المقارنة بين حرب لبنان الثانية وبين حرب الغفران تبدو في نظر الكثيرين من أبناء الجيل الذي قاتل في حرب الغفران كتدنيس للحرمات. ليس فقط بسبب الخسائر الفادحة في حرب الغفران وحقيقة أن وحدات كاملة قد أُبيدت في ذلك الحين، وانما ايضا لأن تلك الحرب كانت انتصارنا الأكبر بعد حرب الاستقلال.
هذه كانت حربا قام بها قائد لواء المظليين النظامي عوزي يئير الذي كان مثارا للاعجاب كقائد ومقاتل عن قيادة اللواء لانه لم يتمكن من تحمل كمية الخسائر التي شاهدها. الطيارون خاطروا بأرواحهم في مواجهة بطاريات الصواريخ المصرية حتي يساعدوا القوات البرية وطواقم الدبابات، والجنود في الخنادق قاتلوا بكل ما أوتوا من قوة، وقادة الألوية ظلوا يقودون جنودهم وهم موجودون في مقدمتهم.
من روحية تلك الايام بقي عزاء واحد: المقاتل الاسرائيلي ظل كما كان. الجندي والضابط الصغير في الاحتياط والقوات النظامية أبدوا نفس روحية التضحية مثل آبائهم. لم يتبق حجر علي حجر من كل ما تبقي ـ لا علي مستوي القيادة العليا ولا علي مستوي الحكم المدني.
المجتمع تغير، والجيش قد تغير معه ليتحول خلال ذلك الي شرطة كولونيالية استعمارية. وإلا، فكيف يمكن أن يكون الوضع غير ذلك؟ بطل تلك الحرب من اللحظة التي بدأت فيها كان رئيس هيئة الاركان دافيد اليعيزر(دادو)، سنوات طويلة تفصل بين دادو وبين دان حلوتس. كان علي نائبه يسرائيل طال أن يحشد فرق الاحتياط خلال ساعات وأن يدفعها الي الأمام علي جبهتين. هيئة الاركان لم تكن تملك اسبوعين حتي تتردد في معضلة استدعاء الاحتياط أو عدم استدعائه.
علي رأس الحكومة في تشرين الاول (اكتوبر) كانت امرأة صعبة المراس أدي رفضها لسماع الاصوات التي أطلقها المصريون الي تكبيدنا ثمنا فادحا جدا لا يمكن تحمله. إلا أنها لم تكن سخيفة هزلية. فهل يوجد تشابه بين سمو الروح وقوة العزيمة التي تحلت بها في ايام التصدي وبين الظروف الاباحية اللطيفة التي سادت في شهر تموز (يوليو) في مقر الحكومة والتساهل الذي رافق قرار إدخال الدولة في الحرب؟.
مع ذلك، كانت غولدا مائير سياسية ترغب في البقاء. لجنة التحقيق برئاسة أغرانت شكلت للدفاع عن الحكم. في هذا المفهوم وفيه وحده لم يكن اولمرت اسوأ من غولدا مائير. هي ايضا رغبت في التدخل في تشكيلة اللجنة وتحديد صلاحياتها. حاييم لاسلوف عين وفقا لطلب صريح من موشيه دايان، أما ايغال يادين فقد كان علي شفا الدخول في الحياة السياسية، ولم يقرر بعد الي أين سيتوجه. لذلك لم تقم اللجنة إلا بالتحقيق في ايام الحرب الاولي. اللجنة خرجت من خلال الافتراض بأن عليها ان تتحقق من ان نشر القوات قد تلائم مع خط حماية سيناء وعدم طرح السؤال الأساسي: أولم تكن الخطة كلها، والتي ارتكزت علي خط بارليف الخطوة الأكثر حماقة التي شهدها تاريخ اسرائيل العسكري؟ هامش الزمن المتاح للتحقيق اختصر حتي حده الأدني وتضمن ايام الحرب الاولي فقط. كل هذا من اجل تجنب الاستنتاج المطلوب بوجود علاقة سببية مباشرة بين التشبث بضفاف القناة بواسطة المعاقل وبين الاخفاقات والخسائر الفادحة التي حدثت في الايام الاولي. قرار الدفاع عن سيناء من خط بارليف كان بالفعل قرارا سياسيا من دون منطق عسكري.
رغم ان اولمرت قد تسبب بالهزيمة لاسرائيل، ولم يجلب لها النصر، إلا أنه رغم ذلك يسعي للحصول علي نفس النتيجة، ولكن من خلال طريقة عكسية وأكثر فظاظة. ليست هناك حاجة حتي للتصنع والتكلف في المجتمع الذي يعتبر فيه السياسي ناصعا مثل الثلج طالما لم يدخل بعد الي سجن معسياهو.
القضاة ومراقب الدولة اليوم خطيرون علي الحكم لانهم أكثر تشددا مع السياسيين بالمقارنة مع أسلافهم، لهذا السبب تحديدا هناك ضرورة لتشكيل سريع للجنة تحقيق رسمية. يحدونا الأمل أن يحدث ذلك اذا تدخلت محكمة العدل العليا فعلا في قادم الايام. تغيير نمط التحقيق ـ حتي وإن تم توسيعه حتي عام 2000 ـ سيصعب علي اولمرت القاء المسؤولية علي أسلافه ـ الذين كان بعضهم خصومه السياسيين ومن أشد منتقديه أو من الداعمين له كشارون ـ الذين لا يستطيعون الرد.
علي أية حال، علي لجنة فينوغراد أو علي لجنة التحقيق الرسمية اذا تشكلت ان تحقق في الحرب وأهدافها ونتائجها وادارتها، وان لا تغرق في الاحصائيات والغوص في السجلات. كما يتوجب علي اللجنة ان لا تتهرب من تحديد هوية المقصرين بصورة صريحة وان تشير للمسؤولين عن الهزيمة الأشد قسوة التي شهدناها في أي يوم من الايام.
زئيف شترنهالكاتب في الصحيفة(هآرتس) 8/10/2006