شركة كوزا التين التركية هي مصلحة كبرى، من اكبر المصالح في الدولة، تعنى ضمن امور اخرى في تنجيم الذهب. في الاسبوع الماضي أمرت مديرية لواء ازمير الشركة بوقف التنجيم للذهب في واحد من خمسة المناجم الهامة لها بدعوى ان ليس لديها التراخيص اللازمة من وزارة جودة البيئة. وكان هذه حجة غريبة إذ ان لدى الشركة الوثائق والاذون المناسبة’ منذ العام 2011، ورخصة التنجيم لديها سارية المفعول حتى شباط 2014. ولكن السبب’ الحقيقي، بزعم ادارة الشركة، التي يترأسها اكين ايفك، ليست التراخيص وجودة البيئة، بل مواقف ايفك الانتقادية تجاه رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان. ايفك، مثل الكثير من ارباب المال الاتراك، يملك أيضا صحيفة ومحطة تلفزيون، امطرا اردوغان بوابل من التنديدات والانتقادات في اثناء المظاهرات في حديقة غازي في حزيران الماضي. اردوغان، حسب مصادر تحدثت مع الصحيفة التركية ‘زمان’، أمر في تموز بالبحث عن كل اصحاب الشركات الكبرى الذين ايدوا المتظاهرين والمظاهرات في محاولة للمس بهم اقتصاديا. هذا ليس نهجا جديدا فاردوغان جربه بنجاح من قبل في 2009 ضد الملياردير آيدين دوان، الذي كان صاحب مجموعة صحف ومحطات تلفزيونية انتقدت النظام. ووجد الادعاء العام التركي بان شركة دوان لم تبلغ عن مداخيل من صفقة بيع كبرى لشركة إكسل شبرينغل الالمانية، وسلطات الضريبة فرضت عليها غرامة واسترداد ضريبي بمبلغ 3.2 مليار دولار. واضطر دوان الى التخلي عن عدد من الشركات التي في ملكيته، بما فيها صحف هامة، من أجل دفع الغرامة الهائلة. يبدو أن ايفك هو الضحية التالي، وذلك لانه معروف كمن يؤيد حركة ‘هزمت’ (خدمة) التي تعمل تحت رعاية وتوجيهات المفكر الديني الاجتماعي فتح الله غولان، الخصم الايديولوجي لاردوغان، الذي يستقر في فيلادلفيا ويوجه مؤيديه من هناك. وسيتعين على ايفك ان يدير الان معركة مزدوجة، قانونية وجماهيرية ضد الحكومة، وذلك لانه الى جانب حجة عدم وجود التراخيص تنشر وسائل الاعلام المؤيدة للحكومة معلومات تقول ان شركة كوزا التين التابعة لايفك باعت الذهب لرضا زراب، رجل الاعمال الايراني الذي كان متورطا، حسب الاشتباه بدفع الرشوة لوزراء ومسؤولين في الاقتصاد التركي، ومعتقل الان بسبب هذه الشبهات. ولكن قضية الفساد التي تتفرع وتنشيء مشبوهين جدد صبح مساء، بدت تضرب بالاقتصاد التركي ايضا. فليست الليرة التركية فقط وصلت في نهاية الشهر الى الدرك الاسفل. بل ان التخوف في اوساط الاقتصاديين الاتراك هو أن يفضل المستثمرون الاجانب على الاقل في الفترة القريبة القادمة وقف استثماراتهم الى أن يتأكدوا من أن الشركات الكبرى التي عقدوا معها الصفقات لا ترتبط بقضية الفساد، وان المشاريع التي دفعوا نحوها الاموال سليمة وليست جزءا من قناة نقل الاموال القذرة. أحد الفروع الاهم التي قد تتضرر هو فرع البناء العام والخاص، الذي كان على مدى اكثر من عقد من الزمان المحرك الاقتصادي الذي ساهم في نمو الاقتصاد التركي. وحسب معطيات نشرتها صحيفة ‘حريات ديلي نيوز’، فان الاستثمار في البناء العام (طرق، جسور، مطارات وما شابه) كان 80 في المئة من عموم الاستثمارات الحكومية في 2003 2013. في تلك السنوات استثمرت الحكومة، بالتعاون مع شركات خاصة، نحو 53 مليار دولار في السنة في البناء فقط. بعض من تلك المشاريع ادارتها شراكة بين سلطة تنمية السكن وبين شركات خاصة. وعلى رأس السلطة كان حتى العام 2011 اردوغان بيرقطار، الذي كان حتى قبل نحو اسبوعين وزير شؤون البيئة، واضطر الى الاستقالة بامر من اردوغان بسبب الاشتباه بتورط ابنه في قضية الفساد. مع انكشاف القضية قد يحقق البرلمان والنيابة العامة بطبيعة الصفقات التي ادارتها الدولة مع الشركات الخاصة سواء في القطاع الخام ام في القطاع العام. احد المشاريع الكبرى التي قد تتضرر هو بناء مطار ثالث في اسطنبول، لان احدى الشركات التي’ حظيت بالعطاء لاقامته متورطة هي ايضا ، حسب الاشتباه، في قضية الفساد ويحتمل أن’ تكون هناك مشاريع اخرى مصابة بتجاوز القانون، ولا سيما قانون العطاءات ومن شأنها الان أن تتعرض للتحقيق. حكومة اردوغان، التي اقامت اساس شعبيتها على نمو اقتصادي كبير (5 في المئة بالمتوسط في العقد الاخير) وعلى تحسن كبير في المداخيل للفرد (التي تضاعفت تقريبا منذ 2002) بدت حتى الشهر الماضي عصية على الاصابة وعديمة الخصوم السياسيين ذوي الوزن. وأعد اردوغان لنفسه منذ الان سترة الرئاسة قبيل الانتخابات التي من المتوقع أن’ تجرى في حزيران 2014، وفي يده ملفا مثيرا للانطباع من النجاحات الاقتصادية. ولا تزال التوقعات الاقتصادية جيدة، وحسب تحليل المعطيات الاقتصادية في تركيا، رغم التضخم المالي الذي ارتفع بنحو 0.5 في المئة أكثر من التوقعات الرسمية (7.4 في المئة مقابل توقع 6.8 في المئة) فان الاقتصاد التركي بعيد عن الانهيار بسبب هذه القضية. التخوف هـو من الاثار السياسية التي ستأتي في اعقابها. اذا ما بدا اردوغان كهش وكمن لا ينجح في الخروج بكرامة من عقدة الفساد، فان مستثمرين محليين واجانب ايضا من شأنهم ان يرجئوا استثماراتهم الى ان يتبين بانه يوجد مسؤول مستقر ومتين في تركيا. فترة انتظار كهذه قد تكون حرجة لاقتصاد الدولة وضربات اردوغان للجهاز القضائي من شأنها فقط ان تقنع المستثمرين بان اغلاق انوفهم لن يزيل الرائحة الكريهة. ””” هآرتس 9/1/2014