عدنان الصائغ: الشعر هو مرآتي… أرى فيه نفسي وأتأمل داخلي والآخر

حجم الخط
2

أجرى الحوار عبد الله المتقي: عدنان الصائغ : شاعر عراقي يحمل في جبته الكثير من الأعمال الأدبية، وكثيرا من الوجع والغربة والحنين إلى أرض اسمها العراق ووطن كما ينبغي أن يكون لا كما هو كائن .
هو شاعر مائز حفر اسمه في ديوان الشعر العربي الحديث بجدارة المتمرسين والعاشقين للقصيدة حد الجنون والمنع، في هذا الحوار الخاص بالمجلة العربية، كان هذا الحديث عن البدايات، عن المنفى، عن عذابات القصيدة، وأشياء أخرى تعني أحلام القصيدة :

أجرى الحوار : عبد الله المتقي
* ما الذي قادك إلى المنفى، حتى اصطبغت قصائدك بعذاباته؟
*’كأن المنفى قدري الذي قادتني إليه رحلة البحث عن الحرية، فراراً مريراً (ومتكرراً) من بلد تحيطه صور الرئيس الأوحد، وعمّة الفقيه الأوحد، ومسدس الحزب الأوحد، ومقصات الرقيب، وبساطيل العسكر.. ثم فيما بعد مجنزرات الاحتلال، وميليشيات الظلام، و’شعارات وفتاوى المقاومة والتكفير والتطبير’.
مثلما كان المنفى قدر الكثير من الشعراء العراقيين، منذ البابليين، وربما قبلهم. إلى يومنا هذا..
فقد عثر على رقيم لشاعر بابلي مجهول عاش قبل أربعة آلاف سنة، يقول فيه:
لقد نفتنا الآلهة
لقد نفتنا الآلهة
غرباء حتى مع أنفسنا
نجوس أزمنة التأريخ والمستقبل
دون قيثارات
هكذا كان حكمنا الأبدي
رحلة بحارة يعشقون النبيذ..’
واسمع أحمد الصافي النجفي قبل أن يموت بمنفاه في بيروت:
يا عودةً للدار ما أشقاها””””””””””أسمع بغداد ولا أراها
وتتبع مقابر الجواهري وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وسركون بولص وغائب طعمة فرمان ومصطفى جمال الدين وهادي العلوي وسيف الدين ولائي، والقائمة تطول والمنافي تتسع والروح تعتصر..’.
* هل منحتك القصيدة شيئاً من الدفء للتخفيف من صقيع المنافي؟
* بالتأكيد، فالقصيدة هي الملاذ مثلما هي الصليب، وهي الوطن والبيت والدفء بعد (وحتى قبل) أن شتتنا المنافي.
الشعر بالنسبة لي هو السمير الأبدي، الحنون والمشاكس، العاشق والثائر. العابد والكافر، القنوع والمتمرد، الهامس والصارخ، السلس والعنيد، العذب والمر، المجنون والحكيم.. و.. و..
* أما آن الأوان لأوبة عدنان الصائغ من منفاه؟
* أوبةٌ إلى أين؟ ما احتاجه قليلٌ من الخبز وكثير من الحرية بما يكفي لكتابة قصيدة أو عشق امرأة.
ما احتاجه بيت آمن لا يطرق بابه زوار الليل حين أكتب عن الله أو السلطان أو الجنس أو الوطن أو.. أو..
أوبةٌ إلى أين؟ حقاً!!
إن وطن الشاعر ومنفاه (أيضاً) ليسا هما البقعة الجغرافية التي ولد فيها أو نفي إليها.
ألم يقل علي بن أبي طالب قبل حوالي ألف واربعمئة عام: ‘الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن’.
بمعنى أن وطن الانسان هو كرامته، وخبزه، وأمنه. وقبل كل شيء وبعد كل شيء: حريته..
فاذا كان سيد البلغاء يعدُّ الفقر غربة، فما بالك بالقمع والاستلاب والمصادرة، وما بالك بالجهل والحروب والحصارات والسجون.
وطني الآن حريتي، قصيدتي، كرامتي، وعيي، نبضي، مكتبتي، امرأتي، خبزي، كأسي، أغنيتي، صديقي، حلمي….
كما أحمله في روحي: صوراً من الطفولة وأغانيها، وحشداً من الذكريات والأصدقاء والمكتبات والحبيبات والأرصفة و.. و.. و…
لم تعد تخدعنا تلك الشعارات المزركشة: ‘نموت يحيا الوطن’.. ‘كل شيء من أجل المعركة’..
‘أنا شختُ قبلَ أواني
ألمْ تبصروا رئتي سوّدتها الشعاراتُ لا التبغُ
ألمْ تبصروا قامتي حدّبتها خطى العابرين إلى الأوسمةْ
آهِ… مما يكتّمُ قلبي…’..

كانوا يدفعوننا للموت، وهم خلفنا يواصلون قهقهاتهم وحياتهم الباذخة..
‘يعدوننا بالجنانِ الواسعةِ
كي
يسحبوا
من
تحتنا
الأرض’..

