الشاعرة فاطمة الزهراء فلا وفن الولوج لدنيا المبدعات الدلتاوية

حجم الخط
0

أدركت الكاتبة والشاعرة فاطمة الزهراء فلا طبيعة المرأة وطبيعة العصر الذي توجد فيه منذ الكلمة الأولى في كتابها ‘مبدعات دلتاوية’ الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، فسعت جاهدة لتأصيل القضية بطرحها سؤالا ذكيا لم ينصب على معنى الأدب النسوي الذي اعتبر ظاهرة أدبية في وقت ما وتناقلته الأوساط الثقافية
وناقشته كثيرا، لكن الكاتبة تعبر هذه المحطة باعتبارها محطة بالية ،وتقرر واقعا جليا بسؤالها، لماذا يعتبر التنقيب عن الأدب النسائي من الصعوبات الشديدة ؟
وحللت الكاتبة تلك الظاهرة بمناجاتها للتاريخ ودخولها في أروقته بذكرها تجربة الشاعرة رابعة العدوية مثلا ،والتي كانت قليلة الإنتاج ،متفاوتة المستوى،تنجذب للون واحد من الغرض الشعري وهو اللون الصوفي، وهذا ما جعل النقاد لا يجدون في تجربتها براح التجربة النقدية وفضاء الأدب النسوي بكامل ألوانه ،ثم تحدثت عن الشاعرة ليلى الأخيلية ومدى شجاعتها في مساجلة الخلفاء والأمراء في الشعر، ومدى اهتمام الرواة بتجربتها، حتى رست سفينة الكاتبة على شط العصر العباسي الثاني عند الشاعرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي وصولا إلى الأديبة مي زيادة وصالونها المميز، وأسلوبها الراقي ومدى انتصارها لقضايا المرأة ،واستمرت الكاتبة في التحليق في سماء الشاعرات لتثبت قضية مهمة وهي أن الأدب النسوي بفروعه ينتصر لغرض أسمى وأشهر هوالرثاء بحكم شاعرية وعاطفة المرأة ،بينما يتداخل معه بشكل قليل بعض الأغراض الأخرى كالمدح والفخر، وذلك من خلال رحلة تاريخية ممتعة أدخلتنا فيها الكاتبة كتمهيد وتهيئة نفسية لأدب المرأة المعبر بشكل أساسي عن ماهيته لكنه يتماس بشكل شفاف مع القضايا والأغراض الأخرى، ساردة ملمح الخصوصية التعبيرية والجمالية في الأدب النسوي بشكل عام حتى تصطدم ببلبلة فكرية قادتها أحاديث النقاد والأدباء، لم تستطع تجاوزها وكان سؤالها ‘من أطلق مصطلح الأدب النسوي ولماذا ؟’، حتى رصدت الإجابات الفياضة على ألسنة الكاتبات معبرة عن رؤاهن مثل الكاتبات اللواتي شغلهن هذا الطرح ، كالكاتبة اللبنانية إيمان القاضي، والكاتبة زينب فواز والدكتورة نوال السعداوي والكاتبة غادة السمان وغيرهن، لتستنتج من كل هذا، أن المرأة المبدعة تغلبت على مقولة تصنيف الأدب كلون ذكوري وذلك بكثرة إبداعها وتنوعه،ليظل سؤال يشغلها هل استطاعت المرأة في المجتمع الأقليمي أن تغير الصورة العتيقة والقابعة في أعماق لا وعي المجتمع عامة وفي لا وعي المثقف خاصة لتترك الإجابة ممتدة امتداد الحياة نفسها؟.

الإبحار داخل قلوب المبدعات أولا:

أصدرت الشاعرة فاطمة الزهراء من قبل عدة دواوين مثل هل يصدأ القلب، بركان ثائر، انتفاضة أنثى، تراها تصدر اليوم كتابا مختلفا يحوي تجربة اثنتين وعشرين مبدعة، واختارتهن من دلتا مصر العامر بفيض إبداع المرأة، واستطاعت الكاتبة بحس أنثوي وقلم ذكي أن تصادق الكاتبات أولا قبل السرد، فالكتابة عن الشخصيات عن بعد قد تغلف الكلمة بغلالة من غموض، ولا يتضح مدى الجانب الإبداعي فيها، علاوة على أن القارئ ينقب بشوق ولهفة دائما عن الجانب الخفي وراء هذا الإبداع ويتلمس بعض الأسرار التي تشبع ذائقته وتقرب المبدع إليه لتتكون صداقة خيالية بينهما تربط واجدان القارئ بالمبدع الناثر إبداعه داخل أوراق الكتاب ،هنا نقولها بصدق أن الكاتبة فاطمة الزهراء لعبت على وترين حسيين قربا الكاتبات المبدعات بشخصياتهن وإبداعهن للمتلقي، أولهما: من واقع قيادتها لرئاسة اتحاد الكتاب فرع الدقهلية ودمياط وهذا ساعدها بشكل كبير في التقاط الأقلام الإبداعية، وبالفعل كانت قد أقامت العديد من الندوات والمناقشات لعرض إبداعهن من شعر وقصة ودراسة في وجود باقة من كبار الشعراء والنقاد الذين تناولوا إبداعهن بكل صدق وضمير، فكان هذا هو الدافع العلني في الاعتراف بموهبتهن مع الأخذ في الاعتبار أن الكثير من المبدعات اللواتي تناولتهن الكاتبة في كتابها يمارسن العمل الإبداعي ويتواجدن على الساحة الأدبية منذ فترة، ولهن جمهورهن المعروف وهن بالفعل أساتذة، لكن البعض منهن كسولات في عرض إنتاجهن، فكان اتحاد الكتاب ملجأ وملاذاً لتحقيق قدر من التواصل الأدبي والنقدي خاصة وأن الأديبات من دلتا مصر، أي بعيدات عن أضواء الشهرة الكبيرة في العاصمة القاهرية، وإن كان بعضهن يُعرفن كأسماء مشهورة في دنيا الإبداع، لكن تظل المحلية تحد قليلا من تواجدهن بسخاءٍ على الساحة الأدبية والثقافية، واعتمدت الكاتبة على ذلك في اختيار المبدعات، إيمانا بدور الاتحاد في ذلك وتحيزا أيضا للمرأة المبدعة، أما الوتر الثاني لدى الكاتبة: فهو الوتر النفسي والذي تحقق لديها عبر معرفتها الشخصية القريبة للكثيرات منهن، وقد ساعدتها تلك المعرفة الشخصية على مزج المنتج الأدبي بالإبداعي حتى ينطلق نور قلمها من بؤرة نفسية تمهد ،لمن تكون هذه الشخصية ؟
وكيف تفكر؟ ومدى معرفة الكاتبة بها وبعائلتها وكيف التقت الكاتبة بها مما يجعل القارئ لا يكتفي بقراءة النص الإبداعي أو معرفة اسم المبدعة فقط ،وإنما يشعر بصداقةٍ وتقربٍ وارتباطٍ بذلك القلم.
في رحاب اثنتين وعشرين كاتبة دلتاوية:
حرصت الكاتبة على التنوع في اختياراتها لإنتاج المبدعات من شعر وقصة ورواية ودراسات أدبية، والأجمل أن أكثرهن يمتلكن ناصية الإبداع فيجمعن بين أكثر من فن، لذلك تابعت الكاتبة إنتاجهن جيدا ذاكرة بعض المحطات الرئيسية في حياتهن وسيرهن الأدبية، كحصول بعضهن على الجوائز المصرية والعربية وتاريخهن الأدبي، كما ذيلت الكاتبة كلماتها ببعض الآراء والأقوال النقدية والدراسات التي عبر عنها النقاد والكتاب الكبار في تناولهم لإنتاج المبدعات، كرصد وتحليل وتوثيق لما يكتب، ثم تراقص قلم الكاتبة فاطمة الزهراء بشموخه الأنثوي في التعليق على كل هذا، فتراها تهيئ بمقدمة تفصيلية لحياة مبدعة إيمانا منها بضرورة ذلك، كقولها عن الشاعرة مريم توفيق ‘هي صديقتي التي أعرفها منذ عدة أعوام، هي أنثى تملك زمام الحرف العاشق الراقص على طبول الشوق في شراسة من يكاد يفقد المحبوب ‘مستشهدة بشعرها’ عواصف غدرك العاتي تحاصرني / وبعد الغدر تأتي كي تصالحني’وكذلك الشاعرة ميمي قدري التي تقول عنها ‘هي شخصية هادئة عندما تتحدث وتائهة عندما تبدع، متأججة، رومانسية’ وتذكر قولها ‘أتلوا تراتيل من اللهفة والحنين / اسكن بزهو كزهرة برية داخل شلال أعماقك الهادرة’ وتراها تسير بقلمها على دروب قصائد المبدعة لتعّبر عن رؤيتها لتلك الكلمات الساكنة في القصيدة لتخرج بعض الملامح المميزة لشعر هذه المبدعة ‘كقولها عن الشاعرة شيماء عزت’ شيماء تكتب مشاعرها التي ما زالت تقطر بالطزاجة كأنثى صغيرة بمشاعرها البكر وتسأل سؤال إجابته النفي ثم الخلاص بأنها تفارقه، فهو نبض القلب الذي يجعلها تعيش ‘على فين يا قلبي / يقولوا الناس خلاص فارقيه/ وشيلي م الفؤاد حبة وشوق لياليه /أفارقه إزاي؟