفية وغياب الغطاء الجوي الأمريكي القاعدة والجماعات السنية التي أصبحت شيئا من الماضي فرصة ذهبية لإعادة سمعتها كحامية للسنة في العراق والشام. وقد زاد العنف تدريجيا خلال العام الماضي.
ويشير التقرير إلى التطورات التي حدثت على دولة العراق الإسلامية وارتباطها بسوريا حيث تطمح لمحو الحدود وبناء دولة واحدة، وتقوم بإرسال ما بين 30 -40 انتحاري كل شهر من داخل مخابئها الآمنة في سوريا، وأدت عملياتها وهجماتها على السجون لتحرير مئات من مقاتليها وقتل 8 ألاف عراقي في العام الماضي.
وعن التطورات الأخيرة يقول محللون إن الولايات المتحدة التي دعمت المالكي العام الماضي بالسلاح لم تضغط عليه بالشكل الكافي لإنشاء حكومة تشمل الجميع. ويقول بيتر هارلينغ، من مجموعة الأزمات الدولية ‘فعل المالكي خلال العام الماضي كل ما بوسعه لتعميق الإنقسام الطائفي، ومع ذلك لا يزال يتمتع بدعم أمريكي غير مشروط’.
وبنفس السياق يمكن الحديث عن لبنان الذي انتشر إليه العنف. ويرى بول سالم، نائب مدير معهد الشرق الأوسط في واشنطن ‘كل هذه الدول تعاني من الآثار لأن الدولة لم تعد ذات سيادة’.
وفيم يتعلق بالمسألة الطائفية فهذه تعتمد كما يقول على ‘ التنافس السعودي ـ الإيراني، فهل ستكون هاتان الدولتان مستعدتين للتعايش أم مواصلة حرب بالوكالة؟’. وبالنسبة لمقاتلين على الأرض فلا مكان لهذا الحديث، وتنقل عن مقاتل عراقي شيعي يقاتل في حمص قوله أن لا مكان لهذا الحديث عن التعايش لأن السنة كما يقول يقتلون إخوانه في سوريا ولبنان.