لا شك في أن أي بحث في الحرية كفكرة وممارسة، بل كأفكار وممارسات تشابهت واختلفت عبر التاريخ، يحتاج أعواماً لكي ينضج فهماً أولاً، وتصوراً قابلاً للسؤال عن صلاحيته للتطبيق ثانياً، بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، خاصة إذا كان المجتمع عربياً في القرن الواحد والعشرين، يصارع فيه الفرد لاستنشاق أي هواء يوهمه ولو للحظات بأنه ليس عبداً لأكثر من سيد يضيق عليه ويحول بينه وبين ما يود فعله لو انحلت عنه القيود، لكثرة القيود. قد لا يبدو إلا ترفاً ولو ضرورياً، كما أشرت في المقالة السابقة، التفكير في مفهوم الحرية، وجودياً مثلاً، أو التجادل حول نسبة الوهم فيه بالنظر إلى أن الإنسان لم يختر وجوده أو جسده أو جنسه أو معظم ظروفه. سارتر لن يفعل شيئاً إلا لمن تحرر ولو صدفة (وهم أقلية) من خرافات كثيرة، ولم تعد تنطلي عليه حيل الخطابات الأيديولوجية التي ترى في ‘العبودية’ حرية ما؛ حرية من الفوضى واللامعنى ومن حيوانية الجسد والسلوك، إذ يكون قد أدرك أن بإمكانه ‘التحرر’ من هذه الأسياد من غير الحاجة لأن يكون عبداً لأسياد أخرى تبعده غالباً عن المعرفة التي هي، من وجهة نظري، فعل الحرية الأوحد والأنبل. لذلك فإن هذا المقال وسواه لا يمثل أكثر من دعوة للبدء في التفكير، بعيداً عن الشعارات التي تغري بها كلمة ‘الحرية’، وقريباً من الإدراك العميق بأن الطريق إلى الفكرة والممارسة لا يزال طويلاً بحق. للعبودية منذ أول الفكر استعارة القيد، وهي على الأغلب مستعارة من القيد الحرفي الذي كان للعبيد. هي استعارة تحاول ترجمة الإحساس البشري حين يرغب الإنسان بحركة ما، جسدية أو لغوية أو ربما محض فكرية، ولا يستطيع. ليس الإنسان العربي غبياً متوحشاً حد أن يرغب بصدق ولو في خياله فقط، بأن يستغل حرية ما في إيذاء الآخرين، لكنه يعرف أيضاً أن ‘حرية الآخرين’ التي لقنها في المدرسة ليست في الغالب الأعم سوى محض كذبة كذبها الأسياد الذين لا شرعية لمعظمهم في أن يقيدوه، وليست الغاية منها أبداً التأكيد على فكرة التعايش أو احترام حق كل آخر في الوجود والتعبير. كما أن كراهيته للقيد مصدرها أنه لم يساهم في اختيار شيء من شكله، إذ إن معظم أشكال ‘العقد الاجتماعي’ العربية تنحاز للسلطة السياسية الحاكمة بطريقة مضحكة مبكية، ولمصالح الاستعمار الذي ساهم في وضع دساتيرها بعد أن رسم حدود الدولة كما شاء، كما تنحاز لسلطات دينية واجتماعية بل وذكورية بطريقة تثير أعلى درجات القهر والاستهجان عند من لديه تصور ولو بدهي عما هي الحدود الدنيا من الحرية المصونة في لائحة حقوق الإنسان وأولها: ‘يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق’. يكفي مثلاً أن في القوانين الأردنية ما يسقط العقوبة عن المغتصب في حال تزوج ضحيته، وما يخفف العقوبة عن مرتكب جريمة الشرف، وما يسمح بتعدد الزوجات، وما يمنع المرأة من منح الجنسية لأبنائها. بالتأكيد، إن أي تفكير حقيقي في الحرية لا ينفصل عن التفكير في مفاهيم كالدولة والقانون والنظام بشكل عام، ولا يمكن أن يقود إلى دعوة ساذجة للتمرد على كل شيء بلا التفكير في البديل. وربما يكون دوره المبدئي تفكيك شرعية الأسياد الكثر الذين جعلوا الإنسان العربي يحس كلما تحرك أو تكلم أو فكر بثقل سلاسل لن يتعلم أن يحبها لأن جلها لا يصب في مصلحته كما تصب في مصلحة المواطن الكثير من قيود القوانين في الدول الأخرى التي تعبت فِكراً إلى أن نضجت حياتها المدنية إلى حد مقبول، حيث يتنازل المواطن عن كثير من حريته الفردية ويحصل على مقابل ما. أما العربي، فهو يتنازل عن كل حريته ولا يجد في المقابل إلا المزيد من الفقر والقهر والظلم والجهل والإحساس بالاختناق. في المدرسة، لقنوه عبارة تبدأ بانتهاء الحرية ‘تنتهي حريتك عندما…’، ولأسباب سبق أن كتبت عنها هنا في ‘القدس العربي’، تقصدوا ألا يعرف الكواكبي صغيراً: ‘الحُرية أعز شيء على الإنسان بعد حياته، وبفقدانها تفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس، وتتعطل الشرائع، وتختل القوانين’. فكرياً، لا شرعية للخرافات بأن تتحكم في حرية العقل والتجربة والتعبير، كما أنه لا شرعية لحاكم ورث السلطة أو انتزعها بالقوة في التحكم بمن لم يختاروه، كما لا شرعية لأصحاب القوة العسكرية والاقتصادية في العالم التحكم في شكله ومصير من يقطنون فيه، كما لا شرعية لأي رجل أن يتحكم بامرأة فقط لأنها امرأة. لا شك في أن الإنسانة العربية مثقلة بقيود مضاعفة، مهما قيل عن تعليمها وعملها، إذ إنها لا تزال تعيش في مجتمعات مستعبدة لمفاهيم لن تصمد أمام أي محاكمة فكرية حقيقية لدقائق معدودة، ولذلك لا أرى أهمية كبيرة في الحديث عن حرية المرأة كموضوع منفصل، لأن كل استعبادها مصدره مجتمع لا يزال مستعبداً للجهل حد التلذذ بالدوران فيه وحوله من غير أن يجرؤ على التفكير بأصل المشكلة، كما لا يجرؤ الكثير من المثقفين والكتاب على الكتابة فيها بالطريقة التي يتحدثون فيها بينهم. وهكذا نبقى نلف وندور حول القصد من غير أن نقع فيه، مستعبدين للخوف من وقوع آخر، ولمصلحة وسائل الإعلام. شيء مدهش ولا يقبله ‘حر’ أن يكون أقصى ما يقال في وسائل الإعلام أمام موجة التكفير هو خطاب من داخل الأيديولوجيا ذاتها: ‘لا يجوز لمسلم أن يكفر آخر’، أو ‘هناك فرق بين كفر القول وكفر القائل’، إلى ذلك مما يفترض سلفاً وجهاً واحداً للحقيقة، خوفاً بل رعباً من أسياد كثيرة، لا يجرؤ أحد على طرح السؤال الأساسي بوجهه الدقيق. قبل أيام وجه أحدهم ‘هجوما’ على محمد حسنين هيكل لأسباب منها إلحاد مزعوم، واستخدمت وسائل إعلام كثيرة كلمة ‘تهمة’، من غير أن يجرؤ أحد على طرح السؤال البسيط مجرد طرح: هل هي حقا ‘تهمة’؟ حسب أي قانون ومن أقره ومن هو المخول ليحكم على أساسه؟ إن الدول التي لا تزال تتدخل في المعتقدات الميتافيزيقية لمواطنيها وتحاسبهم على أفكارهم لا يحق لها استخدام ألفاظ الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والمجتمع المدني في خطابها، إلا إذا كانت تعول على جهل المواطنين أنفسهم بطبائع الاستعباد. عودة إلى تقييد الحركة: لا شك في أن ‘السيد’ الأكبر الذي يقيد الإنسان في معظم المجتمعات العربية غير النفطية هو المال، أو الحاجة إليه. من يحتاجه هو مقيد أبداً كما قال روسو أو كما هو معروف، فهو بالكاد يستطيع التحرك، جسداً بل وفكراً، لأنه لا يستطيع إلا أن يفكر في قوته وعائلته على مدار الساعة وألا يتحرك إلا نحو المسافات التي ستحرره من هذا العبء. هو حتى في شخصه وكلامه وتعبيره عن نفسه مقيد بهذه الغاية، تماماً كما لو أنه في مقابلة عمل أبدية لا تنتهي. على أن الأزمة التي أراها بوضوح هي أن إحساسه العميق بالقيود والسلاسل لا يقوده أبداً إلى تفهم هذا الإحساس عند آخرين قيودهم مختلفة. من الطبيعي أن تجده يستبد بابنته شر استبداد ويقيد حركتها جسداً وتعبيراً وفكراً بلا تبكيت ضمير، بلا تعاطف مع إحساسها بالسلاسل الذي يفترض أنه يعرفه ولو على مستوى آخر، والأمثلة من تجربتي مع طالبات الجامعة لا تنتهي. الغريب أن مجتمعات بأكملها (ومنها نموذج الأب هذا) قد صفقت لنداءات الحرية على المستوى السياسي، لكنهم لا يجدون في معناها الاجتماعي إلا حيواناً هائجاً لا بد من ترويضه. كم مر علي من طالبات جامعيات جميلات العقل، مثقلات بقيود اقتصادية واجتماعية منعت كثيراً منهن من متابعة الدراسة أو اللحاق بفرص السفر فرضينَ بالحد الأدنى من الحياة؛ عملاً أو زواجاً كيفما اتفق عل قيداً ينحل من هنا وهناك. أسألهن كلما عدن للسلام إذا ما زلن يقرأن. لا نصيحة أقدمها سوى تلك أبداً. لماذا؟ لأن شكل الحرية الذي كان من الممكن أن يدفع بطاقاتهن الفكرية إلى أقصاها لم يتحقق، ولم يكن ليتحقق بلا أثمان مرتفعة لا يمكن لي التنظير حول جدوى دفعها من موقع مترف. لكنه لو تحقق، فإني لا أرى قيمة له إلا إذا غدا، في جزء منه، طريقاً معبدا للمزيد من البحث والمعرفة، إضافة بالطبع إلى ما يمكن وصفه بالمتعة لكنها وحدها لا شيء بلا تفكير ووعي. كنت قد قرأت مع الطالبات والطلاب في عدة فصول قصة ‘الرهان’ لتشيخوف. كان في سجن لخمسة عشر عاماً تعلم فيها وأدمن المعرفة فحررته من أشياء لم يكن يعرف أنها قيود أصلاً، وأولها جهله بالكثير الكثير. حررته من جسده ونزواته، لم يعد يريد مال الرهان، ووصل إلى أن احتقر الحرية كما يفهمها الناس: الحرية التي بلا حكمة وبلا معرفة ما أنتجته أفضل العقول. ‘هل ما زلت تقرأين’ أو ‘هل ما زلت تقرأ’؟ هو سؤال يروم اطمئناناً ولو كاذباً إلى أن الأسياد قد ينجحون في تقييد كل شيء، حد السجن، لكنهم لا يستطيعون منع الإنسان من أن يتعلم ويفكر، وهو آخر ما ينبغي التمسك به، أو ربما الفكر هو القيد الوحيد الجميل النبيل، الذي بإمكانه التحرر حتى من نفسه، وبإمكانه جعل الإنسان يحس بشيء من الحرية والكرامة ولو كان مستعبداً من ألف جهة أخرى. سيبدو في هذا الكلام الكثير من العجز والاستسلام بل والانهزام، على أن المسألة بخلاف ذلك تماماً. القليل الحقيقي من المعرفة قد يقود إلى المزيد من الشوق نحوها حد العشق، حد القوة لترجمة الفكرة فعلاً قادراً على كسر القيد رغم الألم والأثمان. هي حالة أكثر غموضاً من وصفي لها هذا: أعني العلاقة بين إرادة المعرفة والقوة. ولأن الأمر مرتبط بتجربة المعرفة تجربة شخصية هي وحدها التي ستكشف للإنسان عن شكل الحياة بلا أحزمة عفة على العقل، يصعب جدا إقناع أي بشر لم يجربها بجدواها، أو بالفكرة التالية المترفة: ان الإنسان وجد ليعرف، وهو يعرف لكي يكون، ولكي يقوى على كل قيد يقف في طريق هذا النوع من الوجود. يفهم ما أقول كل من نظر إلى نفسه في آخر نهار يشعر فيه بأنه لم يفعل أو يقل أو يفكر بشيء مما يريد، أو أحس بأنه كان مستعبداً لأنه ببساطة كان سواه. لكن طالما أن الأسياد الكثر لم ينجحوا في جعله لا يفكر، تبقى أشكال الحرية المتصورة بعد التفكير فيها ممكنة، جد ممكنة.