وهو لقلبي دق النبض عايش بيه’ وأحيانا كثيرة تذكر الكاتبة تاريخ مناقشه هذا الديوان أو الرواية أو المجموعة القصصية وما دار بين الأدباء من إعجاب ثم تدخل هي عالم القصة أو الرواية بفكر ووعي لنلتقط خيوط الموهبة وتشدها ببعض الفقرات معلقة عليها لتحريك ذهن القارئ معها كما فعلت مع الكاتبة عبير المعداوي بماقشة رواية أحضان الشوك ‘روايتها نموذج إنساني، نمط فانتازي ،وتصوير بلاغي فهي كاتبة تجيد استخدام أدواتها جيدا. وتفتح الكاتبة المجال للنقاد الرجال حتى يُسمع صوتهم النقدي كضيوف لهم وزنهم النقدي بالإشادة بنصوص المبدعات وحرصا منها على عدم تواجد الرأي والصوت والتذوق الأنثوي الخالص، فاستضافت مثلا حديث الدكتور أمجد ريان عن الشاعرة أثناء مناقشته لديوانها الفيض يرمي لنا التسابيح ‘بأنها تهتم وتصغى للجانب التاريخي’ وتذكر حصولها على جائزة سعاد الصباح، وأيضا تطرح رؤية نقدية مقدمة من الكاتب حسام فاضل حشيش لديوان الشاعرة رشا الفوال ‘آيات العشق’، وأيضا تعرض الكاتبة فاطمة الزهراء مبدعات نقشن أسماءهن من خلال عملهن في إدارة مؤسسات ثقافية ساهمت في تفريغ المواهب الإقليمية، كذكرها لتجربة الكاتبة نجلاء محرم ودورها الثقافي المؤثر، وتفرد الكاتبة دراسة كاملة من دكتور حسين علي محمد يتناول فيها إحدى مسرحيات الكاتبة صفاء البيلي ‘مسرحية الشراك’،
لذلك يتجلى قلم فاطمة الزهراء حالما ،صارخا، ثائرا، مع كل مبدعة،فتراه يعيش مع أحزانها ويفرح مع تراقص كلماتها ويثورمع ثورتها وتنامي صورها الشعرية فعل هذا مع ‘أسماء عبد الفتاح، تقى المرسي، حرية سليمان، حنان فتحي داليا طاهر، دعاء زيادة، شيماء القصبي ،ميرفت العزوني ،هانم فضالي، هبة عبد الوهاب، جيهان سلام’.
تحية ياسين .. هي والمستحيل :
في لمحة هي الأوفى والأجمل والأروع، قدمت الكاتبة فاطمة الزهراء مبدعة تختلف عن كل ما سبق، قدمت الفطرة الأنثوية في ثوبها المبدع، قصة كاتبة لم تتعلم، لا تعرف القراءة فقط تعرف بالكاد أن تكتب، لكن صوت الإبداع يحركها بالفطرة، قدمتها الكاتبة بروح المحب بروح القناص الذي اصطاد صيدا ثمينا، فلك أن تتخيل أن سيدة فوق الستين تنتج بفيض كبير، نعم هي السيدة تحية ياسين كما وصفتها الكاتبة’أن الفرق بين تحية ياسين وبين زينب بطلة مسلسل هي والمستحيل للكاتبة فتحية العسال يكمن في أن زينب بدأت رحلتها شابة بينما تحية بدأت رحلة المستحيل بعد الستين’ ،وتحية كما ذكرتها الكاتبة تكتب القصة والمقال بشكل عجائبي ،وتعبر عن المرأة الريفية البسيطة، وتسرد حكايتها من خلال حوار على لسان تحية نفسها والتي تحتفظ في داخلها بعينٍ كالكاميرا، تلتقط كل ما هو جميل ومعبر، وحاولت الكاتبة أن تثبت أن المرأة المبدعة لا تجدها فقط في الصالونات أو الندوات، بل هي كذلك توجد هناك في أقصى جدران البيت في ريف مصر، لكنها تحتاج إلى الفرصة والتعليم والتسليط الإعلامي،وكلها عناصر إذا توفرت بعناية تنتج امرأة مبدعة بامتياز، كتاب مبدعات دلتاوية جهد كبير ‘رصد وتحقيق وسعي وتعليق ورؤية وأيضا انتصار وحب لإبداع المرأة، وهو قبل كل ذلك، رسالة من الشاعرة والكاتبة فاطمة الزهراء فلا إلى المجتمع بأكملها ‘بأن المرأة قادرة بإبداعها على احتواء العالم’.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية