صورة جمالية رائعة يرسمها الفنان التشكيلي العالمي المغربي شفيق الزكاري، وهو الكاتب والناقد التشكيلي و استاذ لفن السيريغرافيا، عندما حل ضيفا عزيزا على الثانوية التأهيلية عبد الكريم الخطابي بمدينة المحمدية العريقة، مدينة الإبداع والفن والزهور، لتكتمل معالم تلك اللوحة العميقة والتي من خلالها قدم الأستاذ شفيق الزكاري مداخلته الجميلة.
افتتح الدكتور والسوسيولوجي المغربي ناصر السوسي المحاضرة بثنائه ومدحه للفنان وهو الذي يعرف عمق هذا الرجل ومكانته في نفوس أهل الفن، ثم قدم الكلمة للباحث في علم النفس المرضي الأستاذ هشام العفو وهو مدرب في التنمية الذاتية وأستاذ الفكر الاسلامي والفلسفة إضافة إلى تخصصه في علم النفس المرضي، حيث قام الأستاذ بإبراز العلاقة التي تجمع الفن بالتحليل النفسي بدءا بأعمال فرويد وأقطاب التحليل النفسي ومستشهدا بتحليلاته لأعمال شكسبير، دافنتشي، دوستويفسكي، مايكل أنجلو، هوميروس، جوته وغيرهم، مبرزا دور الفن في إغناء الجانب الشخصي القوي لدى الإنسان وأثره العميق على صورة الذات ودلالاتها الرمزية والتصويرية الجمالية، ثم تحدث المحلل عن ذاتية الفنان ورؤيته للعالم ولنفسه، حيث يعكس أفكاره بطريقة صامتة بشكل يتخذ طابع التسامي والتجرد من عوائق الإبداع والنظرة الإيجابية للحياة والقيم الإنسانية المشتركة، ومن هنا أكد المحلل على أن عملية الإبداع تقتضي الانصهار التام في نماذج متعالية من الفكر وفلسفة الوجود وعلم الجماليات… وفي ختام مداخلته أبرز المحلل هشام العفو الدور الهام الذي يلعبه الفن كتقنية علاجية لحالات العصاب والاكتئاب وغيرهما.
مباشرة سيربط الدكتور ناصر السوسي بين العالمين الرفيعين، التحليل النفسي والفن الأصيل والرفيع ليترك الفنان شفيق الزكاري يدخلنا في دروب لوحاته وقراءاته العميقة، التي جابت بنا رحاب الفن وطعم الإبداع بلغة جديدة لا يتقنها إلا القليل، مبديا مواقفه الصامتة بعرضه لشريط فيديو رفقة أربعة فنانات إسبانيات في تجربة عميقة وفريدة من نوعها في المغرب والعالم العربي، وإن فرقت بينهم لغة الهوية والحرف، فقد جمعت بينهم لغة التجسيد والفن والكون، ليشتركوا في رسالة فنية إنسانية وحضارية ترفض رسائل الاستبداد وتدعو للسلم العالمي، وتخرج الجسد من صلابته وتجرده من خشونته، لتجعل منه منبر تواصل عالمي وتوحد حدسي ومشاعري رفيع، حيث أكدت لوحتهم أن الفن التشكيلي هو لغة التواصل بامتياز، مع ما هو حضاري وكوني مشترك، وهو ثقافة وتفاعل بين المجتمعات الإنسانية لأنه جسر عظيم يربطنا بالآخر.
عنوان اللوحة ‘عشر أياد’ لأربع فنانات تشكيليات من جامعة فالينسيا الإسبانية وفنان تشكيلي مغربي، وهو ذاته الفنان شفيق الزكاري، ويدخل هذا العمل في إطار عمل مشترك ضمن تبادل ثقافي بين المغرب وإسبانيا، عمد فيها الفريق إلى إعطاء نموذج تشكيلي نادر يعتمد على التجهيزlinstallation، أما عن تجربته الصباغية، فإن اللوحات التي يبدعها الفنان، تظل تتميز – من الناحية التيماتية – بشخوص من طينة أخرى ومن الأشياء التي تمنح شخوص الفنان الزكاري الحيوية المفترضة، تحكمه في التقنية التعبيرية ومعرفته الجيدة بأسرار المواد والأصباغ والحوامل، أضف إلى ذلك إدماجه للصور في بنية العمل الفني بأسلوب جمالي حداثي ومنفتح تلعب فيه الشاشة الحريرية دورا مهما ومركزيا، وقد تمكن الزكاري خلال إقامته بالديار الإسبانية من نسج علاقات مهمة مع تشكيليين إسبان، رسامين ونحاتين، افتتنوا بفنه وإبداعه كما تبرهن ذلك المعارض المشتركة التي جمعته وإياهم خلال أكثر من مناسبة سجلت عودته القوية لتيمة الجسد في أبعاده التعبيرية والرمزية مع إضافة أساسية، هي أن المبدع شفيق الزكاري يعد من أبرز الفنانين المغاربة المتخصصين في فنون الطباعة والنسخ الفني، ولاسيما الطباعة الحريرية (السيريغرافيا) والحفر ببعض أجناسه التعبيرية، وقد جسد الفنان في هذه المحاضرة جانبا من مهاراته الكبيرة للحاضرين من طلبة وأساتذة لم يخفوا ذهولهم وشدة انجذابهم لأعماله الاحترافية، والتي أكد من خلالها الحاضرون استغرابهم لتجاهل المنابر الإعلامية لهذا الفن الراقي، ومثل هؤلاء الفنانين المغمورين، وتعويضهم بآخرين مزيفين أو كما أطلق عليهم أحد الحاضرين ‘سماسرة الفن’، إضافة إلى الصراحة التي يتميز بها الفنان القدير، حينما جعل نفسه كتابا مفتوحا واضعا تجربته الفنية أمام الجميع، وتحفظه على جعل الفن التشكيلي ساحة للاستغلال والمتاجرة، أو محطة يمر عليها كل من هب ودب من خارج أهل التخصص والموهبة، الأمر الذي دفع العديد من الحاضرين إلى طرح بعض التساؤلات الجوهرية والعميقة حول دور وزارة الثقافة في دعم مثل هذه الأعمال وكذا الجامعات المغربية، في إشارة إلى عدم وجود أي تجاوب من الجامعات لمثل هذه المبادرات الفنية، وقد زاد الحاضرون من إسئلتهم الموجهة للفنان الذي تحول إلى كاتب وناقد، له إلمام كبير بالفن والأدب وكتابات مفكرين وفلاسفة وأعمال بعض الروائيين الكبار، مؤكدا أنه يستوحي أعماله الفنية من بين سطور هؤلاء المفكرين، التي يعتبرها مراجع أدبية ومصادر إلهام له ولإنتاجاته الفنية، ومن هذا الجسر كان مرور الفنان إلى ضفة العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي، مؤكدا على اندماجهما في بورتريهات متعددة، من حيث تداخل الأجناس والشخوص وكذا ذاتية الشاعر والفنان.
ختم اللقاء الفني والأدبي الرفيع، حينما عبر الحاضرون من طلبة وأساتذة عن إعجابهم بالروح الثقافية الفنية والنظر التشكيلي، الذي يتفرد به أهل الموهبة، ومؤكدين على ضرورة اعتبار الفن التشكيلي قاطرة الثقافة في التواصل بين الحضارات وبعث رسائل السلم والأمان بين الأمم، وهذا ما يتجلى في لوحات الفنان شفيق الزكاري، الذي عرف فيه الكل صدقه وحبه للإنسان الكوني، الذي يحب الآخر دون نبذه أو إقصائه، وهي الرسالة التي توحد من خلالها الحاضرون مع الفنان و أكدوا عبرها على دور الفن التشكيلي في تحقيق السلام والحب كرسائل حضارية وقيم جمالية وكونية عالمية.
*استاذ الفكر الاسلامي والفلسفة باحث في علم النفس المرضي ـ المحمدية