أحزاب الأولياء والأضرحة

حجم الخط
1

السياسيون ثلاثة أصناف: الأحياء والأموات، والذين يبحرون، فمن هم هؤلاء الذين يبحرون؟ هل يتعلق الأمر بمجموعة لم تنل نصيبها في السلطة؟ أم اولئك الذين يستثمرون من أجل الاستوزار؟ وكيف تحولت بعض الأحزاب إلى مجرد أوامر وطاعة؟
من البديهي أن العادة تولد اللامبالاة، والشاهد على ذلك أن جدلية السلطة والسياسة في المغرب أصبحت تخضع لبرهان الغاية تبرر الوسيلة، لأن بناء السلطة يتم بأدوات تقليدية: النسب، والمقدس، والثروة، فهناك عائلات حكمت المغرب بالوراثة وهناك أيضا فقهاء هيمنوا على الدولة، ثم يأتي دور الأثرياء من البدو الذين راكموا ثروات خيالية من خلال اقتصاد الريع، وفي ظل هذه البنية القابلة للانفجار يصبح قدر الشعب هو التيه السياسي، أو بالأحرى اللامبالاة، وهروبه من المسؤولية باعتباره مواطنا يجب عليه أن يبني دولته المدنية، لكن بأي معنى يمكن تفسير هذا الانشطار بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني؟ هل لأن الأحزاب عندنا تشيد مرجعيتها من الأولياء وتتحول إلى أضرحة تزار من أجل البركة؟ أم أنها عبارة عن نادي للأثرياء لكي يحموا أنفسهم من الأشقياء؟ وأين هي الأحزاب التي تشكل انعكاسا لوعي المجتمع؟.
من المظاهر السيئة للسلطة تحولها إلى تكنولوجيا لضبط المجتمع انطلاقا من تقنيات الدولة التي تحتكر شرعية استعمال العنف والتحريض على صراع القوى، وهذا مبدأ ميكيافيلي، يعتبر أن هذا الصراع يخدم مصلحة الأمير. هكذا تصبح هذه السلطة أداة للفوضى وإثارة الرعب، بدلا من نشر هيمنة التناغم والانسجام بين طبقات المجتمع. إنها سلطة موجهة إلى تدبير الأجساد بواسطة ضروريات الحياة، وليس إلى بناء روح الأمة فكريا وسياسيا وثقافيا، وزرع بذرة الثقة والاطمئنان في المجتمع، وبلورة مفهوم المجتمع المدني، من خلال فتح حوار الساحات العمومية، الذي سيقضي على سياسات الصالونات والكواليس. باعتبارها تبدع سياسة الانتخابات الفاسدة.
نعم إن الاستثمار في الآمال أهم من الاستثمار في اليأس، لأنه سيخترق المجتمع ويصيبه بمرض عضال، كما أنه سيخترق البنية السياسية الوسطوية، والإنتاج الاقتصادي ويفرض على السلطة الرضوخ لمنطق فعل مقابل فعل، توفير العيش البئيس مقابل الولاء لحكومة الفقهاء والأعيان، ويصبح المواطن عبارة عن بضاعة تبيع نفسها بغية العيش: فإلى أين يتجه هذا المجتمع الذي لا يميز بين الأحزاب السياسية والجماعات الموالية للسلطة؟ وبعبارة أخرى لماذا لا يكون المجتمع السياسي انعكاسا للمجتمع المدني؟ وما الذي يجعل هذا المجتمع السياسي مجرد وعي مغلوط للمجتمع المدني؟ وهل عندنا مجتمع مدني أم أنه مات مع براءة السياسة؟
البرهان على أن السلطة تخضع بدورها للتحول، أنها تساير اضطرابات المجتمع، لأنها تعتمد على نظرية القانون للدولة والتي تبني مصداقيتها على الفرد المتعاقد بواسطة الدستور، والجسد الاجتماعي انطلاقا من ميوله الإيديولوجية، ولذلك ليس هناك فرق بين رجل السلطة والإمام في المسجد، لأنهما معا يخدمان مصلحة السلطة من أجل أن تستثمر من تحكمهم وتتجلى من خلالهم، وبخاصة إذا كان تأثير الأحزاب والنقابات والجمعيات خافت وهامشي.
هكذا نستطيع أن نقول مع فوكو ‘بأن ارتباط السلطة بالسيادة جعلها تسعى إلى ترويض الفرد على الخضوع للهيمنة من خلال ثنائية العبد والسيد، الموت والحياة، أما السلطة في الديمقراطيات الحديثة، فإنها تقوم بضبط الجسد الاجتماعي انطلاقا من مفهوم المواطن وبسلطة المعرفة’. هكذا تحول الإنسان إلى مفهوم كلي يتمتع بالحق في الحق، حسب قوانين دولية واضحة في ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأهمها الحرية والكرامة، والاختلاف الفكري والعقائدي.
ولذلك أن الإنسان بما هو إنسان لا يمكن أن يشعر بالأمان ولا بالسعادة إلا إذا كان حرا يتمتع بكرامة العيش ويحتمي بالعدالة بل ويخضع لمنطق الحقوق والواجبات، لكي يصبح مواطنا كونيا، يعتز بانتمائه إلى وطنه وإلى أمته، وإلى الجنس البشري المتحضر. وليس إلى أمة تقتل بعضها البعض من أجل السلطة والمال. فهل هناك من مصدر آخر لإشكالية بناء الفكر السياسي وهرم السلطة غير أرواح الأموات والأضرحة؟ هل بإمكان هذه الأحزاب الهشة التي اخترقها الزمان ودمرها الوجود، أن تظل هي المهيمنة في التدبير؟ وإلى متى ستستمر سياسة الوراثة وأبناء الأعيان ولصوص المال العام تدبر مرحلة تعيش بالقرب من هوة الخطر؟
الشعب يريد دولة مدنية قوية، وإسقاط دولة الخرافة والأوهام، أو بالأحرى دولة عبيد اللذات.
د. عزيز الحدادي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية