ازدادت الأشياء في أحجامها وعددها وسعتها وفي المقابل ازدادت لدينا التنهيدات والحسرات في كل مناسبةٍ تستدعي التساؤل حول ما آل إليه حالنا..فرحماك ربي.
ازدادت أحجام البطيخ والفراولة في حين قل حجم انتاجنا الفكري والعلمي، وازدادت أيضاً أحجام فناجين وكؤوس القهوة والشاي فيما قلت أحجام طموحاتنا وأحلامنا، فاقتصر بعضها على التأرجح بين انتظار صرف الرواتب مبكراً وبين أيام العطل الاضطرارية حتى وإن كانت أسبابها أزمة وطنية أو كارثة من نوع ما! والجانب الملفت والمثير للاهتمام في ذلك هو أن هذا الطموح أو الحلم يتجدد دون يأسٍ كل شهر!
لقد عملنا على زيادة سعة ذاكرة هواتفنا وحواسيبنا فيما قلت لدينا سعة صدرنا وصبرنا وتسامحنا…زادت حدة زاوية وجهات نظرنا وتقلصت انفراجة زاوية تقبلنا لآراء الآخرين، وقاربنا على أن نشكل من ‘أنا ونفسي وضمير المتكلم’ مثلث برمودا ليبتلع كل الضمائر الأخرى!
ساعات تصفحنا وتواصلنا في الفضاء الإلكتروني ازدادت فيما قل على أرض الواقع تواصلنا ووصلنا لذوينا. لقد قلت كثيراً المعاني التي تحملها كلماتنا في زحمة ثرثرتنا وازداد معها عدم انصاتنا. زاد انحناؤنا وقل انتصاب قاماتنا! ومن المؤسف جداً أن تركيزنا بات يتجه نحو الأسفل باطراد حتى نسينا أن ننظر إلى الأفق أو إلى السماء إلا في ظاهرة الخسوف أو الكسوف التي يتم إعلامنا بحدوثها مسبقاً!
الحاجة الملحة إلى العمل والنهوض بواقعنا ازدادت، فزدنا ساعات نومنا…أولينا الاهتمام بزيادة الانتاجية وركنا جودة العمل جانباً. ازداد سفك الدماء وانعدم الدم في كثير منا! تركز اهتمامنا على الشهادات وقل اهتمامنا بالمادة العلمية المقدمة…الكتب ودور النشر ازدادت فيما قل اكتراثنا بفتح أو بتكملة قراءة كتاب. ازددنا شفقة ورأفة بالحيوان وقلت رحمتنا بالبشر، كما زاد تحديقنا في الضوء وقل إبصارنا له وكأننا بتنا نحمل عينين لنتجمل بهما فقط!
ازدادت وتيرة الحياة سرعة وقلت وتيرة سرعتنا في إنقاذ ما تبقى منا، وطـــــال وقوفنا في محطات التزود بالإنسانية وبالوعي الكافي. انحصر تفكيرنا في قفص أنفسنا وأقفلناه بإحكام بمغلاق الأنانية، وأطلقنا لساننا في الثرثرة عن القيم والخصال الحسنة التي فقدنا بعضها وبتنا نبدي قلقاً في ضرورة المحافظة على ما تبقى منها وتعزيزها من خلال حماستنا فقط، وما إن تبرد هذه الحماسة مع انتهاء الثرثرة حتى يبدأ هذا القلق يتلاشى لأنه لا يتفق وتفكيرنا بشخصنا الكريم!
يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها الحاجة لحقننا بشيء أشبه بهرمونات بشرية حاجة إسعافية ملحة..فنحن بحاجة لتضخم فكري وعاطفي وإنساني، لا لتضخم جسدي، فهذا الآخير تتكفل به زيادتنا في تناول وجبات ‘الفاست فوود’…أصبحنا بحاجة ماسة إلى تفعيل خاصية إيصال الرسائل لمن حولنا بالأفعال لا بالأقوال. إن دعواتنا للناس ولأطفالنا لا تحتاج لصوت وإنما لصورة ترسمها ريشة القدوة العملية الحسنة. تجدنا نحلم ونتكلم كثيراً عن أمل ولادة ثانية وعودة ظافرة لدور أمتنا الريادي ونحن مصابون بالعقم نتداوى منذ زمن بعيـــد بــــــ ‘عايشين عالبركـة’!!
محمد عروب
أكاديمي وكاتب سوري