‘الخال فانيا’ على مسرحين باريسيين: قوة تشيخوف في جعل الحياة تأخذ مجراها الطبيعي رغم امتزاجها بالفشل

حجم الخط
0

يعيش الخال فانيا في الريف، مع والدته وأبنة أخيه وبعض الأصدقاء. وخلال صيف حار جدا، يصل صهره وزوجته الشابة الجديدة، فتتغير حياتهم اليومية فجأة، وتنقلب رأسا على عقب، حيث كل واحد منهم يترك نفسه عرضة للانفجار والتصريح عن جزء من حقيقته، وخيبة أمله، ورغباته الخفية. وفي النهاية، إننا أمام نوع من أنواع التشظي العاطفي والنفسي المفاجئ الذي يخلق مناخا من التراجيدية والكوميدية معا، والفوضى العارمة التي تدعي الحياة … إن المسرحية تجرد شخصياتها إلى أقصى الحدود، وتركز على لعب الممثلين الذين يجعلون من هذه الدراما وشرطها الانساني، تعيش وتتنفس. حيث يقال فيها تقريبا كل شيء: الشكوك، والضحك، والخوف، وعطش الحب الذي لا يرتوي، والشعور بالخسارة المؤلمة، والحزن الرزين، والغضب الذي ينفجر في بعض الاحيان.
في هذه المسرحية، هناك بساطة جذرية وأساسية، وعمل كبير واشتغال رائع وعنيد على نفض غبار الروح، الذي هو الألم، في أحسن أحواله. وفي هذين العرضين المسرحيين اللذين نحن بصدد الحديث عنهما، هنالك مسرح مسكون بناسه بشكل مستمر، ونابض بالحياة، وغالبا ما يكون مثيرا للضحك حيث يلعب الممثلون أدوارهم فيه بحيوية فائقة، ويكادون أن يكونوا جميعهم على حافة الغضب ومحاولات التمرد.
عرضان يسلطان الضوء على قوة تشيخوف
يمكن للمرء أن يذهب مرتين لمشاهدة مسرحية ‘الخال فانيا’ لتشيخوف، في باريس. في مسرح ‘أمونديه’، نانتير، من إخراج ألن فرانسون، وفي مسرح ‘إستوديو فورت’ من إخراج كريستيان بينيدت.
لسنا في صدد المقارنة بينهما، لكننا لاحظنا ان هناك بعض الأفكار يلتقي حولهما العرضان. نجد، على سبيل المثال، أن الشخصية الأكثر قوة، والأكثر إثارة للاهتمام والأكثر جاذبية، هي شخصية الطبيب ميكائيل لفوفيتش أستروف: ربما لأنها تبدو لنا الأكثر قربا ومعاصرة من باقي الشخصيات الأخرى. وهذا يرجع على الأرجح أولا، الى اعتماد العرضين على ترجمة واحدة لكل من أندريه ماركوفيتش وفرانسون مورفان. ثانيا، الى تصوير المخرجين لهذه الشخصية، بأنها مشمئزة من مهنتها، ومن نفسها، ومن الآخرين، ومن البيئة أيضا. لقد اعتدنا على رؤية هذه الشخصية دائما في الكثير من العروض، منضوية، وكثيرة المونولوجات الداخلية، وهذا ما يظهر لنا واضحا وأكثر ثباتا ونشاطا في إخراج ‘ كريستيان بينيدت’، الذي لعب الدور نفسه. علما أن شخصية إيفان بتروفيتش (الخال فانيا)، تعيش هي أيضا خيبة أمل، وتعاني من الاشمئزاز والتذمر والتعب من العمل. أي أن هاتين الشخصيتين تكادان أن تتشابها، ليس فحسب في هذه المواصفات وإنما في حبهما أيضا للمرأة نفسها (إيلينا)، التي تنجذب أكثر إلى شخصية الطبيب استروف، الذي تجده أكثر حياة.

هذا ما نلاحظه بشكل واضح في عرض مسرح ألن فرانسون، لأن شخصية ‘ الخال فانيا’ تظهر في هذا العرض شبيهة تقريبا بشخصيات دوستويفسكي، الفضفاضة قليلا، والمهرجة، والخالية من الأناقة، ولا يمكن إلاّ أن تكون مربكة.
هناك اختلاف وتعارض بين العملين، بدءا من الزمان والمكان. إن نص تشيخوف من إخراج ‘ ألن فرانسون’ في مسرح نانتير، استمر ساعتين ونصف ساعة، دارت احداثه فوق خشبة مسرح كبيرة جدا، في حين أن عمل ‘ كريستيان بينيدت’، قدِّم في ستوديو مسرحي صغير، بل يكاد أن يكون أصغر مرتين من خشبة مسرح نانتير، واستمر ساعة ونصف ساعة. إن سبب هذا الاختلاف الكبير بين العرضين يعود بالدرجة الأولى إلى الإيقاع، وليس الى الحذف مثلما يمكن أن نعتقد. تناول احد المخرجين العرض كما لو انه في سباق للمسافات الطويلة، في حين أن الثاني تناوله كما لو أنه في حلبة ملاكمة. لكن بما أن العرضيين كانا ناجحين، فإن المواجهة تأخذ هنا منحا صعبا للغاية. وبقدر ما تبدو مناقشتهما مثمرة، تبدو نهايتهما طويلة جدا، لذا سنختصر قدر ما يمكن. وقد نكره عرضا ونحب آخر، وهذا ما يترك المجال للقول، إن العملين يكمل أحدهما الآخر اكثر مما يتعارضان. فشخصية الخال فانيا في عرض ‘إستوديو فورت’، بدت خشنة، في حين طغى عليها الحزن في عرض نانتير، وهذا يعني أن كليهما يلخص بالتساوي عوالم تشيخوف.
كان عرض المخرج ‘ بينيدت’ ذا كفاءة مثالية عالية، وبدا الممثلون فيه كما لو انهم في تمرين مسرحي، الغاية منه مراجعة النص والتركيز على سلامة الإلقاء، هذا بالإضافة إلى أن شخصية ‘أستروف’ الطبيب تحاول إغواء إيلينا، الزوجة الثانية للبروفسور سيبرياكوف، وارغامها على حبه. بدت لنا هذه الشخصية في هذا العرض هي الرئيسية، وقد صوّرها المخرج ‘بينيدت’، مثل حيوان في قفص، يتعذب من كثرة وضوحه، في حين ان عرض ‘ألن فرانسون’ في نانتير، جعل من شخصية ‘الخال فانيا’ هي الشخصية الرئيسية وليس شخصية ‘استروف’. وقد صورها المخرج، مثل دب عجوز محبط عاطفيا. في كلا العرضين يبدو أن توزيع الادوار كان غير متساو، لكن سرعة الإلقاء في عرض ‘كريستيان بينيدت’ قللت من هذا الضعف الظاهر، وجعل النص يكون أكثر فهما،وولّد لدينا احساساً بأنه لا يمكن أن يحدث شيء بين الطبيب استروف وإيلينا، وربما يعود هذا الى خلو العرض من القوة التي وجدناها في العروض الكثيرة التي قدمها ‘ألن فرانسون’ لأعمال تشيخوف، مثل: ‘ايفانوف’، ‘بستان الكرز’، و’الاخوات الثلاث’، خصوصاً. لكن على الرغم من ذلك، يمكننا أن نشعر بكل ما يمكن أن يجسد المناخات والمنعطفات التشيخوفية: الفراغ، والحزن والفقر والأنانية لشخصية ‘سيبرياكوف’ التي أداها الممثل ‘اندري ماركوف’.
تعتبر مسرحية ‘الخال فانيا’ من اهم المسرحيات الطويلة الأربع التي كتبها القاص والمسرحي الروسي ‘انطوان تشيخوف’ إلى جانب مسرحياته الثلاث المعروفة، ‘طائر النورس’، ‘بستان الكرز’، و’الاخوات الثلاث’. عرضت ‘الخال فانيا’ في موسكو للمرة الأولى في 25 تشرين الأول 1889، بتوقيع المنظّر والمخرج المسرحي ستانيسلافسكي. وعلى الرغم مما قيل عنها وفيها، فهي تصلح لأن تقدَّم في كل زمان ومكان، لاحتوائها على نماذج بشرية رديئة وعظيمة.
يقول تشيخوف إن مسرحياته مثيرة للضحك ومسلية أكثر مما نظن أو نعتقد، وهذا ما ينطبق من دون شك، على شخصية ‘الخال فانيا’. هذه الميزة الكوميدية يمكن ان نعثر عليها بشكل افضل في عرض ‘كريستيان بينيدت’، مثلما يمكن أن نجدها كذلك في عرض نانتير، وخصوصا في المشهد الذي يطلق فيه ‘الخال فانيا’ الرصاص على ‘سيبرياكوف’، الذي ظل بدوره، غير مبال ولم يخف من هذا الذي يركض وراءه وفي يده مسدس، ربما لأنه لم يفهم ماذا يحدث من حوله، أو ربما لأنه قد حصّن نفسه بشكل كاف من أي شعور خارجي.
إن اللحظات الكوميدية في المسرحية، موجودة من أجل جعل بقية الاحداث اكثر رهبة وتوترا، من دون الحاجة إلى الانتحار كما في ‘طائر النورس، و’بستان الكرز’، ونشوب حريق في ‘الاخوات الثلاث’. لقد أخذت الحياة في عرضي ‘الخال فانيا’، مجراها الطبيعي على الرغم من امتزاجها بالشعور بالفشل.وقد ساعد بطء الإيقاع كثيرا على الإحساس بذلك.
باختصار شديد، نخرج بعد مشاهدتنا عرض ‘كريستيان بينيدت’ ونحن متأثرون جدا وواقعون تحت سحر شخصياته، وهذا ما نشعر به ايضا وبشكل طويل في عرض نانتيرلألن فرانسون.
ناقد عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية