أية ثقافة في العراق المحتل لتصبح بغداد عاصمة لها؟
عبد الرحمن مجيد الربيعيأية ثقافة في العراق المحتل لتصبح بغداد عاصمة لها؟قرأت أخيرا خبرا عن اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2009 وان لجنة تشكلت في وزارة الثقافة لهذا الغرض. هكذا جاء الخبر باقتضاب دون الاشارة الي الذي قام بالاختيار.بعد ان فرغت من القراءة وجدتني اضحك بصوت عال. اقهقه علي غير عادتي فقد اعتبرت الخبر من باب الطرائف التي اعتادت الصحف نشرها لتسلي بها قراءها والا كيف يمكن اختيار بغداد المحتلة التي تتحكم فيها العصابات والميليشيات المعروفة بعدائها لكل ما هو عربي واشتغالها علي مشروع تفريس كل ما فيها او امركته عاصمة للثقافة العربية؟ان بغداد بالنسبة لكل العرب هي عاصمة من عواصم الثقافة العربية الكبري شأنها شأن القاهرة وبيروت ودمشق تأريخيا وحاضرا حتي جاء الاحتلال وبضاعته الرديئة التي حملوها معهم ممثلة بأشخاص لا علاقة لهم بالعراق اطلاقا ولا بما ترمز له عاصمته الثكلي التي اطل من شرفة قصره فيها الخليفة العباسي هارون الرشيد ليخاطب الغيوم المرتحلة بأنها اينما امطرت فسيعود خراجها لبغداد.عندما هبطت اكياس البضاعة الرديئة المحمولة بالدبابات والحوامات بدأ الخراب، وليس صدفة ان يكون الهدف الاول لهذه المخلوقات العمياء معالم بغداد الحضارية، قديمها وحديثها، فنهب المتحف وتم تكسير ما صعب علي النهب، وسرق متحف الفن الحديث الذي يضم خلاصة فن الرسم العراقي ولأبرز رموزه وحرقت المكتبات العامة الرئيسية: الوطنية وجامعة بغداد ومكتبة الاوقاف وتضم كلها مخطوطات وكتباً نادرة تعد ثروة وطنية وعربية لا يمكن تعويضها، ومعها حرقت مجلدات الصحف والمجلات التي تحفظ ذاكرة البلاد ومراجعها ودقائق ما مرّ بها.لأي ثقافة تكون بغداد عاصمة؟ ومن هم الذين يعدون لمثل هذه المناسبة الكبري التي عرفتها عدة عواصم عربية من قبل بدءا بتونس وعمان والقاهرة وصنعاء والرباط ومسقط حاليا؟وماذا يقدمون في مناسبة كهذه؟ ومن هي الوجوه النيرة التي ستضيء المشهد والبلد قد خلا منها ولم يبق فيه الا مبدعون اصليون قلائل كلهم منسحبون ولا يفكرون بالمساهمة في عرس الطوائف وحفلات قطع الرؤوس التي افرزتها ثقافة الاحتلال والطوائف التي تذبح بعضها علي الهوية؟!ما يفعله هؤلاء الصغار المدعون امر معيب ويسيء لثقافة العراق التي كانت دائمة العطاء ابداعا واسماء ومن كافة الاجيال وكانت بغداد بستانها الذي غنت فيه كل الاطيار بحب واخاء، ولم يسأل احد عن منحدر اي منها، من عبد الحق فاضل وذو النون ايوب ويوسف الصايغ الموصليين الي الجواهري النجفي والي مهدي عيسي الصقر والسياب وسعدي يوسف والبريكان البصريين الي عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وعبد المجيد لطيف وعبد الملك نوري البغداديين الي عبد الرزاق عبد الواحد (العمارة) الي ابناء جيل الستينات الذين انحدروا من كافة مدن العراق. فجاء سركون بولص وانور الغساني وجليل القيسي ويوسف الحيدري وفاضل العزاوي وجان دمو وصلاح فائق من كركوك وهم يمثلون كل القوميات والديانات المتآخية داخل هذه المدينة الرمز الذي يريد الطالباني والبارزاني تكريدها والحاقها بأقليمهما، وجاء كتاب جنوبيون آخرون من البصرة محمد خضير ومن الناصرية كاتب هذه السطور ومن الحلة برهان الخطيب وحميد سعيد ومن بغداد نفسها اسماء كثيرة امثال سامي مهدي وعبد الستار ناصر وفاضل الربيعي ومن العمارة حسب الشيخ جعفر عدا مساهمات ادباء وفنانين من محافظات اخري في ذلك الجيل مثل المرحومين موسي كريدي (النجف) وغازي العبادي (القرنة) وخالد حبيب الراوي (راوة) وغيرهم. وفي السنوات اللاحقة اكتنزت بغداد بأسماء كثيرة في الرسم والمسرح والكتابة والنحت والموسيقي والغناء والسينما.لقد بدأ التهام هذا الجسد الثقافي الجميل منذ سنوات الحصار الأولي (الفنانة ليلي العطار قضت تحت القصف وهي في منزلها) وخروج عدد كبير من المبدعين الي انحاء الدنيا المختلفة ووصلوا الي بلدان لم يفكر بها حتي الذين وصلوها او يعرفون موقعها علي الخارطة.ثم جاء الاحتلال ليفرغ البلد ويصحره بالاجهاز علي النخبة المضيئة فيه، اساتذة جامعة واطباء وكتاب كبار حتي الذين عادوا مع الاحتلال سرعان ما غادروا هرباً والشرفاء منهم تجرأوا علي كتابة ما رأوه امثال الشاعر صلاح حسن والمرحوم الشاعر كمال سبتي وغيرهما.ووجدنا عددا من الكتاب المقيمين في الخارج وقد اثارتهم محنة الوطن والاهل فبدأوا الكتابة لكشف ما فعله الاحتلال ومرتزقته اللصوص.لقد سرقوا كل ما في الوطن، من النفط الي الآثار، الي البنوك والمشاريع الوهمية، وها هم يعدون الآن لسرقة ما تبقي من ثقافة الوطن وتجييرها بأسمائهم وهم اعداء هذه الثقافة والذين عملوا علي هدمها وازاحة رموزها رغم انها باقية ماثلة في ضمير الانسان العراقي الذي لم تلوثه الطوائف ولا الاعراق، ولم تنل منه العمائم او الشراويل او العقل المباعة. صحيح ان هؤلاء متفائلون اكثر من اللازم عندما يظنون انهم باقون علي عروشهم حتي عام 2009 ولكن البلد انجب ثقافة مضادة لهم، ثقافة مقاومة لكل مشاريعهم وهي التي ستشكل الوجه الجميل للعراق المبتلي.اما وزارة الثقافة في عراق محتل فانها لن تستطيع ان تكون وزارة ثقافة كما هو اسمها ففاقد الشيء لا يعطيه ابدا، وقد دهشت (رغم ان الدهشة اصبحت امرا عاديا حتي ان المرء لا يحس بها ودخلت في باب المألوف) عندما شاهدت من احدي فضائيات الاحتلال عرضا لمجلة جديدة اصدرتها وزارة الثقافة واذا بصور محمد باقر الحكيم الذي ذهب ضحية تفجير في واجهة احدي الصفحات وربما تكون علي الغلاف ويليها موضوع عن المهدي المنتظر. ولا ادري ماذا فيها من مواد اخري مكانها بالتأكيد ليس مجلة تحمل اسم وزارة ثقافة في بلد متعدد.هؤلاء السواديون الذين يسيرون (ثقافة) العراق المحتل يبيعون الوهم علي انفسهم قبل غيرهم وهم معزولون لم ينالوا اعتراف احد الا من شابههم.كاتب من العراق0