كانوا يدعوننا للصمود والتضحيات، وكانوا أول المنهزمين وأول المنتفعين.
في قصيدة ‘قادة’ التي ضمها ديواني ‘تأبط منفى’، وصفتهم بوضوح كما رأيتهم بأم عيني عام 1991:
‘ستعرفينهم من الأحذيةِ التي تركوها
”””””.. قبل أن ينهزموا
ستعرفينهم بالتأكيد
هؤلاء الذين ملأوا منابرَ المدينة
بطبولِ بطولاتهم
ترى أين نجدهم الآن
لنعرف كيفَ سمعوا قبلنا
بأولى الاطلاقاتِ
نحن الذين كنّا مجرَّدَ آذان’

* لمن يكتب الشاعر في المنفى؟’
* الشعر هو مرآتي. . أرى نفسي، وأتأمل داخلي والآخر. أحاورهما، أصغي لهما، أشاكسهما، اتمرد عليهما، أتسكع معهما على أرصفة الحياة والكتب والأحلام..
قد يكونني الآخر، قد أكونه. قد يكتبني، قد أكتبه، قد نكتبه أو نكتبنا معاً. قد نلتقي أو نفترق وما بينهما. هل الشعر هو أنا أم الآخر؟ وهل أكتبه لي أم للآخر؟
‘يدوّنني نَصّي؛
أم أدوّنهُ
مَنْ بنا الآخرُ!

مَنْ
بنا
الكاتبُ!؟’

وبهذا المعنى وتسايراً معه قد أكتب لنفسي أو لأصدقائي أو لقراء لا أعرفهم.
أكتب كي أمد جسوراً مع الآخر.
أكتب كي أحرّض الآخر الذي في داخلي، أو أحرّض داخلي الذي هو في الآخر.
أكتب لقارئي الذي في الوطن أو المنفى أو في اللاوعي، أو أكتب لمن لا يقرأني.
أكتب لقاريء لم يولد أو يأتِ بعد، ولأوطان لم أزرها بعد، وللغات لا أعرفها..
* بدأت عمودياً، ثم هربت شعرك صوب قصيدة التفعيلة / النثر، هل هي رتابة الروي؟ أم هناك أسباب أخرى لا يعلمها سوى عدنان؟
* العمودي هو التمرين أو التجريب الأول للشاعر الذي كنته في مدينة تتغرغر بالشعر العمودي. وفيها نشأت واحدة من أكبر مدرستين في النحو العربي؛ مدرسة الكوفة. وولد ونشأ فيها معجزة الشعر العربي على الإطلاق أبو الطيب المتنبي. وولد فيها برأيي – أبو الحداثة وقصيدة النثر العربية محمد عبد الجبار النفري.
أعود فأقول بعد التمرين الأول، ونتيجة للتأثيرات البيئية والثقافية والنفسية (الحرب، القراءة، الذعر)، اتسعت الرؤية وضاق الشكل بالشاعر، فوجدت القصيدة الحرة نافذة أوسع سرعان ما ضاقت بي أيضاً لانفتح على او تنفتح لي قصيدة النثر ولتأخذ بي إلى مديات ومتاهات لا حصر لها، ومنها إلى النص المفتوح، عائداً منه وبه – بين الفينة والفينة – إلى الأشكال الأولى، ومازجاً فيه اشكالاً شتى أملتها التجربة والتجريب، والوعي والألم معاً.
* أنت من جيل الثمانينيات الشعري في العراق، ما الذي بقي من هذا الجيل؟’
* بقي الكثير والقليل. الكثير من الضجيج والإدعاء، والقليلُ من الكواكب اللامعة بابداعها واصالتها ووهجها. وهذه هي طبيعة كل جيل وتمخضاته، هنا أو هناك، قديماً أو حديثاً. ولا ضير في ذلك أبداً. انظر لما يقوله بورخس:
‘إذا بقي من أكبر كبار الكتاب سطراً واحداً، فيكون قد عمل شيئاً عظيماً’.
فليس العبرة كم يترك الجيل من أسماء ونصوص…. وأنما فيما سيبقى منه من اشعاع ومن ابداع حقيقي خالد..
من جانب آخر أقول إن جيل الثمانينات وكالعديد من الأجيال، السسابقة والاحقة تناهشته وتقاسمته وقسّمته الحروب والشعارات والحصارات والمنافي، إضافة إلى ‘حروبه ومنافيه وحصاراته الداخلية’ أي داخل تكتلاته الجيلية نفسها. أي بمعنى أنه عاش ويعيش حربين وحصارين ومنفين:
*كيف ذلك؟
* حرب الخارج (حرب ايران وغزو الكويت، وبعدها أساطيل العالم)
– وحرب الداخل (الدكتاتور والقمع والمصادرة من جانب ومثقفي الدكتاتور وأتباعه من جانب آخر).
– منفى الداخل (والذي لخصه قول أبي حيان التوحيدي: ‘أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه’).
– ومنفى الخارج (والذي لخصه قول ناظم حكمت: ‘يا لحياة المنفى من مهنة شاقة).
– حصار الداخل: (الرقابة والتهميش، ومنع السفر والتواصل مع العالم).
– وحصار الخارج: (التهميش أيضاً وابعادنا عن المشاركات العربية والعالمية).
والخ.. والخ..
نعم كانت حروباً شرسة ووقعاً لا يوصف، لا أدري كيف خرج البعض منا سالماً وسط حقول الألغام التي قُدر لنا أن نسير فيها.
فقد وصفتُ الكتابة الإبداعية داخل الوطن وقتها بأنها أشبه بـ ‘مشي في حقول الألغام’. كما حملت إحدى قصائدي الطويلة”هذا العنوان: ‘خرجتُ من الحرب سهواً’..
حروب زُججنا بها قسراً على سواتر الموت لأكثر من عقدين، لنصل فيما بعد إلى منافينا مكتهلين مثقلين بخساراتنا واحباطاتنا. ومن جانب آخر: انشغل الكثير من شعراء الجيل أنفسهم بمعارك قبلية جانبية وتشويهات، يلصقونها بعضهم البعض، ومصادرات وتهميش وغير ذلك..
فكم من انطلوجيا أو دراسات، مثلاً، ظهرت عن الجيل، من قبل أدباء الجيل أنفسهم، نرى فيها بعضاً يهمّش بعضاً أو ينتقم من بعض.
لكن ووسط هذا الركام والعجاج والضجيج الفارغ ظلت وتظل بعض الكواكب الشعرية المبدعة، نائية بنفسها ونصوصها، عن هذا الوحل، تكتب وتنجز وتشارك وتسعى وتتطور وتحلم..
*’يقول شارل بودلير ‘القصيدة طفولة ثانية’، وأنت ما هي قصيدتك؟
* قصيدتي خربشات مشاكس على جدران العالم، فيها من الطفولة والحكمة، كما فيها من الحلم والوجع، والقراءة والعفوية، والحفر والانسياب، والسيرة والمخيلة، والمعاصرة والتراث..
إنها لا تستقر ولا تهدأ. سفر دائم في مجاهيل الذات والعالم. واستقراء للمسكوت عنه في التراث والواقع. وثورة على القبح والظلم والجمود.
ولك من ديواني ‘تحت سماء غريبة’ 1994:

‘كان يلزمني لاجتراحِ القصيدةِ:
””طاولةٌ خارج اللغةِ البيتِ (معنى يشكّلهُ الطفلُ،
””””””””””””””””’قبل الفراشاتِ،
””””””””””””””””””’في رعشةِ البرعمِ الغضِّ)
قلبٌ يدلُّ الغيومَ إلى زهرةِ الجلّنارِ..’
* ما الذي ظل في داخلك من أحلام بعد هذه الفوضى والتسكع على أرصفة الورق؟
* أحلام تتناسل وتتوالد من رحم الوجع، تحاول أن تؤسس ممالك الحب والجمال على سطح هذا الكوكب الورقي، بعيداً عن القتل والقمع والظلام والجهل والمصادرة.
في كتابي النثري الأخير ‘القراءة والتوماهوك، ويليه، المثقف والاغتيال’ الذي صدر عام 2010 والذي يربو على 780 صفحة، كنت أتساءل بوجع وحيرة: ‘ما الذي يمكن أن يقوله أو يفعله شاعرٌ، إزاء ما جرى ويجري، لوطنه وشعبه وثقافته، بكل ما يخطر وما لم؛ ببال.
وأين يقف، كذلك، من اصطراع العالم واضطراباته: سطوة التاريخ، وأبواق السياسة، وتابو الجنس، وطواحين الدين.
لقد اختنق العالم ولم يعد له من منقذٍ أو هواء إلاّ الشعر، بوصفه أعلى درجات السمو البشري، والحرية، والجمال، والتمرد، والتجدد.
انها محاولة؛ لأن يؤسّسَ الشعرُ مملكته، والتي لن يطردَ منها افلاطونَ، ولا الفقهاء والسياسيين – كما طردوه – بل لن يطردَ أحداً..
محاولة؛ لبناء مملكة الإنسان، بعيداً عن الحروب، عن الطغاة والغزاة، والظلاميين، عن الجهل والجوع والخنوع، وعن الشعارات أيضاً.
ليكون العالم الوطن الروح؛ واحةً مفتوحةً للخضرة والإبداع والشمس.
.. وهذا لا يتأسّس إلاّ بالحبّ الذي لا يتأسّس إلاّ بالإنسان الذي لا يتأسّس إلاّ بالحرية التي لا تتأسّس إلاّ بالوعي الذي لا يتأسّس إلاّ بالمعرفة التي لا تتأسّس إلاّ بالقراءة التي لا تتأسّس إلاّ بالكتاب الذي لا يتأسّس إلاّ بالكاتب الذي لا يتأسّس إلاّ بالحياة التي لا تتأسّس إلاّ بالجمال الذي لا يتأسّس إلاّ بالفن الذي لا يتأسّس إلاّ بال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية