رفقا ببنات الثورة كلها

ربما لاحظ قارئي العزيز غياب حديثي منذ وقت في هذه المقالات عن ‘فضائيتنا الغنية عن التعريف’، وعرف عنّي بلا شكّ أنّي اعتمدت في ‘إلصاق’ هذا اللقب على القناة المعنية بأسلوب ‘فكاهة التكرار’ النابع من المسرح الفرنسي أصلا. وإذا كان اسلوب فكاهة التكرار يغنينا عن تسمية القناة باسمها نظرا ـ أكرر لغناها عن التعريف ـ فلن يسلم في هذه السطور أداء مذيعي ‘فضائيتنا’ في بعض المقابلات من عملية تسمية الأشياء بأسمائها، والأشياء سنسميها هنا بأسمائها مستعينين بكلمة وددنا لو سقطت نهائيا من معجمنا ـ ولكن يبدو أن الطريق لا يزال طويلا ـ وهي كلمة انحياز.
ظهرت في نهاية هذا الأسبوع، في نشرة المساء، على شاشة فضائيتنا الغنية عن التعريف، ضيفة مألوفة على القناة ومشاهديها، الناشطة المصرية مها أبوبكر، عضو المكتب التنفيذي لجبهة الإنقاذ المصرية، وعضو الاحتياط في لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصري. لن أعود إلى مضمون المقابلة الذي أعربت فيها الأستاذة مها عن وجهة نظرها إزاء السؤال عن تورط جهة معينة في أعمال جارية في مصر، كما لن نعود إلى مساعي المذيع الظافرة في جر ضيفته إلى إلصاق ـ تقريبا ـ تهمة الإرهاب بجهة معينة إيفاء بأسلوب ‘المقابلة القوية ‘المنخرطة في مخطط رام إلى حشد الجماهير عبر التهريج والتطبيل والمغالاة تطبيقا لنهج القناة.
فالحدث’ الإعلامي الموصوف اعلاه، لا يعدو في النهاية كونه عنصرا إضافيا من عناصر روتينية معروفة في طرح الأسئلة مارستها انا أيضا في البرنامج الجيوسياسي الذي قدمته على مر خمس سنوات، طريقة السؤال المباشر الذي يتوقع منه ردا فوريا من الضيف يتحاشى فيه اللف والدوران، وفي حالة تخييب أمل المذيع في أول محاولة يعاد طرح السؤال بصيغة مختلفة ثانيا وثالثا ورابعا إن اقتضت ‘الضرورة،’ فغالبا ما يغدو الضيف ‘محشورا في الزاوية، وإذا به يأتيك بالجواب الذي كنت تكافح من اجله.
ولكن هنا كانت الضيفة بعيدة كل البعد عن السير عشوائيا باتجاه نقطة ‘الحشر في الزاوية’، وقناعتنا أن المذيع استبق هو أيضا جوابا شبه فوري على سؤاله. فلا الضيفة، رغم حداثة سنها، بمبتدئة في مجال الرد على اسئلة المقابلات ولا المذيع، رغم حداثة سنه، في بداية مسيرته الإعلامية.
ولا أنا، لوسمحتم، ورغم حداثة سني أيضا، في بداية التعاطي مع المادة الإعلامية وتفكيك محتوياتها. فدعوني أعبر عن دهشتي من مجرى نهاية المقابلة. فلئن كان الجزء الأول منها، أأعجبتك الصيغة أم لا، جرى في ظروف يمكن اعتبارها مهنية، تحولت النهاية إلى تقييم متواصل من المذيع لردود ضيفته. وكأن أستاذا انبرى لتأنيب طالبة على جواب غير الجواب الذي كان ينتظره، لترتفع حدة النقاش إلى ذروتها عندما نطق المذيع بهذه الجملة :
كنت أتمنى أن تكوني أكثر جرأة وأكثر شجاعة.
كانت المقابلة تدور إجمالا بشكل منفعل، هذا صحيح ـ ولكن وفق معايير من الانفعال مألوفة بالرجوع إلى نمط القناة ـ لدرجة أنني أوشكت على أن أغطّ في نوم عميق أمام الشاشة لكثرة تأقلمي مع النمط ذاته، غير أن الجملة شدّتني شدّا فأرجعتني إلى يقظة الطفل الكسول الذي تفيقه أمه من سباته لأن وقت الواجبات المنزلية قد حان.
وواجب التعبير عن موقفي كان قد حان أيضا، فمنذ متى يقيّم الصحافيون أداء ضيوفهم في المقابلات في حضرتهم مباشرة على الهواء؟ منذ متى يحاكم الطابع المقنع أوغير المقنع للأجوبة أمام الملأ مع خطورة ما يتضمن هذا الكلام من تسويق لنمط تفكير جاهز قد يستوعبه الرأي العام، من دون سبق غربلة ولا تمييز؟ معاذ الله أن يكون الأمر قد نّفذ عمدا، فنحن نستبعد ذلك كليا من قناة نعتبرها محترمة.. ونستبعده أيضا من مذيع نكن له كل التقدير وفرحنا بصعوده إلى النجومية لأدائه الإعلامي المتميز الذي ورثه ابنا عن أب: فقد كنا ممن أطربهم أبوه في شبابنا بصوته الإذاعي المتميز ـ أبوه الذي سررنا بالتعرف عليه في فرنسا أيضا ـ وهو يقدم نشرة الأخبار في دار البريهي المغربية التي لعبت دورا بارزا في تعليمنا اللغة العربية.
فلا يبقى لنا إلا أن نعتبر أن الرأي الشخصي أخذ محل الموضوعية خطأ لحمية النقاش، ولكن تقدير الأداء والأشخاص لا يمنع من طرح الأسئلة، أليس المصري هو الذي يحق له أولا وأخيرا تقييم أحداث 25 يناير وصانعيها بالطريقة التي يراها الأنسب؟ أم أنّ لشريحة معينة من الإعلاميين والتيارات السياسية حصرية القرار في توصيف هذا اليوم المشهود في مصر الألفية الثالثة بالثورة؟ أليس لناشطة لا تمثل الحكومة في نهاية المطاف حق التعبير عن اختلاف في وجهة النظر مع احد أعضائها في وصف 25 يناير، وإن كانت تشعر بالتقارب مع حكومته فكرا ونهجا؟
لعل المذيع لم يعجبه ـ أو بالأحرى لعله قصد رجع صدى شريحة من المشاهدين لم يعجبهم ـ أن تعتبر مها نفسها من صانعات الثورة ـ ولكن ليس من صلاحيات المذيع أن يرجع صدى رأي طرف من الأطراف، اللهمّ الا إذا سبق كلامه بعبارة ‘هناك من يرى’ أو ما جاورها، وهو الذي لم يحصل.
يحق لمها كما يحق لغيرها ممن نزلن إلى الشارع المصري أن يعتبرن أنفسهن من صانعات الثورة. والكلمة النهائية في أمر تقييم الحس الثوري يعود فعلا إلى الشعب المصري، لا إلى الصحافيين.
أما عن توصيف جهة معينة بالإرهابية، وهي النقطة التي خلقت في الواقع هذه الزوبعة المصغرة، فينبغي أن يؤخذ كما ينبغي، تعبير حر عن موقف حر، في مؤسسة إعلامية ورثت مبدأ الرأي والرأي الآخر، فلا رأي ـ أيا كان ـ ينبغي له في تقديرنا أن تدفع عليه ضريبة التقييم على الهواء لأن التقييم في هذه الحالة هو الذي يصبح غير مقنع، إن لم نقل قليل الجرأة.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية