قراءة نقدية في أعمال الفنانة الفوتوغرافية سارة أيت بن عبد الله

حجم الخط
2

استطاعت الفنانة سارة أيت بن عبد الله أن تثبت للساحة الفنية ما تحمله من تقنيات جديدة في فن التصوير الفوتوغرافي للتدليل عن آرائها وتصوراتها وفلسفتها في التعبير بالتصوير الضوئي، إذ تبدي قدرتها الفائقة في توظيف الصورة على عدة مناح، منها التكوين والأداء التصويري والتقنيات والتعبير بما تحمله كل هذه المعالم من مفاهيم وأفكار ورؤى تتجسد في التقنيات التي تستعملها لبعث القيم الفنية والجمالية في الصورة.
فهي التي تجسد كل مقومات الصورة المتكاملة والمتناسقة في مختلف المضامين التي تنفذ الى الأعماق والتي تتضمن القيم الفنية والإنسانية. موظفة من خلال الإشارات التي تحتويها أعمالها: الأيقونات والتماثيل والمؤشرات التي ترصد العلائق المختلفة بين الدوال والمدلولات، تحضُر في أعمالها الابداعية التي تؤسسها على البعد التقني والجمالي، عن طريق إخضاع المادة للتصورات الجمالية، مؤوّلة الفضاءات والمشاهد والشخوصات، برؤيتها الفنية الفوتوغرافية، إلى منتوج بلاغي جديد، حيث تنطلق من موقع معيّن ومركَّز لأخذ الواضح، وغير المرئي، والمعتاد، لكن بطريقة فنية، تجعلها تعيد تأسيس المشهد، وتعطيه أبعادا ودلالات أخرى، تسمح لها بالانفصال عن المشهد الواقعي، والارتماء في المشهد الجمالي الفني، لتمنح للمتلقي فرصة قراءة العمل أو – بتعبير دقيق- قراءة اللوحة الفنية، في أبعادها الجمالية والفنية، ومضامينها الفلسفية، وللتدليل على ذلك، استنطاق الطفولة البريئة، ومشاهد اجتماعية… فهي تتميز بجودة الالتقاط، والتصوير الدقيق، وصياغة محتوى الصورة في حلة فوتوغرافية فنية تحتوي جهازا مفاهيميا وتعبيريا، وهذا طبعا يتأتى بتوظيف حدس الفنانة الواعدة سارة أيت بن عبد الله وموهبتها في الإبداع والابتكار وبعث الجديد، لأن ذاكرتها تشتغل في مختبر المواد المختلفة، بتفاصيلها وحيثياتها التي ترسخت في تصوراتها مسبقا، غير مرئية، تنسُج منها موقفا أو قضية، لتضع المتلقي أو الناقد أمام عوالم استطاعت عدستها أن تلتقطها بروح فنية عالية، لتشكّل منها موضوعا أساسيا ورمزيا، إلى أن تكتمل الرؤية التي تقود عملها الفني الى التعبير الدقيق عن قيم وفضائل وميزات إنسانية بعمق تعبيري وثقافي واضح المعالم. والظاهر في هذه التجربة، هي تلك الرؤية النقدية التي تحملها أعمالها في بعدها الجمالي والفني والدلالي المستمد من الواقع، وفي اختراقها له بالإحالة عليه، وبصنع مسافة تغشي المضامين.
لكن وحدها الرؤية البصرية النقدية تستطيع تخبير محتويات أعمالها، والكشف عن فنية الفنانة سارة الفوتوغرافية وابتكاراتها التي غالبا ما تقودها إلى أشياء العالم الخفية. فغالبا ما تضع مقطعا لمشهد ما، كشواهد لأطفال في وضعيات اجتماعية مثلا، دالة لهذا المعنى، باعتباره تلك المادة المستقبلية التي تعود إليها كل المشاهد.
فتجعل المتلقي يغوص في رحلة فلسفية بين الواقع والصورة، لتشغيل حواسه، وللوقوف عند الرؤية الفنية المختبئة وراء الأعمال، والوشائج التي تجمع بين عناصرها. فهي تتبدى بذلك مهووسة بفضاءات وشخوصات تخييلية وواقعية تتأملها، وتحاول العبور إليها بأسلوب ممنهج، يفسح المجال لتوظيف المهارات الفنية والتقنيات الفريدة، مما يخدم الأهداف ذات الدلالات والمغازي العميقة. لتختلف الصورة كليا عن الصورة المعتادة لما تحتويه من ما ورائيات وإشارات وعلامات وإيحاءات، لها تأثيراتها الخاصة ومعاييرها الجمالية النوعية.
إن الفنانة سارة تعِد بتجربة رائدة في فن التصوير الضوئي تجعل فنها في مصاف الفن الراقي المعاصر. فاشتغالها على مواضيع اجتماعية متنوعة بما تطرحه عدستها من إشكاليات فلسفية مختلفة تصب في القيم الفنية والجمالية والقيم الاجتماعية وقيم الحياة والطفولة، فهي تتجه إلى التقاط صور دقيقة للطفولة بكل متناقضاتها.. فالطفولة ومفرداتها حاضرة في غالبية منجزها الفني.
ويمكن أن نقول بأنها تمتح مقومات أعمالها من أسلوب يتأسس على الحيادية والدقة العالية والتقنية الكبيرة في معالجة الصور، فتصور وفق المؤثرات الضوئية والوعي بمستويات اللون المطلوبة التي تتناسب ورُؤاها المعرفية وحسها الابداعي وذوقها الرفيع.
وهي بذلك تنطلق من الواقع لتنوع الأساس الصوري بأسلوب فني يخدم رؤية مشدودة بعبَق المعالم الاجتماعية، فتغوص في حضرة الفن الفوتوغرافي الذي لا يكتفي باستدعاء المادة، والاشتغال عليها؛ وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما هو رمزي وعلاماتي وتعبيري وإيحائي ودلالي، ليس كقيمة بنائية، وإنما كخلفية سنادية تُدللُ على وعي الفنانة سارة بأعماق ما تكتنهه المادة المصورة، وايلائها لها أهمية كبرى، سواء من حيث المجال الجمالي الذي يرصد السمات العديدة التي تتوفر عليها أعمالها المصورة، أو من حيث صنع الايحائية لديها، والتي تنبني على التوازن وعدة مقومات قاعدية تخص الفن الفوتوغرافي.
وتوظف لعمل ذلك النظرة البعيدة الثاقبة، وابتعادها عن التعقيد، وتوظيفاتها الدقيقة لحاستها الحادقة التي تفرز سحرية أدائها، وتكشف عما تخبئه أعمالها من محمولات جمالية تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة وفقا لما تلتقطه بدقة عميقة وعناية فائقة من مسافات مختلفة، تتبدى للمتلقي ما لم يكن في استطاعته رؤيتها بذلك الشكل. وهذا يعد ملمسا جديدا وإبداعا مميزا في أسلوب الفنانة سارة أيت بن عبد الله التي ترصد في أدائها الفني التعبيري العلاقة القويمة بين الاشارة والموضوع وفق المرجعيات المنبثقة من الواقع، لتشحن العمل بطابع رمزي ودلالي، يمكّنها من تخليد مفردات المضامين القيمية التي تشتغل عليها في ارتباط وثيق بالمكونات الثقافية والمعرفية التي تؤطر العمل في جوهره، وتنم عن أفكار المبدعة المتجددة، وخيالها المنفتح على مستوى التكوين والإضاءة، وهو ما يضع المتلقي أمام أعمال تنطق بمعان ودلالات متعددة، غنية بالإشارات في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية في علاقة ترسخ جانبا من التداخل بين كافة العناصر المنفصلة بكل ما تحمله الاشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب الفوتوغرافي، وما تكتسيه الصورة من وظائف بنائية ودلالية تحيل لمجال جديد لوضع تمظهرات الطبيعة وفنون العمارة والمراكز وكافة المواد بعمق وفرادة في تصورات الفنانة الرائقة سارة، والتي تعج بالايجابية في التعبير عن العالم البديل. وهذا هو ما يبين الاتجاه الجاذب في هذا الفن الذي يحتوي فلسفات أخرى جديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية