أيام لا تنسي في القاهرة الاسلامية ومنتجعات شرم الشيخ الساحرة:
مدينة المقاهي والمآذن والتاريخ مزيج ثقافات وغزوات وأمم وملل ومطامع وديانات وسياسات شائكة متشابكةطرائد الملك فاروق معلقة علي الجدران وجزيرة تيران خاوية من السكان… وليل شرم الشيخ لا يعرف النومأيام لا تنسي في القاهرة الاسلامية ومنتجعات شرم الشيخ الساحرة:يحيي القيسي كنت قد زرت القاهرة وتعرفت علي بعض جمالياتها وآثارها الفرعونية والقبطية وفترة محمد علي باشا الكبير خلال شباط (فبراير) الماضي، وهي فرصة ذهبية بالنسبة لي تناولتها في مقال مطول حينئذ، وقد تكررت الفرصة لحسن الحظ لتكتمل عندي رؤية القاهرة ببعدها الاسلامي وملامحها الحديثة خلال أيام قليلة من شهر ايلول (سبتمبر) المنصرم، ولم تأت هذه الزيارة كما أسلفت في مقالي السابق بدعوة من مصلحة الآثار أو وزارة الثقافة أو السياحة مثلا بل من القطاع الفندقي الخاص، اذ تكفل بها فندق الفورسيزنز أو الفصول الأربعة في القاهرة ـ الاقامة الأولي ـ ومعي نفر من الصحافيين العرب والأجانب الذين يعملون في الصحافة العربية المكتوبة بالانكليزية أو العربية ولا سيما في دبي ومصر ولندن، وهكذا يبدو المرء محظوظا في مثل هذه السفرات التي يترافق فيها الجانب البشري المؤهل للاستضافة والترحيب والتعريف بكرم باذخ مع المكان البالغ الفخامة والحداثة اضافة الي البرنامج المكثف، وقد أمكن لي أن أكتشف جوانب أخري من القاهرة لم أكن أعرفها من قبل الا عبر الكتب أو حديث الأصدقاء عنها، ويبدو أن هذه المدينة تحتاج الي شهر مكثف علي الأقل لسبر ملامحها وآثارها وبعض سيرتها التي تعاقبت عليها الأمم فسادت ثم بادت.هي مزيج من ثقافات وغزوات وأمم وملل ومطامع وديانات وسياسات شائكة ومتشابكة لا تكاد تبين الا لخبير أو محب راغب في التعرف عليها والاطلالة علي عوالمها، كان أول برنامجنا بعد الوصول بقليل رحلة بحرية بالفلوكة أي بمركب شراعي يقال أنه ينتمي الي تقاليد الفراعنة في الابحار اذ لا يعتمد الا علي ادارة دفته من قبل ريس ماهر، وما أكثرهم هناك، والي المناورة بالشراع مع اتجاه الريح أو ضده، لقد بدت صفحة النيل خضراء أو مائلة الي اللون البني وحسب ما عرفت من بعض الرفاق أنه ربما أتي من الطمي المتدفق أو ربما مما تسرب في المياه من فضلات أهل القاهرة ذات العشرين مليونا أو يزيد ولعل هذا الأمر الأخير لم يكن مقنعا لي أبدا، غير أن النيل يظل نهرا عظيما متدفقا علي الدوام يجري لمستقره في البحرالمتوسط جارفا كل ركام ومطهرا ما يمر به من أراض ومدن، وربما يهدد أحيانا بالتمرد والطوفان رغم ترويضه بكثرة السدود.متحف قصر النيلالجلوس في مركب شراعي فوق صفحة النيل ساعة العصر فرصة لغسل العيون مما تراكم فيها من الحجارة والبنايات والمشاهد التي تلوث البصر والبصيرة، وهي تجربة كنت أتمني لو تتكرر كل يوم، لكن اليوم التالي حمل لنا مفاجأة جميلة بزيارة متحف قصر النيل، وهو في الأصل قصر للأمير محمد علي نجل الخديوي الأسبق محمد توفيق وهو بالطبع ليس محمد علي باشا الكبير، فهو واحد من أحفاده كما يبدو وينتمي للقرن العشرين اذ غادرالقصر بعد ثورة الضباط الأحرار في ايلول (سبتمبر) 1953ومات في المنفي، وحسب ما فهمنا من أحمد الدليل المرافق لنا بأن الأمير محمد علي كان متدينا وأصيب بعجز منعه من الزواج نتيجة سقوطه من علي فرسه وترافق ذلك مع عزلته واحباطاته بسبب عدم توليه الحكم،وقد بني قصره علي طراز اسلامي مقتبس من المدارس المعمارية الفاطمية والمملوكية وهناك ملامح للطرازين الفارسي والتركي.أول ما يواجه الزائر سراي الاستقبال وهو مخصص لاستقبال الضيوف الرسميين الذين يقومون بزيارة الأمير في قصره دون التورط في الدخول الي القصر الرسمي الذي يضم العائلة والحريم. ويتكون سراي الاستقبال من طابقين بينهما سلم خشبي.أما أقسام القصر اضافة الي السراي فهي:السور الخارجي المحيط، مدخل القصر، برج الساعة، السبيل، المسجد، متحف الصيد، سراي الاقامة، سراي العرش، المتحف الخاص، القاعة الذهبية، الحديقة المحيطة بالقصر الفريدة من نوعها في مصر،ولكننا لم نر تماما كل ما ذكرت فالحديقة أصبحت مملوكة لأحد الفنادق أوالمنتجعات وعمليات البناء والتأهيل فيها قائمة لافتتاح الفندق عما قريب، أما السور فقد شيد علي طراز أسوار حصون القرون الوسطي، أما واجهة القصر فانها تشبه واجهة الجوامع، ولعل من الجدير هنا الاشارة الي القاعتين في سراي الاستقبال الواقعتين في الطابق الثاني احداهما القاعة الشامية والأخري القاعة المغربية، وغير بعيد عن ذلك برج الساعة، وقد بني علي نمط الأبراج الأندلسية أو المغربية، حيث لا يبدو اسطوانيا بل مربعا ومزينا بالتخاريم والنقوش من الخارج، وعمل البرج عادة للاطلالة علي خارج السور أي للمراقبة، وارسال الاشارات الي الأبراج الأخري، وأيضا لمشاهدة أحياء القاهرة المحيطة والتمتع بها، وقربه يقع المسجد الذي يعد رغم صغره تحفة معمارية وزخرفية عثمانية لا مثيل لها فالخشب المعشق والتخاريم والتزاويق والخطوط العربية لآيات من الذكر الحكيم علي القيشاني، والكوي المزججة في سقف الحائط التي يطل منها الضوء الأصفر، كلها تعكس مدي الدقة والفخامة معا، وتلك الأيدي الماهرة التي أنجزت هذا العمل فهناك مثلا أسماء من أبدعوا هذه التحفة مثل الخطاط الحاج كامل أفندي رئيس الخطاطين باستانبول 1352هـ، وهناك أسماء النجار ومصمم السجاد والخزاف وكلهم من كبار الفنانين والحرفيين، ولكن هذه التفاصيل الدقيقة للتزويقات تبدو جلية في سراي الاقامة أو القصر المركزي فهو أيضا من طابقين خصص الطابق السفلي كقاعات للاستقبال والحفلات والعلوي للنوم وللنساء وهناك قاعة تسمي المرايا حيث تطل عليها الأجنحة العلوية بحيث تستطيع النساء مشاهدة الرجال دون أن يتمكن الرجال من مشاهدتهن، ولكن الملاحظة التي خرجت فيها بعد مشاهدة تفاصيل هذا القصر هي لماذا ذلك الاصرار علي عدم ترك أية مساحة علي الجدران أوالسقوف دون تلوينها او زخرفتها؟ و لماذا لا يوجد أي نوع من الفراغ في مثل هذا النوع من التصاميم الداخلية فالجليز الملون الذي بطنت به الجدران، والخشب المخرم والمقصوص بأشكال مدوخة، والألوان والأصباغ والخطوط والفسيفساء والمعادن كلها تتضافر معا وتحتشد من أجل شيء واحد هو ابهارالزائر، ولكنها متعبة للبصر ولا سيما لأبصار الأجيال الجديدة التي اعتادت فنا من نوع آخر، أما المسألة الأخري غير استعراض الفن والابهار به والغني الفاحش فهو لأن هذا النوع من الفنون يعد وسيلة للتسلية البصرية ففي القيلولة أو في أوقات الفراغ وهي كثيرة لأمير وأتباعه مثل محمد علي ولم يكن التلفزيون قد دخل البيوت بعد، ثم ان وسائل التسلية كانت تقتصر بصريا علي اللوحات والألوان وسماعيا علي المعازف، ولهذا أجد أن مشاهدة الجدران والسقوف والبحلقة فيها كانت نوعا من التسلية عند أبناء ذلك الزمان، وهذا واضح في معظم القصور القديمة.بقيت أجنحة عديدة لم نزرها ويبدو أن القصر قد أعيد افتتاحه حديثا للعموم ولكن زيارة متحف الصيد كان أمرا مذهلا وكافيا …!مجازر الملك فاروق معلقة علي الجدران هذا المتحف الذي شيد في عام 1962 مبني بمحاذاة السور الشمالي يطل علي الحديقة بفتحات علي شكل عقود، وقد خصص لمقتنيات الملك فاروق في الصيد أو علي الأصح ما اصطاد من الطرائد والوحوش والحيوانات الأليفة حتي الطيور والأرانب بل والفراشات والعناكب، يا لهول ما يري المرء: رؤوس معلقة لجواميس وغزلان وبدن وأسود، هنا يمكن أن يري الزائر أشياء غريبة عجيبة جاء بها فاروق ذات زمان من صحاري وسهول وغابات ووديان، ورأيت من ذلك أنياب عاج هائلة ،وطاولة من جلد فيل، وجاموسا أهليا بالغ الضخامة اصطاده الملك في 5 ايلول (سبتمبر) 1940، وعشرات من رؤوس البدن والغزلان، وهناك شمعدان مصنوع من أرجل نسر، وعناكب وثعابين من عمر يوم واحد قد خرجت من البيض للتو وصولا الي جلد كوبرا عملاقة، بل احتفظ ببيضة برص فقست حديثا يوم 5 ايلول (سبتمبر) 1948، أما حيوان البدن فقد ساهم الرجل علي ما يبدو بانقراضه من كثرة صيده ولا سيما في مناطق وثقها مثل شقرة الدلام، وادي أبوموسي، وادي جفرة وغيرها وذلك خلال الفترة من 1940 ـ 1943م، أما الدواجن والطواويس والحمائم فهي لا تحصي أيضا وكلها بأشكال مختلفة، ولعل أجمل طرائد الرجل تلك المجموعة في لوحات زجاجية وتكاد تفر منها، وأقصد هنا الفراشات، وهي بأشكال نادرة، ما رأيت مثلها من قبل قط، وهذه الثروة التي اندثرت أو تقزمت توثق لرجل كان جل حياته يتمثل بجمع السيوف والدرقات والرشاشات والمسدسات من شتي الأشكال والأصناف ليقتل بها مثل هذه الحيوانات البريئة أو غير البريئة، لم أكن أعرف الكثير عن هذا الرجل لكن زيارة أولي لمتحف قصر عابدين حيث ترسانته الفردية من غريب الأسلحة وأطرفها وأكثرها فتكا، وزيارة لمتحف الصيد جعلتني أعرف أي نوع دموي كان هذا الرجل، والحمدلله أن جهوده الصيدية انصبت علي الحيوانات لا البشر.مسجد محمد علي باشا بالقلعة هذا معلم لا تكتمل زيارة القاهرة من دونه، فهو يبدو من بعيد ومن مناطق كثيرة للزائر، ويظل يرواده حتي يزوره، وحسنا فعلت داليا نديم مسؤولة العلاقات العامة في الفور سيزنز بالجيزة التي نظمت الرحلة واختيار الأماكن باشراف مسؤوليها سيزر رشدي مديرالتسويق في فنادق الفور سيزنز الثلاثة بمصر، وشريفة عيسي مديرة التسويق والمبيعات في الاقامة الأولي، لقد بدا لي المسجد ضخما من بعيد وهو أشد ضخامة من قريب أيضا، ولعل الزائر يتعرف الي ذلك الجهد الخرافي الذي بذل في بنائه، وهو يوجد في قلعة الجبل بالقاهرة وهو أكثر معالم القلعة شهرة، كما يسمي أيضا جامع المرمر وهو نوع من أنواع الرخام النادر الذي كسي به.وقد ذكرت المصادر والمراجع المختلفة أنه: ما ان أتم محمد علي باشا اصلاح قلعة صلاح الدين الأيوبي وفرغ من بناء قصوره ودواوينه وعموم المدارس حتي رأي أن يبني جامعا كبيرا بالقلعة لأداء الفرائض وليكون به مدفنه، وبدأ في انشاء الجامع سنة 1830م واستمر العمل حتي وفاته 1848م ودفن في المقبرة التي أعدها لنفسه بداخل الجامع، والمدهش حقا هو ذلك التخطيط المعماري الفريد فهو عبارة عن مساحة مستطيلة تنقسم الي قسمين: القسم الشرقي وهو المكان المعد للصلاة. القسم الغربي وهو الصحن وتتوسطه فسقية للوضوء ولكل من القسمين بابان أحدهما جنوبي والآخر شمالي، ويمتاز جامع محمد علي باشا بعدة مميزات معمارية وفنية جعلته متفردا، فمئذنتاه شاهقتان اذ يبلغ ارتفاعهما حوالي 84 مترا فاذا أضفنا إليها ارتفاع القلعة المشيد عليها الجامع الذي يبلغ حوالي 80 مترا يصل ارتفاع المئذنتين الي حوالي 164 مترا عن مستوي البحر، كما أن عدد المشكاوات التي توجد بهذا الجامع هو 365 مشكاة بعدد أيام السنة، أما المقصورة التي دفن بها محمد علي باشا فانها تقع في الركن الجنوبي الغربي للجامع وهي عبارة عن مقصورة نحاسية مذهبة جمعت بين الزخارف العربية والتركية والمصرية تتوسطها تركيبة رخامية بها قبر محمد علي باشا . الجامع تعرض لترميمات كثيرة عبر العهود الماضية، وهو اليوم مسجد ومزار يؤمه السياح من الذكور والاناث من شتي الأقطار والملل والأديان.انه حقا تحفة معمارية ولا سيما في قبته الوسطي الكبري المزينة بالنقوش والخطوط والمرتفعة عاليا ما لا يزيد عن خمسين مترا من الأرض، ولقد أبهرت ناظري تلك النجفة الضخمة الشديدة التعقيد المدلاة وسطها، وعجبت أكثر ومن معي من الرفاق من النجمة السداسية التي تنتصف في قلب القبة، فلأي الأغراض وضعت وما الذي أريد منها، علي أنه لم يذهب بي الخيال بعيدا فهذه النجمة ليست حكرا علي اليهودية بل هي أقدم من ذلك بآلاف السنين.وليس المسجد هو الوحيد في هذه القلعة فهناك العديد من القصور والمعالم، حيث كانت قلعة صلاح الدين الايوبي والمعروفة باسم قلعة الجبل هذه تعتبر من أضخم القلاع الحربية التي شيدت في العصور الوسطي، فموقعها استراتيجي من الدرجة الأولي بما يوفره هذا الموقع من أهمية دفاعية لأنه يسيطر علي مدينتي القاهرة والفسطاط، كما أنه يشكل حاجزاً طبيعياً مرتفعاً بين المدينتين فيما مضي. وتقول السيرة التاريخية: أنه قد أسس هذه القلعة صلاح الدين علي ربوة من جبل المقطم، وأكمل بناءها أخوه الملك العادل عام 1208م، بهدف تأمين القاهرة ضد الغزوات المحتملة. وقد وفق صلاح الدين تماماً في اختيار مكان القلعة، اذ انها بوضعها المرتفع حققت الاشراف علي القاهرة اشرافاً تاماً، لدرجة أن حاميتها كانت تستطيع القيام بعمليتين حربيتين في وقت واحد، هما احكام الجبهة الداخلية وقطع دابر من يخرج منها عن طاعة السلطان، ومقاومة أي محاولات خارجية للاستيلاء علي القاهرة.ويعتبر السور الذي أقامه صلاح الدين حول القاهرة للدفاع عنها ضد أي اعتداء خارجي، من المنشآت الحربية المهمة التي أكملت دور القلعة في العصور الوسطي، فبعد أن تولي صلاح الدين (1171 ـ 1193م) حكم مصر اهتم بعمران المنطقة الواقعة خارج القاهرة الفاطمية بين باب زويلة وجامع أحمد بن طولون، وقسمها الي خطوط عدة بينها خط الدرب الأحمر الذي لا يزال يعرف بهذا الاسم حتي اليوم. ويتصدر هذه المنطقة جامع الصالح طلائع بن رزيك الذي يعتبر آخر أثر من عصر الفاطميين في مصر . أما جامع السلطان قلاوون الأثر الآخر الموجود في وسط القلعة تقريبا والذي بني منذ نحو 700 عام، وظل هذا المسجد هو الجامع المركزي للقلعة حتي أقام محمد علي باشا جامعه في مقابله، وقد شيده الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة 718هـ / 1318م. ويتكون التخطيط المعماري لجامع الناصر محمد بن قلاوون من مساحة تخطيطها مربع الشكل لها ثلاثة مداخل الأول منها وهو المدخل الرئيسي ويقع بالناحية الشمالية الغربية ويوجد فوقه لوحة تأسيسية من الرخام باسم الناصر محمد بن قلاوون مؤرخة بتاريخ البناء، أما تخطيطه من الداخل فانه كما تقول المعلومات المعمارية والتاريخية علي غرار الجوامع الأولي المبكرة اذ يتكون تخطيطه من صحن أوسط مكشوف تحيط به أربعة ايوانات أكبرها ايوان القبلة الذي يقع أمام محرابه قبة مجاز محمولة علي أعمدة غرانيتية ضخمة وفوقه قبة مغطاة من الخارج ببلاطات من القاشاني الأخضر، ويمتاز هذا الجامع بوجود الأعمدة الرخامية التي تحمل السقف وهي أعمدة من عصور مختلفة منها الفرعونية والبطلمية والرومانية أعيد استخدامها بروعة وبهاء وتحمل هذه الأعمدة عقودا من الحجر المشهر أي باللونين الأحمر والأبيض، وبدائر الجامع من أعلي فتحات نوافذ كانت مغشاة بأحجبة جصية رائعة الجمال كما امتاز هذا الجامع بأن جدرانه كانت مزخرفة بالفسيفساء الرخامية الملونة ولا تزال بعض من آثار هذه الفسيفساء بكل من الجدارين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي، ويمتاز هذا الجامع بمئذنتيه الفريدتين بالنسبة لباقي مآذن القاهرة . فرصة للاسترخاء والتمتع بخان الخليليبعد برنامج حافل مثل ما ذكرت يحلو للمرء أن يتمتع بنعم الفورسيزنز من غرف واسعة فارهة تطل من جانب علي نهر النيل ومن الجانب الآخر علي حديقة الحيوانات بالجيزة وخضرتها المحببة والأفق المضبب من بعيد حيث تخترقه الأهرامات، ولمثل زائرين طارئين من أمثالنا فقد يصاب المرء بالدهشة لأسعار الغرف أو الأجنحة ومنها حسب ما رأينا في جولتنا مع داليا أجنحة رئاسية وأخري ملكية، الداخل اليها لا يرغب في المفارقة والخارج منها حزين، ذلك أنها مزودة في أثاثها وملامحها وتكوينها المعماري وسعتها بأفخم التكوينات وأرقي التزويقات مما يريح القلب والبصر أما الجيب فحدث عن نزيفه اليومي ولا حرج، ولهذا يأتي الأمراء عادة وكبار رجال الأعمال ووزراء الدول الغنية من العرب والعجم ولا يرمش لهم جفن ساعة الحساب ويمكن لمن هم أقل مالا وشأنا أن يقيموا في الغرف الفارهة حيث يضم الفندق 271 غرفة تشمل 43 جناحا، وفي الفندق أيضا شقق للاقامة الطويلة تباع لمن يرغب أيضا وثمة اشاعات غريبة عن بعض الفنانين الكبار أن سياراتهم تصعد معهم الي الشقة في الطابق العشرين وهذا بالطبع من خيال الناس، ولكن هناك الكثير من وسائل الترفيه فيكفي ما يجد المرء من حسن الضيافة والترحيب فالعنصر البشري هو الأبرز، ولقد فهمت من بعض مدراء هذا الفندق أن سياسة انتقاء العاملين تقوم علي اختبارات كثيرة، ومراحل مختلفة وليس كل من يتقدم يقبل حتي لو كان يحمل ارفع الشهادات، ويبدو أن هدف الفندق خلق مجموعة من الموظفين المرتاحين نفسيا وماديا حتي يتمكنوا من عكس هذه الراحة علي النزلاء ،وهناك وسائل جذب كبيرة منها المطاعم والنادي الصحي والمسبح والسوق التجاري والمقاهي، ولعل السمة الأساسية التي تطبع هذا الفندق ظاهرة الورد الذي يبدل يوميا حيث يظل طازجا، ولقد بهت بالفازات الضخمة وأنواع من الورود تنعش الروح والعين، هذا عدا عن اللوحات التشكيلية والمنحوتات الأصلية، وتلك سمة الفور سيزنز في بلازا النيل حيث قمنا بزيارته أيضا وكانت هناك هبة بلال مديرة العلاقات التي شرحت لنا من قبل عن هؤلاء الفنانين وأعمالهم التي تم توثيقها في كتاب فخم، والبلازا يعكس الحداثة والعلو والجدة فيما يعبر فندقنا عن الحميمية والأصالة والكلاسيكية الفخمة.أعود الي بقية الرحلة القاهرية حيث انتهت ليلا في خان الخليلي وسوقه العامر، كان واضحا بأنه يمور بالسياح من شتي انحاء العالم، وكانت حواريه وأزقته تستعد أيضا لاستقبال شهر رمضان حيث انتشر باعة الفوانيس النحاسية والبلاستيكية وكل ما يحمل من مظاهر احتفائية، أما بقية الحوانيت فهي مزدحمة عادة بالفضيات والنحاسيات والجلود والبرديات وقطع الرخام والكريستال التي تمثل في أشكالها الأهرامات وملامح الحضارة الفرعونية، أما مقاهي الخان فهي كثيرة وأشهرها الفيشاوي ولا يكاد الزائر يجد مكانا فيه لاكتظاظ الخلق والراغبين في التعرف علي جانبه الثقافي والتاريخي، وهناك مقهي ومطعم نجيب محفوظ، وهو مكان حديث يحاول الجمع ما بين الأصالة والمعاصرة، وما بين الشعبية والنخبوية، وهو أيضا يكتظ بعشاق نجيب محفوظ أو من يرغب في شهرته لا سيما أن الرجل الحائز علي نوبل قد غادر الدنيا منذ أيام قليلة.علي كل حال قضينا في الخان ومقاهيه بضع ساعات ثمينة بصحبة الرفاق الذين انتقلوا من القاهرة الاسلامية في الصباح الي نبض الحياة اليومية وايقاع الشعب المصري بفئاته المختلفة وتنوعه الخلاق في حي الحسين. كانت حقا رحلة لا تنسي..!شرم الشيخ بين الشمس والماء هذه هي المرة الأولي التي أسافر فيها الي شرم الشيخ، رغم كثرة ما كنت أقرأ في الصحف الأردنية من اعلانات يومية تروج لزيارتها وقضاء أوقات ذهبية علي شاطئها، وقد أتت الفرصة أخيرا من الجهة الداعية نفسها لنستكمل اكتشاف تلك المنطقة في ضيافة منتجع الفور سيزنز، كان (لي سبينكس) رفيقنا في الرحلة وهو ممثل شركة العلاقات العامة البريطانية (IF) التي تشرف علي تنظيم مثل هذه الفعاليات للاعلاميين، وقد حمسنا كثيرا للتعرف علي شرم الشيخ ولا سيما من خلال منتجع يعد الأفخم في المنطقة كلها، وقد أدركت ذلك منذ اللحظات الأولي لوصولنا مطار شرم الشيخ فالرحلة تعادل تقريبا المسافة بين القاهرة وعمان، وتبدو مدينة العقبة الأردنية هي الأقرب الي شرم، ولم يكن ما يثير الانتباه في هذه المنطقة الصحراوية الواقعة علي شواطيء البحر الأحمر والواقعة في شبه جزيرة سيناء، فليس ثمة غير أسواق محدودة، والكثير الكثير من المنتجعات والفنادق والمقاهي والمشارب الليلية عادة، ولكن الولوج الي بوابة واحة صغيرة ملأي بأشجار النخيل (1800 نخلة داخل منتجع الفور سيزنز) بدا أمرا مثيرا للاهتمام، لم يكن فندقا عاديا أبدا ولا اقامة تقليدية، فالغرف أو لنقل البيوت الصغيرة منتشرة كما في القري، وتمر بها الشوارع المبلطة، بل توجد فيها عربات كهربائية صغيرة لنقل النزلاء الي اقاماتهم، فالبيوت أو الغرف والأجنحة منتشرة علي هضبة تصل الجبل بالماء، والذي لا يطل علي البحر مباشرة تحيط به الخضرة من كل جانب، بل هناك تلفريك صغير ينقل النزلاء من الاستقبال ومنطقة الغرف والمطاعم العلوية الي البحر والبرك العذبة للسباحة، لقد بدت الجولة التي استقبلتنا فيها سارة ابراهيم خريجة الجامعة الامريكية بالقاهرة والتي تشغل مديرة للعلاقات العامة مثيرة للاهتمام والدهشة ولا سيما الأجنحة الملكية والرئاسية، وتخيلت من مر من الملوك والرؤساء العرب والأجانب ومشاهير النجوم وكبار الأغنياء علي هذه الأجنحة أو لنقل الفلل المستقلة تماما داخل المنتجع، لقد فهمت من سارة أن هناك 200 غرفة من بينها 64 جناحا عائليا، وجناحان رئاسيان، وجناح ملكي، هذا عدا عن المطاعم والنادي الصحي ومركز الغوص، ولهذا الأخير حكاية فقد كان مقررا لنا في البرنامج رحلة غطس لمشاهدة الشعب المرجانية، وكنت من الذين فضلوا أول الأمر أن أبقي حبيس القارب متمتعا بأشعة الشمس فأنا لا أجيد الا القليل من السباحة لكن جون الغواص الماهر تبسم أول الأمر وقال: هي رحلة لا تنسي فكيف تفوتك مشاهدة الشعب المرجانية؟ وعلي كل سنري.. وفي اليوم الموعود كنا علي ظهر قارب حديث تتوفر فيه كل ضروب الراحة، وقد توغل في الماء بعيدا عن شاطئ شرم الشيخ باتجاه جزيرة تيران المصرية القريبة أيضا من الأراضي السعودية وربما تتقاسمها مع مصر، وهي جزيرة لا سكان عليها علي ما يبدو وفهمنا من مرافقينا أن مجموعة من جنود الأمم المتحدة فقط هم الذين يقيمون عليها منذ سنوات، وحين وصلنا الي شواطئها حيث يسكن الموج وتكون رؤية الشعب المرجانية في افضل حالاتها، نزل الرفقاء والرفيقات في رحلتنا، وكنت متهيبا الماء أول الأمر، ولولا أن لبست جاكيت النجاة ورافقني طارق الاسكندراني الي البحر ما كانت تلك التجربة الفريدة التي مررت بها لأول مرة في حياتي، كانت حدائق الشعب المرجانية تبدو من خلال زجاجات الرؤية علي العينين ساحرة ومشوقة بألوانها وأشكالها ويقال ان عمق بعضها يصل الي التسعين مترا، وكانت ثمة أسراب من الأسماك الجميلة تسبح في الأعماق، بدت لي المناظر أول الأمر كما لو كنت في حلم، ثم سرعان ما اعتدت الرؤية وفرحت بالتجربة، وقد تبسم جون ضاحكا مني وقال: ألم أقل لك انك ستكون من السابحين ..!أن يتناول المرء حماما شمسيا، ويتعمد بماء البحر الأحمر، ويغفو فوق دكة القارب السريع العلوية، ويتناول أشهي الطعام، تلك هي متع الحياة الدنيا، ولعبة الأغنياء التي لا تنتهي، أما نحن فيكفينا ملامح من التجربة لمن امتلك القناعة .عدنا الي قريتنا النخيلية وغرفنا الساحرة، لكن ليل شرم الشيخ لا يعرف النوم فالمقاهي والأندية والمطاعم تظل صاحية حتي الفجر، وبوذا الصغير ذلك المحل الشهير بمشروباته ذات الأسماء الغريبة وشهرته الفاقعة يجتذب السهاري، ونحن بين رحلة في الغد الي الديار، وما بين حلم يعيش مع الواقع في الآن نفسه نخشي عليه أن يتسرب ويذهب الي ركن قصي من أركان الذاكرة …! ہ مراسل القدس العربي في عمان7