مشهد نخبوي والثقافة تحتل مرتبة دنيا في استراتيجية التنمية
المشهد الثقافي المغربي في عيون ابنائه:مشهد نخبوي والثقافة تحتل مرتبة دنيا في استراتيجية التنميةالرباط ـ القدس العربي ـ من عبد الرحيم الخصار: من ينظر بعينيه الي المشهد الثقافي المغربي سيغلقهما بسبب كثرة الغبار، إذ أن أشياء كثيرة هنا لا يمكن فهمها، فالمسؤوليات الثقافية غالبا ما يتحملها أشخاص لا علاقة لهم بالثقافة، والمؤسسات الثقافية أيضا تبدو شبيهة ببقية مؤسسات الدولة من مستشفيات ومدارس وخيريات، الكاتب المغربي لا يجد له سندا علي الاطلاق، ولذلك حين يصيبه السرطان أو القصور الكلوي يتحول الي شحاذ يتسول الرحمة من المسؤولين ، لا يوجد في المغرب كاتب واحد متفرغ، وموازاة مع ذلك يوجد حشد من الكتاب المعطلين، لا يوجد أيضا كاتب واحد يحمل في بطاقة الهوية صفة كاتب ، الدولة هي الأخري تضع الثقافة في آخر اهتماماتها ولا تمنح من أجلها سوي ما يمنحه رجل ثري لرجل يتسول.رغم كل ذلك يكتب المغاربة بالليل والنهار وتجدهم في كل الجرائد والمجلات العربية نقادا ومبدعين، ثمة تجارب عديدة تجعل المتتبع ينزع قبعته وينحني احتراما لها، ربما لذلك يقول كاتب في حجم أحمد بوزفور: الأمل هو ما تبقي لنا.نحاول في هذا الملف الاصغاء الي المبدعين المغاربة لمعرفة كيف ينظرون الي واقعهم الثقافي، لمعرفة ما الذي يقلقهم وما الذي لا يروقهم في مشهد ثقافي ينسجم هو الآخر وبشكل غريب مع بقية المشاهد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في فصل صعب يدعي المغرب.أنيس الرافعي ـ الدار البيضاء: مؤسساتنا الثقافية أعلنت افلاسها.لنجزم، منذ البداية، أن هذا الحيز الرمزي المسمي مشهدا ثقافيا ، هو حيز نخبوي الي أقصي الحدود أو بالأحري الي أقسي الحلول بالمعني المؤلم للكلمة، يقتصر علي المشتغلين فيه والمدبرين لشؤونه ولا يحظي سوي باهتمام خافت من لدن الجمهور.اذ أن غلبة الطابع التجريبي علي ما ينتج داخله جعل جسور التواصل شبه منقطعة بينه وبين يا أيها الناس . وفي ظل هذا الوضع الملمع اليه، تصبح الرطانة عن مفاهيم تجريدية من قبيل (حركية أو دينامية أو تيارات ثقافية) ضربا من أوهام النخبة علي حد توصيف صديقنا المفكر علي حرب.ان الغالبية العظمي من الكتاب والأدباء المغاربة الحقيقيين التي لم تكن نتاجا طبيعيا لـ تقنيات التصنيع والفبركة الثقافيين ، لا تدين في ذيوع اسمها وانتشار مقروئيتها سوي لنضالها الذاتي ومجهودها الشخصي، أما المؤسسات الثقافية ، خاصة الرسمية منها، فقد انتهت ـ في تقديري الشخصي ـ أسباب وجودها التاريخي وأعلنت افلاسها الذريع منذ زمن بعيد، ربما لان معايير حظوتها وشروط الانتماء الي سلطتها تتناقض طرديا مع الجوهر المشكل لكل مثقف نزيه، ألا وهو الاستقلالية المطلقة والوعي النقدي الحاد كما وضح ذلك الراحل ادوارد سعيد في العديد من كتاباته.أما فيما يخص مشاكل هذا الكائن الهلامي والفنطاسي الموسوم بـ المشهد الثقافي تجاوزا، فقائمة مديدة من الصراعات الغوغائية، والاحترابات المجانبة لصواب الأدب، والتراشقات البئيسة، والاحتدامات الشعبوية، والقوائم الحزبوية السوداء، والاقطاعيات الاجناسية المغلقة، والمعارك الجيلية المجانية، التي تشي بغياب مدقع لمشاريع الكتابة وكذا الخليقة، طبعا، بكل مشهد ثقافي متخلف. غير أني (وان كنت في وقت ما طرفا مشاركا، بشكل من الأشكال، في هذه القائمة لاعتبارات أطلقت عليها الأخطاء التكتيكية المقصودة ) لا أخفيك مبلغ افتخاري بالانتماء الي الأدب المغربي الراهن الذي يضم بين حناياه شعراء لقصيدة النثر من العيار الرفيع وقصاصين محدثين علي درجة عالية من الابداعية ونقادا جددا بمرجعيات معرفية متميزة وروائيين شبابا من الطراز الحكائي الممتاز، ومن واجبنا جميعا كمغاربة أن نراهن عليهم بكل ما أوتينا من محبة وحدب للدفع بعجلة المشهد الثقافي الي الأمام كي يأخذ المكانة اللائقة به عربيا ومتوسطيا وكونيا. وعفا الله عما سلف.بن يونس ماجن: لندن: المشهد الثقافي مزدحم بكل من هب ودبسأعترف منذ البداية باني لست مؤهلا للحكم علي ما يجري في بلدي المغربومع ذلك، كشاعر مغربي مهاجر، سأحاول قدر الاستطاع القاء الضوء علي ما يحز في مخيلتي ولو عن كثب. سأقتصر علي المشهد الشعري فقط ولا ادعي انني قرأت كل الاعمال الشعرية المغربية لكنني أزعم أنني تابعت كثيرا من أخبار صدورها. من استقراء النصوص المتراكمة علي واجهات الانترنت العديدة والصحف والمجلات التي تصلني هنا في لندن، يمكن القول ان المشهد المغربي يعاني من مشكلة ازدحام بكل من هب ودب في كتابة الشعر وأحيانا اتساءل هل سيصبح المغرب بلد المليون شاعر ـ شاعرة؟واستغرب للكمية الهائلة من كتاب الشعر الموجودة الان في الساحة الثقافية بالمغرب. لاحظ عدد من الكتاب والادباء المغاربة الذين تعرضوا للمشهد الثقافي بالمغرب. بالتحليل والتقييم أن المؤسسات والاوساط الثقافية لا تهتم كثيرا بالقيم الجمالية التي يتوفر عليها النص الشعري. كما نجد اشكالية غياب عنصر الرصانة في بعض ابداعات الشعراء الشباب التي تنقصها ـ في اعتقادي ـ الممارسة الفنية ذات الابعاد الانسانية التي تميز بين الغث والسمين.ولكن التطاول علي نظم الشعر واساءة التعامل مع وظيفته الاساسية الا وهي الذائقة جعل الساحة الثقافية تفتقر الي الاحساس الوجودي التي يتمتع به جل المهتمين بثقافة الشعر.حاليا، ثمة حركة حداثة واعية وجادة تكتسح أجواء الوسط الثقافي المغربي، لكنها لا تزال في طور التكوين. هل تشهد تقدما ؟ لا اظن أن أحدا منا يستطيع الاجابة…طه عدنان: بروكسيل: بالرقص وحده لا يمكن تحريك الوسط الثقافي المغربيمن الصعب نفي الحراك الذي يعرفه المشهد الثقافي في المغرب، فالمركز الثقافي الفرنسي لوحده ينجز أنشطة غاية في الجدّية والاحترافية. لكنني ألاحظ أنّ هناك اتجاها واضحاً لتغليب ثقافة الترفيه من خلال مهرجانات موسيقية وفنية من النوع الذي يضمن انخراط الجمهور العريض علي باقي الأشكال الثقافية الأخري. والمؤسف أن الانتصار لهذه الأشكال الثقافية الكرنفالية، التي لا يُعوزها الدعم الخاص، من طرف وزارة الثقافة بالخصوص، يأتي غالباً علي حساب الأنشطة الثقافية الأكثر جدّية واحتياجاً الي الدعم العمومي. فموازين جاء ليُقبر مهرجان الرباط مثلاً. هذا المهرجان الذي كان معروفا بملتقياته الثقافية والأدبية كمهرجان الشعر المتوسطي الذي كان ينظمه اتحاد كتاب المغرب. رغم أنّ هذا الأخير كان يدعو اليه شعراء من أقصي سواحل المحيط الهادي فيما هناك شعراء مغاربة يكابدون قصائدهم وعزلتهم علي سواحل المتوسط دون أن يلتفت اليهم أحد.ومشكلة هذه الملتقيات، علي ندرتها، تكمن في أنها تحولت الي مناسبة للقاء نفس الوجوه. أدباء رسميون أو حزبيون، ومناديب مستقلون لجهات رسمية وحزبية. مسؤولو منابر ثقافية تتكرّر دعوتهم ليضمن الملتقي اشعاعه الاعلامي الدائم. متعهدو مهرجانات ومقاولو أنفار ممن لهم القوة الاقتراحية اللازمة والدائمة لبعث هذا ليتلو شعراً هناك وذاك لينثر نثراً هنالك. انها ثقافة من أكل دجاج الناس عليه أن يُسمّن دجاجه . ولهذا ربما طار عقل بعض الشعراء المغاربة مؤخراً عندما حُرموا من دجاجة النثر في بيروت لينبروا الي ترديد محفوظة أضاعوني وأي فتي أضاعوا . انه احساس المخذول الذي لم يردّوا علي تحاياه المتكرّرة بأحسن منها، أو بمثلها علي الأقل.ما نحتاجه اليوم صراحة هو استثمار التراكم الايجابي الذي يعرفه الانتاج الثقافي والأدبي المغربي في مختلف مجالات الفكر والثقافة والابداع، والتفكير في ممارسات ثقافية جادة تساهم في الرفع من مستوي هذا الحراك وتنخرط في الترويج له محلياً وعربياً ودولياً. أيضاً نحتاج الي قليل من النزاهة والديمقراطية في تعاملنا مع أدباء المغرب. لحسن الحظ هناك أنترنت، التي علي علاّتها، جعلت العديد من مبدعي المغرب العميق يفكّون الحصار عن تجاربهم الكترونياً. لكن علي المؤسسات، بدءا بوزارة الثقافة المتفرغة هذا الصيف بشكل كلّي لمهرجانات الرقص والغناء وانتهاء باتحاد الكتاب وبيت الشعر، أن تتعامل بجدية مع الدينامية التي يعرفها المشهد. نحتاج أيضاً الي بعض الاخلاص في العمل والصدق في المتابعة. فما معني أن تُصدر وزارة الثقافة مثلاً سلسلة متميّزة اسمها الكتاب الأول وتنجح في استقطاب نخبة من الأقلام الجديدة في الشعر والقصة وغيرها، لكنها وبمجرّد طباعة الكتب يتمّ اخفاؤها في مخازن موزّع مدلّل اسمه المركز الثقافي العربي لا يوزّعها حتي في الرباط، مقر الوزارة، بل ولا يعرضها حتي في مكتبته الخاصة بالدار البيضاء؟ وحينما يريد الكُتاب شراء نسخ من كتبهم لتوزيعها مجّاناً علي الأصدقاء لمشاركتهم فرحتهم باصدارهم الأدبي الأول يكون عليهم أن يتفاوضوا طويلا مع هذا الموزّع الذي يُشهر في وجوههم أسعاره الصارمة وآلته الحاسبة بفجاجة تاجر خردة. ان المغرب الثقافي في حاجة الي مشاريع جادة بمسارات واضحة. والمؤسف أن أغلب مشاريع مؤسساتنا الثقافية في المغرب (الكتاب الأول، الدعم المسرحي، دعم النشر، الخ) رائعة من حيث المبدأ لكن عدم متابعة التنفيذ بجدية وانشغال المسؤولين عن ذلك بمهرجانات الرقص والغناء يكاد يُفرغها من مضمونها. ورغم أنني لست ضدّ فن الرقص علي الاطلاق، لكن ليس بالرقص وحده يمكن تحريك الوسط الثقافي المغربي.حسن الوزاني: الرباط: أعيش في بلد لا تتجاوز حصة ميزانية أسرته الخاصة بالثقافة والتعليم والترفيه ثلاثة في المائة من ميزانيتها العامةلا أحب أبدا خطاب الأزمة. خصوصا حينما يتعلق الأمر بالحديث عن الثقافة المغربية، اذ اشعر أننا نحتاج أكثر الي أن ننظر الي هذه الثقافة والي مشهدها كما هي وكما هو بدون أن نتماهي في المقارنات، خصوصا حينما يتعلق الأمر بمقام لا يسمح بأكثر من انطباعات سريعة. فخطاب الأزمة يلغي كل العلامات المضيئة التي يمكن أن يحفل بها مشهدنا الثقافي. نحتاج أكثر الي قراءة عادلة. وهي قراءة يقتضيها الوضع المركب والمفارق لثقافتنا ولمشهدها العام. فالمغرب كان من آخر الدول العربية التي عرفت دخول استعمال الطباعة الحجرية. وتأجل صدور أول ديوان شعري الي سنة 1936. ولم يكن الانتاج الأدبي يتجاوز خلال فترة طويلة خمسة أو ستة أعمال في السنة وتأخر ظهور دور النشر المهنية الي منتصف ثمانينيات القرن الماضي وظلت نسبة الأمية مرتفعة بشكل مرعب الي غير ذلك من المؤشرات. وفي نفس الوقت، استطاع المثقفون والكتاب المغاربة، بامكانيات بسيطة في غالب الأحيان، صنع لحظات مشرقة في مجالات الابداع الأدبي وفي حقول البحث في العلوم الانسانية وغيرها وذلك في غياب مؤسسات ثقافية وأدبية بمعناها الاحترافي الصرف. لا أسمح لنفسي بأن أحلم بمشهد ثقافي أشبه بأي مشهد أوروبي علي سبيل المثال حيث تصدر في بلد واحد وخلال لحظة الدخول الثقافي فقط أعمال روائية يفوق عددها بكثير ما أنتجناه خلال قرن ونيف، وحيث حققت مؤسسة الكاتب والكتابة تراكما مذهلا أشبه بما قد تحققه المؤسسات الأخري، ذلك لأنني لا أحب أن أنسي أنني أعيش في بلد لا تتجاوز حصة ميزانية أسرته الخاصة بالثقافة والتعليم والترفيه ثلاثة في المئة من ميزانيتها العامة، حسب الاحصاءات العامة، وحيث ينفق المواطن المغربي، في المعدل، دولارين في اليوم لتغطية مجمل متطلباته بما فيها الأكل والشرب والثقافة والسفر واللباس وغير ذلك، حسب الاحصاءات الرسمية دائما وقد يكون الوضع أكثر سوءا من ذلك. ثقافتنا تستحق وضعا أفضل ومشهدا حقيقيا، غير أن ذلك لن يتحقق الا حينما يكون المواطن، باعتباره مثقفا أو مستهلكا مفترضا لهذه الثقافة، في وضع جدير بانسانيته أولا. كما أنني أتجنب التماهي مع بعض الكليشهات التي قد تقودني اليها القراءة الانطباعية . كنتُ خلال فترة طويلة أنظر الي ثقافة الفقهاء والعلماء المغاربة خلال القرن التاسع عشر وما قبله كثقافة محافظة ومنغلقة علي ذاتها ومظلمة. ثم قادني الانصات والتأمل والبحث في بعض معالمها الي اكتشاف قساوة بعض الأحكام التي نستهلكها. وأجد الآن أن هؤلاء الفقهاء والعلماء قد استطاعوا أن ينسجوا تواصلا حقيقيا ومدهشا بين أعمالهم. ويعكس هذا التواصل، الذي يتبدي خصوصا من خلال فهارسهم وحواشيهم وشروحاتهم، عن شجرة مدهشة لسيرورة المعرفة، بغض الطرف أحيانا عن طبيعتها. ويعني ذلك أنهم كانوا أكثر تواصلا منا نحن الذين نتبجج بتكنولوجيا المعلومات والاتصال. ويعني ذلك أيضا أنني أجد الأمر كافيا لعدم التماهي مع جرد ما لايروقني في الثقافة المغربية الحديثة وفي مشهدها. علي الأقل ليس في حيز كلمة عابرة. ابراهيم الحجري: آسفي: مشهد ثقافي كله وحل في وحليا أخي لقد قلبت علي المواجع، كيف يمكن أن أحدثك عن حال الثقافة بالمغرب في بضعة أسطر؟ واقع الثقافة عندنا كواقع السياسة، ومن يصل الي السياسة يتحكم في الثقافة؛ حتي ولو كان أميا، بالكاد يعرف كيف يرتمي في حضن زوجته، ويملأ بطنه الجحيمي. الثقافة عندنا رافد من روافد البدع والضلالات وقنطرة للعبور الي المناصب والدرجات، بعضهم ينتمي الي اتحاد الكتاب وهو لا يقدر علي كتابة مقال فصيح، وبعضهن دخلت الشهرة من بابها الواسع لا لشيء الا لأنها رعت نزوات فلان وجالست فلفلانا في مقهي ما، المثقف عندنا ليس هو الذي يقول الحقيقة ويفضح الترهات، بل هو الذي يجيد المناورة ويعرف كيف يجامل بنزق، المثقف هو الذي يحمل بطنه وجزأه السفلي ويهاجر بحثا عن طرائد في سوق المهرجانات الشقافية (بالشين)، بحثا عن جسد وخمرة ومأكل، سوق الثقافة عندنا تحارب النبغاء وتهمش المبدعين الحقيقيين، وترفع من هب ودب وتُتَعَلم في النقابة والجمعيات ومقرات الجمعيات، بمعني آخر ان مصير الثقافة عندنا يطبخ في مقرات الأحزاب، والتمثيلية لا بد أن تمنح ولو كان المعني قردا. هنا، المؤسسات ترعي فساد القيم الثقافية وتدعم الفقاعات وتزرع الشر وتنمي الرداءة، هذا هو حال الثقافة والمثقفين عندنا: هزال، نميمة، كذب، مجاملات، ولا شيء في القراب غير السم البشري. والملفت للنظر أن هذه الظواهر العبثية تبرعم بمباركة من بعض المثقفين الذين يفترض فيهم تصفية الواقع من الطفيليات والمكروبات. ورحم الله من قال اذا أسندت الأمور لغير أهلها، فانتظر الساعة . وفي خضم هذا الوحل تنطفئ الاشراقات الجميلة التي قد تومض لحظة ثم تصطدم بواقع الحال فتتراجع. كنا نقول انه مع الجيل الجديد ستتغير الأمور جذريا، غير أن الطامة الكبري بدأت معالمها تتضح: جيل فارغ غير قادر علي التحدي، كل همه التسابق نحو العضوية في الاتحاد عن طريق المجاملة والتمسح بالأعتاب، والتزاحم علي الحضور المشوِّه والمذل في المهرجانات والمواسم السوقية والأيام والليالي والأسابيع التي تحرق فيها أموال الضعفاء والمساكين، لا لمناقشة القضايا العالقة للثقافة والفن والواقع، بل لاشباع الرغبات المتعددة المكبوتة التي لا تشبع مثل ناقمة رهيبة. اصلاح المشهد الثقافي يبدأ بالذات، أن تتكون وتطالع وتقرأ وتبتعد عن زحام اللقاءات الفارغة التي لن تكون سوي نسخ لفقاعات متشابهة، فكل العباقرة قلما تظفر بهم حتي في الأماكن العامة، فبالأحري في هذه المهرجات واللقاءات الشوهاء التي لم تعد تليق حتي بـ شيخات الدواوير ، وأن لا تجامل وتقول كلمة حق ولا تشهد زورا، أن تقرأ وتكتب في صمت لتكون، بذلك، المثقف الذي ينطق ان فشل السياسي؛ وتكون الفيصل ان اشتبكت الفصائل وتناحرت القيم. وعصارة القول انه مادام المثقف هشا فلن يكون هناك سوي سياسي هش ومجتمع مدني هش وبنيات هشة وهلم جرا وجرجرة. عبد العزيز الراشدي: ـ زاكورة: الفضل في الحركة الثقافية يعود للهوامش لا المركزتريدني أن اكتب عن المشهد الثقافي المغربي،وعن زواياه المعتمة، ومشاكله، وعن رأيي وانتقاداتي، ورؤيتي للمؤسسات الثقافية، وهل ثمة حركة ثقافية بالمغرب؟ أم أنه الوهم فقط؟ وتسألني عن حيز الثقافة في واقعنا وعما يحز في نفسي ؟ كل ذلك في صفحة واحدة…ماذا أقول..؟ هل أبدأ من النهاية وأقول ان ما ينقصنا كثير؟ أريد أن يكون للمبدع قيمة، وأن يحصل علي دعم لأنشطته سواء من الدولة أو المؤسسات الخاصة، وأن يراعي وضعه الاجتماعي وشروط حياته واستقراره النفسي …كيف نطلب منه أن يبدع في ظل شروط غير متوازنة؟ يجدر بالمؤسسة أن تراعي خصوصية المبدع، وأن تمنحه المكانة التي تليق به، سواء عبر طبع كتبه أو دعم اللقاءات والأنشطة ،لأن تشجيع الثقافة هو السبيل نحو بناء مجتمع متحضر،وهو العمود الاساسي للتنمية التي نتحدث عنها صباح مساء دون تفعيلها..وهو أساس بناء صورة مشرفة ..شوف يا صديقي، لماذا لا يستفيد الكاتب المغربي من التفرغ كما هو الشأن بالنسبة لبعض الدول التي تحترم المبدع؟ وأين هي كلمة كاتب في البطاقة الوطنية؟ وأين هو تأمين الكاتب الصحي؟وأين …أما عن مشاكل المشهد الثقافي بالمغرب فلحسن الحظ،لم يعد هناك قمع للحريات كما في الماضي، أعني ليس بنفس الدرجة علي كل حال، فلا رقيب علي الكتب،والمطبــوعات، لكن للأسف، بدل أن تقمع الدولة المثقف، أصبح المثقف يحفر حفرا لأخيه،وفي المحصلة، يقع فيها، لأن ذلك يؤثر علي وضعه وصورته أمام الناس..لم تعد النخبة المثقفة موحدة ولم يعد الكاتب يساند أخاه، وأصبحنا نعيش انتفاخا مرضيا للذوات، وتملقا ومديحا مجانيين..لدينا حركية ثقافية بالمغرب، مقارنة مع المشهد الثقافي في باقي الدول العربية، والفضل فيها للهوامش المبدعة التي تناضل من أجل الحياة لأنها تؤمن بالثقافة وقيمتها، ولدينا قراء متعطشون للكتاب، لكن ينبغي علي الدولة أن تبذل مجهودا أكبر لدعم الثقافة والنشر كي يصل الكتاب الي القارئ ويكون في المتناول..ولأن قضايا هذا الكائن المسمي مغربيا مترابطة،فان النظر الي واقعه الاجتماعي وتحسين شروطه وتوفير الشغل له طريق قصير نحو استقراره، وحين يشبع البطن ،كما نقول في المغرب، يقول للرأس غنّ…أم يقول له أُكتُبْ؟أحمد بوزفور ـ الدار البيضاء:لم يتبق لنا سوي الأمل الذي لا يروقني ليس هو القضايا أو الموضوعات أو الأشخاص أو الانتاجات. الذي لا يروقني هو طريقة القضايا وطريقة طرح القضايا وطريقة تناولها وطريقة استثمارها في الساحة الثقافية.ففي اطار الاستراتيجية المغربية للتنمية لا تشكل الثقافة الا مرتبة دنيا في اهتمامات الدولة والأحزاب والمثقفين أنفسهم.وبناء علي هذه النظرة الدونية للثقافة، لا تطرح القضايا ان طرحت بجدية ولا يستمر النقاش فيها حتي يحرز تقدما، ولا تستثمر نتائج الطرح، بحكم هزالها، وبحكم الاهمال، في توسيع قاعدة المهتمين وتعميق اهتماماتهم.ربما تحت ضغط الظروف الاقتصادية أو بحكم احتدام المنافسة الانتخابية أو بحكم النظرة الأمنية الي الحراك الاجتماعي أو هيمنة الثقافة التقليدية المريحة للعقل بالغائها الشك والنقد واقصائها الفرد والمستقبل والمرأة والطفل… ربما لبعض ذلك أو لذلك كله تتراجع الثقافة بمفهوم النقد أو الابداع وخلخلة الراكد في اللاوعي الجمعي وحرية التفكير والتعبير والنقاش- يوما بعد يوم في حياتنا الاجتماعية.لكن رغبة الشباب الحارقة في الخروج من هذه الشرنقة رغم كل شيء واصرارهم علي الانتاج الحر في هذه الظروف…. يوحي بشيء من الأمل، وهو الذي بقي لنا من الثقافة الآن علي أي حال.0