خمسون عاماً علي حرب السويس (3 من 3)
إيدن وبلير خاضا حربين خاسرتين في المنطقة تحت ذريعة الارهاب والديكتاتورية وتهديد المصالح الغربيةايزنهاور كان آخر من يعلم فقد انتقم من بريطانيا واسرائيل.. وازمة السويس جعلت امريكا اللاعب الرئيسي في المنطقةخمسون عاماً علي حرب السويس (3 من 3)رياض نجيب الريس ہكيف أخفي إيدن عن وزرائه تواطؤ الحربوكيف خبّأ بلير عن نوابه تقارير المخابراتبعد نصف قرن ما زال المصريون والعرب يتذكرون العدوان الثلاثي علي قناة السويس، الذي قامت به القوتان الاستعماريتان في ذلك العصر: بريطانيا وفرنسا، بالتحالف مع إسرائيل وبتحريض منها، وكان ثاني أقصر نزاع عسكري في تاريخ الشرق الأوسط الحديث (كان النزاع الأقصر حرب حزيران ـ يونيو 1967 فيما بعد). ومع أنه ترك أبشع طعم بالمرارة في ذاكرته، فقد ترك لمصر في الوقت نفسه، أمجاداً وطنية وبطولات رائعة أعادت لذلك الشعب الكثير من الكرامة التي كان قد فقدها في سنوات سابقة من الحكم الملكي والوصاية الاستعمارية البريطانية. كان ذلك نتيجة لمؤامرة حرب فاشلة، وكانت بداية أفول الكولونيالية القديمة.غزت بريطانيا دولة عربية كان يحكمها رجل وصفه رئيس وزرائها بأنه ديكتاتور يشبه هتلر. هذا الرجل كان يدعم الإرهاب، بقدر ما كان يهدد المصالح الحيوية الغربية في الشرق الأوسط. كان ذلك قبل نصف قرن تماماً، عندما قام أنتوني إيدن بالرد علي قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. هذا العمل يشبه تماماً ما فعله خليفته توني بلير، بعد خمسين سنة، بغزوه دولة عربية أخري، هي العراق بتهم مماثلة. في مصر عبد الناصر قامت بريطانيا بغزو مصر من دون علم ودعم أمريكا. في عراق صدام حسين قامت بريطانيا بغزو العراق تحت جناح أمريكا وبموافقتها. وكانت الحجج الاتهامية للغزو مماثلة لكلا البلدين: الديكتاتورية، تهديد المصالح الغربية، الإرهاب. يا لها من مفارقةكان إيدن، الذي خدم في حكومة ونستون تشرشل وزيراً لخارجية بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، يشبّه عبد الناصر دائماً بهتلر، كما كان يفعل غيره من زعماء بريطانيا (هيو غيتسكيل زعيم حزب العمال مثلاً). كان إيدن ورفاقه من الجيل الذي عرف وعاني من هتلر في ألمانيا النازية وموسوليني في إيطاليا الفاشية، إلاّ أن بلير الذي ينتمي إلي حقبة أخري من التاريخ، استعار بعد نحو خمسة عقود، هتلر من خزانة الأشباح في متحف إيدن ليقارنه بصدام حسين عندما غزا العراق.كان إيدن يصف للرئيس الأمريكي أيزنهاور الوضع في البلاد عند بدء أزمة السويس، بأنه مقلق وأنه أشد خطراً علي البلاد منذ عام 1940 . كان إيدن لا يطيق أن يتذكر عار ميونيخ ، عندما هادنت حكومة بريطانيا بزعامة نيفيل تشامبرلين، النازيين، في لقاء مع هتلر في ميونيخ في منتصف الثلاثينيات، مما اضطر إيدن للاستقالة منها في عام 1938. وأدّت هذه المهادنة إلي توسع هتلر في شرق أوروبا، وإلي الحرب العالمية الثانية، التي تلت ذلك. وإذا ببلير، بعد نحو خمسين سنة، يستعير من خزانة إيدن مجدداً شبح عار ميونيخ ، ليقول قبل أيام من غزو العراق إن بريطانيا ستواجه كابوساً مرعباً لا تستطيع تحمله إذا هادنت صدام حسين. يا للمقارنة!وخضع بلير، كما خضع إيدن من قبله، إلي قراءة مغلوطة للتاريخ، عادة ما تصيب القادة السياسيين في أوقات الأزمات. ونتيجة لهذه القراءة المغلوطة أصرّا علي الاستمرار بمغامراتهما العسكرية. أخفي كل من إيدن وبلير عن زملائهما في الحكومة، حقيقة ما كان يعد له ويجري في كل من مصر والعراق. إيدن أخفي عن وزرائه تواطؤه مع فرنسا وإسرائيل في العمليات العسكرية ضد مصر لإسقاط نظام عبد الناصر، وبلير أخفي عن وزرائه وعن نواب حزبه ما كان قد اتفق عليه مسبقاً بصفته الشخصية مع الرئيس الأمريكي جورج بوش، بأنه سيشارك مع القوات الأمريكية في غزو العراق، من قبل أن يستشير زملاءه ومضللاً مجلس العموم. وكما إيدن، كما بلير، أقنعا نفسيهما بالاعتماد علي معلومات استخباراتية ملعوب فيها غير موثقة وغير مقنعة.كانت الآراء في أوساط الحكومة البريطانية في هوايتهول أن غزو مصر كان خطأ، لا مبرر قانونياً له. يضاف إلي ذلك خديعة التواطؤ التي لم تكن معروفة عند الغزو في حينه. وهذا مما سبب مزيداً من القلق والتجاذب في تلك الأوساط، إضافة إلي التعتيم الذي كان قد فرضه إيدن علي السياسيين وكبار المسؤولين الحكوميين، إلي درجة أن وزارة الخارجية البريطانية كانت شبه معطلة في أحرج الأوقات. وكان هارولد بيلي، كبير الديبلوماسيين في وزارة الخارجية وأول سفير لبريطانيا في مصر بعد عودة العلاقات عند انتهاء أزمة السويس، يقول: إن مجرد الفكرة باتخاذ قرار بهذه الخطورة والأهمية (أي غزو مصر) من دون الاستعانة بآراء محامين في القانون الدولي، وخبراء في شؤون الشرق الأوسط، كان أمراً فظيعاً وغير عادي . ويقول دونالد لوغان، سكرتير سلوين لويد الذي حضر اجتماعات سيفر السرية، إن إيدن كان يعقد الاجتماعات مع مجموعة صغيرة محيطة به من دون تسجيل أي محاضر. وكانت هذه المجموعة المحيطة بإيدن كلها تؤمن بأن عبد الناصر هو هتلر آخر يجب إيقافه. وسيقت اتهامات مماثلة ضد بلير في بدء الحرب علي العراق من قبل اللورد بتلر، المسؤول الحكومي الذي كُلّف التحقيق في صحة تقارير المخابرات البريطانية عن العراق، التي كانت تقدم لبلير.وللمقارنة مجدداً، اصطدمت حكومة بلير بهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) في عام 2003، كما اصطدمت بها حكومة إيدن في عام 1956. وفي كلتا الحالتين حاولت الحكومة الضغط علي الإذاعة البريطانية لوقف تغطية الأخبار والتعليقات والأحاديث المنتقدة لسياسة الحكومة. وحاولت إصدار قانون يعطل استقلالية الإذاعة، لكنها فشلت كسابقتها من قبل. وكان لورد مونتباتن، أمير البحر وقائد البحرية البريطانية السابق، وابن عم إليزابيت، ملكة بريطانيا (الذي اغتاله جيش التحرير الإيرلندي في السبعينيات) يقول تعليقاً علي حرب السويس في عام 1956 لا يمكنك محاربة الأفكار بواسطة الجيوش والسلاح . كذلك كان اللورد بويس، رئيس هيئة أركان الحرب البريطانية يبدي قلقه علناً في معرض تعليقه علي حرب العراق في عام 2003، لعدم شرعية الغزو البريطاني للعراق والفشل التام في الاستعداد لما ستؤدي إليه نتائج هذه الحرب. وإذا كانت كل من حرب السويس وحرب العراق قد أدتا إلي إشكالات ضخمة في الرأي عام المحلي والعالمي، فقد أدّتا أيضاً إلي انقلاب خطير في عالم المخابرات وجمع المعلومات. فالمخابرات البريطانية (MI6) اصطدمت بشخص مديرها عندما طلب إيدن منه السعي إلي إسقاط عبد الناصر ونظامه. وكذلك اصطدم بلير بعد نصف قرن بالمخابرات البريطانية ذاتها عندما طلب منها تأكيد وجود أسلحة دمار شامل في العراق. ونتيجة للأزمتين، ازداد التواصل والتقارب والتنسيق مع المخابرات الأمريكية.قبل خمسين سنة كانت واشنطن تعارض التدخل العسكري، وهذا ما علّم الحكومة البريطانية درساً. وعندما خلف هارولد مكميلان أنتوني إيدن في رئاسة الوزراء، قاد بريطانيا إلي علاقات ثنائية خاصة مع أمريكا وحلف دفاعي واضح مشترك. وعندما جاء توني بلير إلي الحكم، وأزف موعد حرب العراق، استغل بلير هذه العلاقة من دون أي تساؤل أو تردد، للدخول علي حصان أبيض مع واشنطن إلي بغداد.تاريخ ما نسيه الناسبين المشهد السياسي الأولوالمشهد العسكري الأخير!كيف كان المشهد السياسي قبل أزمة السويس وخلالها وبعدها؟في مصر ، كان البريطانيون قد أصبحوا مكروهين إلي درجة كبيرة بسبب تصرفاتهم العنصرية الرعناء، حتي إن ونستون تشرشل، الاستعماري الأول ورجل الامبراطورية (الذي استقال في عام 1951 وسلّم الحكومة إلي أنتوني إيدن) أخذ يشعر في عام 1951 بأنه لم يعد من الممكن مقاومة المدّ الوطني المعادي للاستعمار، عندما تكوّنت مقاومة مصرية مسلحة أخذت تهاجم القوات البريطانية ومعسكراتها في منطقة قناة السويس. وما إن مرّت أربع سنوات علي قيام الثورة المصرية، حتي كانت القوات البريطانية قد جلت عن منطقة القناة وعموم مصر في حزيران (يونيو) من عام 1956. وعلي الرغم من ذلك لم تتحسن العلاقات المصرية ـ البريطانية. من جهة ثانية، كان جمال عبد الناصر مهموماً بتدبير تمويل بناء السد العالي بعدما سحبت الولايات المتحدة يدها منه. وبينما كان موضوع السد أساسياً في مشروعات عبد الناصر لتحديث مصر، كان رأي جون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأمريكي، أن مشروع السد سيشكل عبئاً مالياً كبيراً علي اقتصاد مصر لا تستطيع تحمله.كانت هذه صورة الأوضاع قبل الحرب، أما بعدها فتغيّرت الصورة كلياً. خرج عبد الناصر من أزمة السويس منتصراً أساسياً. قبل الحرب كان نظامه يواجه معارضة عنيفة داخل مصر، من الاخوان المسلمين ومن الشيوعيين إلي جانب الطبقة السياسية الحاكمة في العهد الملكي، وغيرها من التنظيمات الصغيرة المعارضة الأخري. بعد الحرب سقطت هذه المعارضات كلها لأنه أصبح البطل الوطني الذي استطاع أن يشد الأسد البريطاني من ذيله . واتسعت شعبيته في العالم العربي كله. وأصبح رائد القومية العربية وأسد العروبة وبطل حركات التحرير في العالم الثالث.ودفع انتصار السويس عبد الناصر إلي خوض مغامرات عدة، بدءاً بالوحدة بين مصر وسورية وإرسال قوات عسكرية مصرية إلي اليمن لدعم ثورة الجمهوريين هناك ضد الملكيين، وإرسال قوات إلي الكويت للتصدي لتهديدات عبد الكريم قاسم بضم الكويت إلي العراق، وقوات أخري إلي الكونغو لدعم ثورة لومومبا. وساقه نجاح تأميم القناة إلي تأميم الصناعة في مصر والاستيلاء علي الشركات الكبري. وألهمت سياسات ومواقــف عبد الناصر هذه العديد من الزعماء العرب الذين قاموا بتقليد زعامته ومؤسسات حكمه، من التأميم إلي المخابرات. ولم يوقف صعود عبد الناصر ونجاحاته إلا هزيمة حرب 1967 أمام إسرائيل، فانقلبت الأوضاع، وخفّ وهج الناصرية، إنما بقي هو في الذاكرة العربية إلي اليوم. لكن النصر الذي حققه عبد الناصر في السويس لم يكن وليد عبقرية رجل عربي فذ، بقدر ما كان أيضاً سوء إدارة تدخّل قوي أوروبية كبري هرمت ولم تعرف كيف تقرأ متغيرات التاريخ في الشرق الأوسط.في بريطانيافي بريطانيا ، كان المجتمع إبان أزمة السويس منقسماً علي نفسه في عام 1956 انقساماً لم يشهده من قبل في قضية تتعلق بالسياسة الخارجية. وعاد هذا الانقسام وتكرر في عام 2003 في قضية غزو العراق. كان العالم في عام 1956، يختلف كلياً، بل جذرياً، عما صاره بعد خمسين سنة. كانت ذكريات الحرب العالمية الثانية ما زالت ماثلة للأذهان، والمستعمرات البريطانية العديدة لم تنتفض كلها بعد، وحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا ما زالت طرية العود، ما عدا الهند، التي لم يكن بعد قد مرّ علي استقلالها عشر سنوات. كان هناك شعور “رباني” لدي معظم البريطانيين بأن لبريطانيا حقاً في خيرات مستعمراتها. كان البريطانيون لا يثقون بعبد الناصر. لذلك سحبت بريطانيا عرضها المشاركة في تمويل السد العالي، بتشجيع من دالاس الذي اقترح أن يموله الروس الذين كانوا ينتظرون هذه الفرصة إذا انسحب الغرب. إلا أن بريطانيا لم تحسب حساب رد فعل عبد الناصر الفوري، وهو تأميم قناة السويس، لاستخدام مداخيل القناة في بناء السد، واستبدال هذه المداخيل عوضاً عن القرض الأمريكي ـ البريطاني الموعود.وأدركت بريطانيا بعد الحرب أنه لا يمكنها أن تقوم بعد الآن بأي عمل حربي من دون دعم أمريكا وموافقتها. وكانت حرب جزر الفوكلاند ضد الأرجنتين التي شنتها مارغريت تاتشر رئيسة الحكومة البريطانية في عام 1982، بدعم من الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، نوعاً من الانتقام لحرب السويس قبل 26 سنة. وعندما أزف موعد غزو العراق، لم يكن أمام توني بلير إلاّ اللحاق بجورج بوش. وسيبقي كل سياسي بريطاني بعده لاعباً ثانوياً يلهث وراء اللاعب الأمريكي.في فرنسافي فرنسا كان المشهد مختلفاً. فردود الفعل الفرنسية كانت عنيفة أيضاً، إنما لأسباب مختلفة. أولها أن لفرنسا حصة أساسية في شركة قناة السويس التي كان مركزها الرئيسي باريس، ويديرها فرنسيون من الإسماعيلية. ثانيها، أن فرنسا كانت تخوض حرباً استعمارية صعبة في الجزائر، بعد استعمار دام 130 سنة، وأن حكومة غي موليه الاشتراكية كانت مصممة علي القضاء علي الثورة الجزائرية هناك، بزعامة جبهة التحرير الوطنية الجزائرية بكل ما تملك الجمهورية الرابعة من قوة. وبلغ عدد القوات الفرنسية التي كانت تحارب في الجزائر في صيف 1956، 400 ألف عسكري. وكان عبد الناصر يدعم ثورة الجزائر بالمال والسلاح والخبرات. لذلك كان الفرنسيون، كالبريطانيين، راغبين في التخلص من عبد الناصر. ومن هنا بدأ التنسيق العسكري بين بريطانيا وفرنسا لإعداد خطة لغزو مصر عن طريق القناة. عندما توقف القتال، استنتجت فرنسا دروساً واضحة، أهمها أنها لا يمكنها الاعتماد علي بريطانيا أبداً لأن بريطانيا “جحودة”، علي الرغم من كونها أكبر قوة أوروبية في حينه. كما أدركت فرنسا أيضاً أن بريطانيا تضع “العلاقات الخاصة” التي تربطها بأمريكا، فوق كل المصالح الأوروبية. أما أمريكا بالنسبة إلي فرنسا، فهي بلد مزعج بضخامته وغير جدير بالثقة. لذلك كان علي فرنسا أن تتطلع إلي أمكنة أخري بحثاً عن حلفاء موثوقين. وهذا النوع من الحلفاء لا يتوفر بسهولة. لذلك أبعدت فرنسا بريطانيا التي كانت تصفها بأنها “حصان طروادة الأمريكي” عن “معاهدة روما” التي وقعت في عام 1957، بعد عام واحد من أزمة السويس. وبقيت لندن معزولة عن أوروبا حتي عام 1973، عندما وضعت قدمها داخل الاتحاد الأوروبي. ولم يكن مستغرباً عندما جاء عام 2003، أن تؤدي فرنسا في حرب العراق دور أمريكا في حرب السويس عام 1956 ، وإن لم يكن جاك شيراك في قوة دوايت أيزنهاور في إيقاف الحرب بالضربة القاضية.في الولايات المتحدةفي الولايات المتحدة، كان للمشهد منحي آخر. فقد قابلت إدارة أيزنهاور الاستعدادات البريطانية ـ الفرنسية بشيء من الاستخفاف والتردد، وخاصة أن أمريكا كانت منذ بدء أزمة السويس تعارض استعمال القوة العسكرية لحلفائها ضد مصر. وكان محط اهتمام أيزنهاور انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، إذ كان مرشحاً لها لدورة ثانية، وكان يطمح إلي الفوز فيها كــ رئيس سلام . وكان أيزنهاور يعلم علم اليقين أن الناخبين الأمريكيين لن يصوتوا له إذا أخذهم إلي مغامرة حرب خارجية لا مصلحة أميركية فيها، وحيث يمكن أن يقتل فيها جنود أميركيون. وكان أيزنهاور أيضاً من رعيل الجيل الأمريكي الذي نشأ بحكم تربيته في أجواء معادية للاستعمار التي كانت منتشرة في ثقافة أمريكا في مطلع القرن العشرين، ومعادية لمؤسسات الاستعمار بعدما تحررت هي في حرب استقلالها من الاستعمار البريطاني. ومن الأسباب الأخري لموقف أيزنهاور، خوفه من انتشار الحرب الباردة الجديدة في بلدان العالم العربي وآسيا وأفريقيا إذا استمرت بريطانيا وفرنسا بتهديد مصر، وبالتالي دفعهم نحو المعسكر الشيوعي. لذلك، عمد أيزنهاور ودالاس إلي إلهاء الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا وفرنسا بالطبع، بدعوتها إلي عدد من المؤتمرات حول أزمة السويس التي لا طائل تحتها، وتحت مسميات عديدة، في محاولة لإضاعة الوقت وسحب البساط من تحت بريطانيا وفرنسا لتأخير القيام بعمل عسكري. وعطلت مناورات الديبلوماسية الأمريكية من اندفاع الحرب عند وقوعها. وكان أيزنهاور قد صُدم عندما بلغه أن إيدن لا يريد فقط أن يستعيد القناة ويلغي حالة التأميم، بل يريد أيضاً القضاء علي عبد الناصر وإسقاط نظامه. وطرحت في الذهن الأمريكي ـ ربما للمرة الأولي ـ فكرة تغيير الأنظمة في العالم الثالث.عندما وقعت الحرب كان أيزنهاور آخر من يعلم بتواطؤ بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل. وشعر بأن هناك مَنْ خانه بين حلفائه. وعلّق أمام مساعديه بقوله: إنني لم أرَ قوي عظمي تفشل بهذا الشكل في أمر كهذا . وقرر أيزنهاور أن يضع حداً لهذا العمل. وضربت أمريكا ضربتها موجهة إياها إلي اقتصاد بريطانيا الضعيف وعملتها المهزوزة في حينه، عندما منعت واشنطن صندوق النقد الدولي من إعطاء قرض مستعجل إلي بريطانيا، ما لم توقف الأخيرة التدخل العسكري فوراً ضد مصر وتستدعِ قواتها من السويس. فما كان من بريطانيا، وهي تواجه إفلاس خزانتها وانهيار عملتها، إلاّ أن قبلت فوراً بوقف الحرب. وفي 7 تشرين الثاني (نوفمبر) استسلم إيدن لمطالب أمريكا تاركاً قواته معلقة في منتصف الطريق بين سيناء والقناة. وغضب الفرنسيون لهذا القرار، واحتجّوا، إلاّ أنهم عادوا واستسلموا لأن القيادة العسكرية للعمليات كانت لبريطانيا. ربح أيزنهاور انتخابات الرئاسة. وأكدت أزمة السويس حجم أمريكا كقوة عظمي لا تجاري، لا ينافسها في حينه إلاّ الاتحاد السوفييتي. وكانت السويس أيضاً آخر أزمة حرب أو سياسة تقف فيها الولايات المتحدة ضد إسرائيل وتتخذ موقفاً شبه عدائي منها، علي طول امتداد أزمات الشرق الأوسط، كبيرها وصغيرها.عند هذا المفترق أصبحت الـــــولايات المتحدة هي القوة الفاعلة المســــيطرة في الشرق الأوسط، معززة علاقاتها مع إسرائـــــيل وإيران والسعودية. وفي كانون الثاني (يناير) من عام 1957 أعلن عن مبدأ أيزنهاور الذي أفصح عن استعداد أمريكا لمساعدة أي بلد يواجه اعتداء أو خطراً شيوعياً. وفي عام 1958 طبق مبدأ أيزنهاور عندما تمَّ إنزال قوات أميركية في لبنان في عهد الرئيس كميل شمعون، لحماية الدولة اللبنانية الموالية للغرب.في اسرائيلفي إسرائيل كانت هناك عدة مشاهد، أولها أن إسرائيل حققت أهدافها رغم إرغامها علي الانسحاب من سيناء في عام 1957 . فبعد حرب السويس، ونتيجة لها، جري وضع قوات دولية علي الحدود في سيناء بين إسرائيل ومصر، التي شكلت نوعاً من الحماية لحدود إسرائيل وتعريفاً لها، وظلت هذه القوات الأممية هناك حتي ارتكب عبد الناصر غلطته التاريخية الفادحة عندما طلب سحبها في عام 1967، مما أدي إلي هزيمته في الحرب التي تبعتها. واستفادت إسرائيل من فترة السنوات العشر التي مرت بين 1957 و1967، فعملت علي استيعاب مليون مهاجر يهودي جديد. وبنت قواتها المسلحة بما في ذلك سلاحها النووي، واستبدلت حليفتها فرنسا، بحليف أهم وأقوي وأبقي هو الولايات المتحدة. وأصبح هناك أمر واقع جديد شرحه مؤرخ آخر بقوله، إنه وضع غير مستقر في حالة سريعة الاشتعال إلي درجة أن أي (كبريتة) قد تفجرها .هكذا كانت الأوضاع نتيجة للعدوان الثلاثي والتواطؤ المشترك بين الدول الثلاث، التي جعلت من إسرائيل أداة للاستعمار ووسيلة للاعتداء وجسراً لخدمة المصالح السياسية الأجنبية في الشرق الأوسط. وظلت عملية التواطؤ الثلاثي علي مصر في حرب السويس تعيش في الذاكرة العربية، فحتي عندما وقعت حرب 1967، الأقصر زمناً من حرب السويس، سارعت الدول العربية إلي اتهام كل من بريطانيا وفرنسا بأنها تحارب مع القوات الإسرائيلية. وعندما نفت الدول المعنية هذا الأمر بشكل قاطع، لم يصدقها أحد من العرب. فقد كانت الكذبة الكبري التي جري استخدامها في حرب السويس، ما زالت ماثلة في الذاكرة العربية ـ وستبقي إلي أمد طويل.الامم المتحدةأما المشهد في الأمم المتحدة، فكان مختلفاً جداً عما سبقه وما تلاه في الخمسين سنة الأخيرة. ولعبت أمريكا في هذا المشهد دوراً أساسياً في تاريخ الأمم المتحدة، عندما تقــــدمت بقــــرار إلي الجمعية عامة في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1956 يدعو إلي وقـــــف إطــــلاق النار وفاز بأغلبــــية 64 صوتاً مقابل اعتراض خمسة أصوات. وصوّت الاتحاد السوفييتي إلي جانب أمريكا في هذا القرار. وللتحايل علي الفيتو الذي تملكه كل من بريطانيا وفرنسا داخل مجلس الأمن، دعت أمريكا الجمعية عامة، لأول مرة في تاريخها، إلي اجتماع طاريء بدلاً من مجلس الأمن (حيث لا تملك أي دولة حق الفيتو في الجمعية عامة) لبحث اقتراح كندي يدعو إلي جمع قوات طواريء وإرسالها إلي القناة لوقف إطلاق النار. وكانت هذه أول فرقة قبعات زرق للطواريء تنفّذ مهمات حفظ السلام في مسيرة الأمم المتحدة.تشير أزمة السويس، بعد نصف قرن من حدوثها، إلي نقص في تفسير التاريخ، قوامه أن الذين لا يستطيعون تذكر الماضي، محكومون بإعادته دائماً. وقد يكون هذا صحيحاً، لكن الأصح أن الذين يسيئون تفسير الماضي محكومون بعدم إتقان التعامل مع الحاضر. حذار! ہ ہ فصول من كتاب يصدر للمؤلففي الخريف المقبل بعنوان: الحرب المنسية: السويس 1956 عن شركة رياض الريّس للكتب والنشر ـ بيروت7