زمن أغنية
لنا عبد الرحمنزمن أغنيةأنتظرك …المقهي هادئ حد البكاء، وكل ما حولي يعلوه الضباب، الناس، المقاعد الكراسي، فناجين القهوة، أكواب الكابوتشينو، كؤوس العصير، كلها تتراقص خلف غمامة عيني الشفافة، فيما المطر ينقر بخفة زجاج المقهي الشفاف، يقترب النادل من علبة الأسطوانات، يضع أغنية، يخرج اللحن حزيناً، هادئاً، فيما صوت خوليو ايغليزيس بانكليزيته اللاتينية ينساب مع اللحن اذا رحلت بعيداً، كلماتها عالقة في مخيلتي من أيام المراهقة، ترتفع أحاسيسي مع انفعال خوليو، وهو يكرر: (If you go away).في الصف الثانوي الأول، طلب منا الأستاذ جو أن نصغي لأغنيات انكليزية، ونتابع الأفلام سماعاً، بلا ترجمة. مع مرور الوقت ستجدون أنفسكم تتكلمون بطلاقة لن توفرها لكم الكتب المدرسية قالها لنا بثقة.ارتفع صوت داني من آخر الصف هاتفاً بحماس: اليوم سأشتري عشرة أشرطة يا أستاذ .ابتسم الأستاذ الذي يشبه فرسان الحكايا وهو يقول في البداية يكفي شريط واحد يا داني .بعد نهاية اليوم الدراسي، سرت باتجاه الشارع المحاذي للمدرسة نحو متجر الأشرطة الموسيقية، العطور، وكثير من الأشياء الغريبة التي تحبها الفتيات، راغبة في التفوق بالانكليزية، والتميز أمام أستاذي الذي يدغدغ قلبي وهو يقرأ لنا أشعار بايرون ورواية الحب والتحامل .شمس تشرين الحنون تداعب ضفيرتي وكتفي، الماء ينزل سريعاً في الخريف، والشتاء أيضاً، بعد شهر من الآن تمتلئ شوارع زحله برذاذ غسيل الملائكة، هكذا كانت تقول عمتي عن المطر. وصلت تمارا قبل دخولي المتجر بلحظات، شدت ضفيرتي بخفة، وهي تقلد معاكسات الشبان دهب يا حلو ، ضحكنا، سحبت حقيبةالمدرسة من يدي قائلة هاتها عنك .في الداخل، لم نعرف كيف نصف للبائع أننا نريد أشرطة باللغة الانكليزية، لكن تمارا قالت بجرأة:ـ نريد أن نستمع للأشرطة الأجنبية التي عندك؟كان بائعاً شاباً يبدو عليه الميل لمغازلة الفتيات، ابتسم متأملاً ملامح تمارا السمراء، بعد أن خلعت ثوب المدرسة فبدت أكثر نضجاً، شعرها أسود طويل، غمازتاها تبرزان كلما ابتسمت، فيما بشرتها الخمرية تمنحها أنوثة آسرة. نقل نظراته بيني وبينها، تعلقت عيناه علي شفتيها، ربما من هنا كانت البداية التي أتاحت لتمارا أن تدخل في علاقة خفية معه فيما بعد، علاقة لم أكتشفها الا بعد انتهائها. سألته:ـ ماذا لديك من أغنيات؟ضحكت لأني أعرف أن تمارا لم تستمع لأية أغنية غربية من قبل.بدأ البائع يبدل الأشرطة، ويسمعنا أغنيات لم نسمع بأصحابها من قبل، انساب صوت خوليو في If you go away ، قلت:ـ أريد هذا.رفضت تمارا، صمت.ـ أنتما هنا!جاء صوت داني بقامته الطويلة ليحتل حيزاً كبيراً من مساحة المحل الصغير، كان داني عملاقاً بالنسبة الي عمر السادسة عشرة، نظرت تمارا الي وعيناها تبتسمان، وتلوحان بمغزي آخر، وقف داني الي جانبي، سألني بخجل:ـ هل اخترت شيئاً؟أريته شريط خوليو ، وأنا أبتسم له، كان يتلعثم كلما حاول الكلام معي، رغم جرأته الشديدة، مع كل بنات الصف.تمارا اختارت شريطاً صاخباً، أخرجنا النقود لنعطيها للبائع، رفض بشدة. لمحت داني يغمز له بعينيه كي لا يأخذ النقود منا، فيما هو يحاول أن ينصحنا بالذهاب الي البيت قبل هطول المطر، كان يتبني رجولة مبكرة.ارتفعت ضحكة تمارا حين خرجنا من المحل، قالت باصرار عمر المراهقة:ألم أقل لكِ انه يحبك ، كيف لا تحبينه وكل الفتيات تحبه؟ هو ثري ووسيم.ابتسمت بغرور الأنوثة الأولي، وبريقها الذي يلمع في الروح عند الاحساس بشعاع حب، ثم قلت باختصار ماكر: لا أحبه لأن كل الفتيات تحبه.أخذتُ حقيبتي منها، فيما دموع السماء ابتدأت بالتساقط.ہہہـ أجمل ما في هذا المقهي أن بإمكانك تأمل الهواء وهو يتعارك مع الناس في الخارج، والمطر يبلل ثيابه، قلت وأنت تنادي علي النادل الذي يعرفك، سلم عليك بحرارة، وهو يسألك عن موعد سفرك، طلبت قهوة بالحليب لي ولك، ثم أجبته: ـ بعد غد. نظرت الي، تأملتني لثوان ثم قلت وأنت تنزع القبعة الشتوية عن رأسي: ـ أريد رؤية ملامحك، انها تواري جبينك وشعرك، ألا يحق لي ذلك قبل مغادرة هذا البلد. ابتسمت لك. ـ متي موعد طائرتك؟ ـ الرابعة فجراً. أحسست بغصة خفية، صمت. ـ ريما.همست اسمي بخفوت.تكلم يا علي، قلتها بسرعة. ابتسمت منعطفاً بكلامك نحو مجري آخر، وأنت تداعب أرنبة أنفي ممازحاً: ـ من سيناديك، ري ـ مي بعد سفري، لقد ورثتني وأنا حي سأمر اليوم لأترك لديك كتبي وأشرطة الكاسيت والسي ـ دي. عائلتي تعتبرها لزوميات ما لا يلزم، زوجة أبي قد ترمي بها في المهملات. ـ اذن أنت واثق أنك لن تعود الي هنا. طفت كآبة علي ملامحك.ـ ليس قبل خمس سنوات علي الأقل. بعد أن تأخذ الغرين كارد كدت أقول. اقترب النادل، وضع كوبي القهوة والحليب، والسكرية الصغيرة، أسقطت في كوبك قطعة من السكر، أردت وضع قطعة في كوبي، رفعت يدي لأمنعك فقلت: ـ اكسري قواعدك اليوم من أجل. ـ ري ـ مي.ـ نعم.ـ سأمر مساءً لأحضر لك حقيبة الكتب، اذا أتيت الي كندا أحضري لي معك دواوين الحلاج وروايات عبد الرحمن منيف ، واتركي البقية عند تمارا.ما رأيك؟ ضحكت ساخرة من قدرتك علي المزاح. ـ ربما.ـ نعم. ـ أهناك أشياء لم نقلها؟ ـ لا أدري. ـ ري ـ مي، هناك رواية لماركيز اسمها قصة موت معلن أليس كذلك؟ ـ نعم. ـ اذن، سأكتب قصة في يوم ما واسميها قصة حب غير معلن . ـ جميل، المهم أن تكتب. ـ سأحكي عن شاب وفتاة أحبا بعضهما حباً صامتاً، بلا بوح، ثم بعد سنوات طويلة.تكسرت بقية عبارتك ولم أقو علي الابتسام، اكتفيت بتأمل ملامحك، والأغنية علي وشك الانتهاء، وصوت خوليو يتلاشي بعيداً مع اللحن… أما أنت، فكنت تسير، بخطواتك نحو النادل، تدفع له الحساب. أراك ضبابياً وسط غيمة عيني الشفافة، تعود الي مندهشاً من بقائي جالسة في المقعد، أطلب منك المغادرة وحدك، مؤكدة لك أنني سأبقي هنا الآن بانتظار بعض الاصدقاء.كاتبة من لبنان0