ليست أزمة ‘سد النهضة’ الأثيوبي وليدة اليوم، ولم تأت من فراغ، أو تتصاعد بالصدفة في تلك المرحلة، ولكنها محصلة طبيعية لفشل السياسة الخارجية لمصر لعقود، وعدم اضطلاع دوائر الحكم المتعاقبة بدورها في تأمين المصالح المصرية، وأيضا لتراجعات متتالية للمكانة التي كانت تمثلها القاهرة في القارة السمراء، والعالم الثالث بأسره، واستغلال أديس أبابا الظرف الراهن الذي تمر به، ويجعلها مشتتة وعاجزة عن تحديد أولوياتها بدقة، وإمكانية خوض معارك شرسة، أو بالأحرى مواجهة تحديات صعبة على صعيد الخارج. والقضية على ما يبدو ليست صراعا مائيا فقط، وإنما أيضا صراع إرادات ونفوذ، ومحاولة تبادل مواقع بين دولة كانت مركزية في محيطها الإقليمي، وأخرى كنت هامشية، دولة استطاعت قيادتها أن تستغل علاقتها بالقوى الكبرى في تعظيم دورها، والحصول على مكاسب وأدوات قوة، ودولة أكتفت قيادتها بتبعية مذلة تخصم من رصيدها، ولا تضيف إليه أي شيء. وما يجري للأسف ليس سوى أحد التجليات لضعف مصر وانحسار دورها الإقليمي وحجم تأثيرها في محيطها العربي والأفريقي منذ حقبة السادات وحتى اللحظة، حيث فك الارتباط المتعسف، وترك مجالها الحيوي، والتخلي عن دور القيادة وعن المسؤولية التاريخية تجاه العرب والأفارقة، والقبول بوضع لا يتناسب مع حجم الدور والمكانة، والدوران في فلك الغرب والخضوع للاملاءات الأمريكية والصهيونية، رغم الشعارات الجوفاء والتغني بواقع لا أثر له على الأرض، بشأن الزعامة واستقلالية القرار الوطني، وتحول التحالفات الخارجية. ومن النظريات المتعارف عليها في الجغرافيا السياسية، ويتجاهلها صانع القرار المصري، بقصد أو بجهل، نظرية’المجال الحيوي’، التي كانت تركز على التوسع بالغزو العسكري، ثم تطورت للتمدد السياسي والاقتصادي والثقافي، وكيف يعظم ذلك القيمة الإستراتيجية للدولة، ويخلق لها حدودا سياسية أبعد بكثير من حدودها الجغرافية، وبالطبع يصنع لها ثقلا استراتيجيا، ويحقق لها مكاسب اقتصادية وتأثيرا ثقافيا، لكن حين تنكفئ الدول على نفسها تتقزم وتكون قدرتها على حماية مصالحها، بل وحدودها محدود للغاية، وهو ما نحصد نتائجه الآن، منذ توريط السادات لمصر في اتفاقية العار المسماة بـ’كامب ديفيد’ وتراجع مصر إلى حدودها الضيقة، وارتمائها في أحضان أعدائها الرئيسيين واشنطن وتل أبيب. وإذا كان محمد على وابناه إبراهيم وإسماعيل قد وصلوا بحدود مصر إلى منابع النيل جنوبا، وإلى تخوم العراق والجزيرة العربية شرقا، وأوروبا الشرقية شمالا، بآلة الحرب والغزو، فان الزعيم عبد الناصر وصل إلى كل دول العالم الثالث، وفي القلب منه العالم العربي وإفريقيا بالزعامة السياسية والنموذج الثوري الملهم، والإشعاع الحضاري، ودعم حركات التحرر الوطني ومواجهة الامبريالية والصهيونية، محددا بدقة دوائر حركة الدبلوماسية المصرية، وأولوياتها، وكيفية الاستثمار بعيد المدى في علاقات تحقق مصالح مصر الإستراتيجية، وتحمي أمنها الوطني بكافة أبعاده، غير أن’كامب ديفيد’ المشئومة وتوجهات السادات الانهزامية التي صنعت ‘تركة الفساد والاستبداد والتبعية’ لاتزال قائمة، ويتشبث بها كل من يحكم مصر، وهي ما أضاعت كل هذه المكتسبات، وحرمت مصر من حصاد ما غرسه عبد الناصر، وأعادتنا إلى وضعية مؤسفة أشبه بتداعيات الهزيمة والاستسلام والاستحقاقات التي وردت في معاهدة لندن 1840، ولذا لا نستغرب من صلف وتحدي أثيوبيا لنا، حيث بعد أن تقزم دور مصر وانكفأت علي نفسها دخلت إلى مرحلة الهزال، وبات الجميع يتعامل معها باعتبارها ‘رجل أفريقيا والعرب المريض’ الذي لا يمكنه اعتلاء مقعد القيادة مجددا، أو أن يكون له صوت مسموع، بل قد يتطاول عليه الآخرون الذين كانوا ذات يوم يحسبون حسابه، ويخشون بأسه، فإذا هو الآن يستجدي الآخرين، في ظل عدم القدرة على حماية مصالحه أو التحرر من سياسات التبعية والافقار. وبعد أن كان لمصر كامل السيطرة على إفريقيا، ولا يستطيع أي احد أن يدخل إليها دون الإذن المصري، صارت أديس أبابا هي الوكيل الأمريكي الصهيوني الموثوق فيه في شرق أفريقيا التي تتولي ضبط إيقاع الأمور وتتدخل في الصراعات وتدير المفاوضات في كل الأزمات التي تنشب. والمؤسف أننا حتى لم نستفد حتى من التبعية الأمريكية في جعل واشنطن تتدخل للجم أثيوبيا وتهديداتها للأمن المائي المصري، ولا دول الخليج التي تمول مشاريع ضخمة في هذا البلد الإفريقي إرضاء لحليف أمريكا والكيان الصهيوني الذي يثبت أقدامه بقوة، على حساب دولة بقيمة مصر. وفي الوقت الذي يهلل الإعلام وحملات التعبئة الجماهيرية والتسويق التي تقف وراءها شبكات المصالح الفاسدة ل’القائد الضرورة’ حسب وصف هيكل، صاحب مقولة ‘مصر قد الدنيا.. وهتبقى أم الدنيا’، نجد مصر تتلقى ضربات موجعة، في التعامل مع كارثة بحجم ‘سد النهضة’ يتم التعاطي معها بشكل اعتيادي وبآليات ثبت فشلها، وليست تلك القضية المصيرية في سلم الأولويات، وإنما كل الجهد مكرس لحسم الجنرالات صراعهم على السلطة والثروة مع الإخوان، وأيضا تجاهل تام لكل أشكال المخاطر التي تهدد مصر، ومن بينها صراع جنوب السودان الدموي، وعدم لعب دور محوري لاحتواء هذا الصراع الذي يهدد المصالح المصرية في حديقتها الخلفية، وفي القلب منها الأمن المائي، ونجد أن من تتدخل هي أثيوبيا، مثلما تدخلت من قبل في صراع شمال وجنوب السودان الذي انتهى بالتقسيم، ونحن نتفرج أو نبارك في النهاية لإرضاء واشنطن، سيرا على نهج الديكتاتور العجوز مبارك، ومن قبله السادات وسياستهما الخارجية الفاشلة التي تنال من مصالح مصر العليا. نعم، مصر في خطر حقيقي، ومصدره ليس فقط صراع الإخوان والجنرالات على السلطة والثروة، وإنما التهديد كذلك خارجي، وأعنى بذلك ما تقوم به أثيوبيا حاليا من استغلال الوضع الداخلي المصري المهترئ، وأجواء الانقسام والاستقطاب، في فرض أمر واقع بالقوة، واستهلاك الوقت في مفاوضات تلو مفاوضات تتسم بعدم الجدية، وغياب الرؤية والإرادة، وسط المناورة الإثيوبية والنهج الصهيوني في التفاوض، لشراء الوقت، حتى يتم تمرير ‘سد النهضة’ الذي يجري العمل فيه، فعليا، على قدم وساق، ودون انتظار لنتائج التفاوض أو مراعاة لمخاوف شركاء النهر، وانتقاداتهم الموضوعية، أو الحقوق التاريخية لهم، والاستحقاقات التي تكفلها القوانين والمعاهدات الدولية، والهدف واضح بالطبع، وهو الوصول إلى محطة نقف فيها عاجزين عن تغير الواقع الجديد الذي سيدفع ثمنه المصريون من فقر مائي، قد يتطور إلى عجز عن توفير مياه الشرب والزراعة، وبالتبعية الكهرباء، خاصة مع الزيادة المطردة لعدد السكان، وإمكانية تعرض حصة مصر الحالية للنقصان مع المتغير الجديد. وهذه الوضعية الحرجة، مسئولية، بشكل رئيس، كل الحكومات المتعاقبة ما بعد ‘انتفاضة يناير’، حيث حدث تجاهل للتطورات في بناء ‘سد النهضة’ خلال حكم المجلس العسكري، وعدم تقدير خطورة الموقف لدى حكومة الإخوان، ثم السيسي، وانتقال السودان حاليا من معسكر الشريك في التفاوض مع مصر إلى معسكر الوسيط بين القاهرة وأديس أبابا أو الحليف للأخيرة، بعد نجاح الجانب الإثيوبي في استقطابه وإعطائه تطمينات على مكاسب عديدة، نقطة تحول خطيرة، وتعني ببساطة فشل عملية التفاوض المتواصلة منذ مدة طويلة، وعدم كفاءة المتفاوضين، ولاشك أنه مؤشر خطر على الأمن المائي المصري إزاء الإصرار الإثيوبي المدعوم دوليا بل وعربيا، وحديث متهافت من الحكومة المصرية عن أن الأمور على ما يرام ، وأن ‘سد النهضة’ ليس خطرا، وإظهار الضعف أمام أديس أبابا، بذات خطاب الإخوان والمعالجة الهزيلة اللذين تعرضا لحملة هجوم واسعة، بينما يغض الإعلام والمثقفون والخبراء الطرف عن استمرار نفس السياسة الفاشلة في تأمين حصة مصر المائية، ويتم التطرق للقضية بحرص وعلى استحياء، وليس بذات درجة التأجيج السابقة، حتى لا ينال إظهار مثل هذه الإخفاقات من شعبية السيسي، ويصب في صالح الإخوان، حتى لو ذهب الوطن والمواطن للجحيم. ومن يعود إلى بدايات بناء ‘سد النهضة’ والتعبئة الإعلامية للجماهير نحو الخطر الداهم على مصر إزاء الفشل في إدارة هذا الملف من قبل حكومة الإخوان، والصمت المريب حاليا، رغم تشابه الأداء، وعدم إحداث أي اختراقات في هذه القضية المصيرية، يكتشف أن إثارة القضية بهذا الشكل التعبوي كانت بمثابة’ حق يراد به باطل’ وأن ثمة أجندة مصالح كانت تحرك مثل هذه الحملات، ومحاولة فقط للنيل من سلطة الإخوان وإضعافهم، أما الآن فتوجيه النقد للسلطة الحالية بزعامة السيسي ‘خط أحمر’، فيما الوضع السيئ على ما هو عليه، ولا يوجد تقدير، حتى اللحظة، لخطورة الموقف، ولا إستراتيجية حقيقية لمواجهة هذا التحدي، واستخدام كل أوراق القوة المتاحة، حتى لو وصل الأمر إلى استخدام القوة المسلحة. ولاشك أن ترك الملف بيد وزارة الري وحدها، دون تشكيل ‘لجنة أزمة وطنية’ تعمل على مدار الساعة، يشرف عليها مجلس الدفاع الوطني، تضم كل الجهات المعنية، بما في ذلك الدفاع والاستخبارات والري والخارجية، وخبراء متخصصون في المياه وأفريقيا وشخصيات عامة وقانونيون ودبلوماسيون متقاعدون على علاقة وثيقة بالملف الأفريقي، يجعلنا نهدر الوقت، ولا نتعاطى بالجدية المطلوبة إزاء هذه المخاطر التي تتطلب العمل على أكثر من محور، ووضع كل البدائل على الطاولة، وإشعار أثيوبيا بأن لدى مصر مصادر قوة، وقدرة على حماية مصالحها، والتلويح بتهديد مصالح الدول التي تدعم أثيوبيا أو تساهم في تمويل السد، على النحو الذي يردع جموح وغرور هذه الدولة التي باتت تتجاهل قيمة ومكانة أكبر دولة في القارة السمراء، وصاحبة التاريخ الطويل فيه.