‘ ‘ ‘
لا شك أن قدرة داعش المذهلة على فرض ما تعتقد به على الآخرين بالقوة مخيفة، لكن الذي يبعث على الرعب بدرجة أكبر ربما هو الطريقة التي أصبح السوريون يسيرون بها، وكأنهم لم يقوموا بثورة ليصبحوا أحرارا، ليحرروا عقولهم وحياتهم .. لا أحد اليوم يكلف نفسه ليشرح للسوريين ما يفعل أو ما يجري، يكتفي الجميع بترديد نفس حجج الديكتاتورية وإن بأشكال مختلفة أي اتهام الآخرين، شيطنة الخصم، مخاطبة الغرائز، ترميم وتكريس ثقافة القطيع، هذا إن عنى شيئا فهو أن كل هؤلاء يتساوون مع النظام في نظرته للسوريين العاديين، على أنهم رعايا عليهم أن يصدقوا ما يقال لهم، عليهم في نهاية المطاف أن يخضعوا .. إذا صدقنا أن داعش ما هي إلا صنيعة للنظام، وربما أيضا قوى أخرى أطلق النظام سراح قادتها في بداية الثورة، فهذا يعني ببساطة أن النظام يقاتل نفسه، وأن كل هذا الموت والخراب مجرد مسرحية يخرجها النظام .. بعد أن ‘أيد’ البعض أو الكثير سادة كأردوغان أو مرسي ضد شعوبهم بدعوى ‘حرية السوريين’ وبحجة أنهم لم يقصفوا شعوبهم بالبراميل أو بالكيماوي، بعد أن أصبح واضحا أن المثال الذي يستخدمه هؤلاء للمقارنة هو ديكتاتور كبشار الأسد، وأضيفت إليه اليوم داعش عند البعض. لنا أن نتخيل كيف ينظر هؤلاء إلى السوريين العاديين .. تعامل الكثيرون، في المعارضة السورية والقوى الإقليمية والدولية الكارهة للأسد، مع داعش على أنها شر لا بد منه، نحن أيضا، تعاملنا مع كل ظواهر مؤسسات الثورة وانفصالها عن الناس على أنها شر لا بد منه للخلاص من هذا النظام .. من الواضح اليوم أن تلك القوى الإقليمية والدولية قد قررت التخلص من داعش، لأسبابها الخاصة، واتضح أيضا أن شيطنة داعش مفيدة ليس فقط لنظام الأسد، بل أيضا للمعارضة السورية وخاصة للإسلاميين ‘المعتدلين’، مرة أخرى وتماما كما فعل النظام طوال عقود، ستكون ملاحقتهم لداعش أحد أهم ‘منجزاتهم’ وستستخدم داعش كبعبع لتخويف السوريين من الحرية ولتبرير القمع، قمع السوريين العاديين أساسا، تماما كما فعل النظام مع كل هؤلاء لعقود .. لكن بعيداعن هذيان الاتهامات الذي يرافق جنون الرصاص والقذائف، فإن الصراع الحقيقي هو على السلطة، على احتكار العنف ضد أي مخالف، على احتكار القدرة على فرض إرادة قلة ما على السوريين، احتكار القدرة على استعبادهم.
مازن كم الماز