التصوف والسلطة بالمغرب الموحدي: مساهمة في دراسة ثنائية الحكم والدين في النسق المغربي الوسيط (1 ــ 3)
حكاية لقاء بن تومرت مع حجة الاسلام الغزالي غير صحيحة ولم يوكله الامام اصلاح الاسلام في المغرب التطرف الدموي في حركة الغزو الموحدي قد مهدت مباشرة للإقبال الشعبي الواسع علي التصوف الزهديالتصوف والسلطة بالمغرب الموحدي: مساهمة في دراسة ثنائية الحكم والدين في النسق المغربي الوسيط (1 ــ 3)محمد الشريفيتضح من القرائن المصدرية، ومن مختلف الدراسات القطاعية الحديثة المتصلة بتاريخ الغرب الإسلامي، أن التصوف شكل أحد أبرز الحساسات الدينية داخل مجتمعاته، وأحد مقوماتها الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية، بل وحتي السياسية والاقتصادية. فهو أحد أبرز عناصر التراث الإسلامي التي كان لها تأثير عميق في مجري الحياة اليومية لمغاربة العصر الوسيط.ولئن كانت بدايات التصوف المغربي ـ مثلها مثل بدايات التصوف المشرقي والأندلسي متواضعة، متمثلة في الممارسات الزهدية التي كان يحياها بعض النساك والمتعبدين، كما تخبرنا بذلك مختلف كتب التراجم المغربية والأندلسية، فإن التصوف سرعان ما اكتسح النسيج المغربي بمركبيْه القروي والحضري، وأخذ يتسلل حتي إلي أوساط عامة المثقفين وخاصتهم، وأصبح قوة اجتماعية وسياسية فاعلة. بل استطاع المتصوفة -لأسباب متعددة- أن يفرضوا وجودهم علي الدولة المغربية منذ نهاية القرن السادس للهجرة/ الثاني عشر للميلاد. فقد بلغوا من القوة شأوا، بحيث أصبح ثقلهم الاجتماعي والسياسي أمرا يستوقف الباحث. ويكفي أن نتصفح بعض المؤلفات المناقبية، مثل كتاب المستفاد لمحمد التميمي، أو السر المصون لطاهر الصدفي، أو التشوف لابن الزيات التادلي، أو المقصد الشريف لعبد الحق البادسي، لنقف علي حقيقة تغلغل التصوف ورجاله في النسيج المجتمعي المغربي، وانتشار رجاله عبر مجموع المجال المغربي، شمالا وجنوباً، بادية وحاضرة، وكذا علي مختلف الأدوار والوظائف التي أنيطت بهم في سياق التفاعل الاجتماعي خلال تلك الأعصار.ولا يتسع المجال، في هذا التقديم المقتضب، للوقوف عند الأسباب التي مهدت لذلك الاكتساح وواكبته، ولا لضبط خلفيات الإقبال الشعبي الواسع علي التصوف الزهدي. لكن لا مندوحة من الإشارة إلي قضية أساسية في تقديرنا : إن تغلغل هذه القوة الاجتماعية الدينية في المجتمع، وانتشار المريدين، وتوزع الأولياء وشيوخ التصوف، أصحاب الزمان ، بحسب بعض التسميات، كان من شأنه أن يفرز سلطة رمزية ، قادرة علي أن تنازع أصحاب السلطة الفعلية علي النفوذ السياسي، أو علي الأقل، علي السيطرة علي قسم أو علي فئة من العامة. فقد جسد الوليّ بسلوكه المميَّز، وبتأطيره لفئات عريضة من المجتمع، ومن خلال الوظائف والأدوار التي اضطلع بها داخل مجتمعه، وبالخصوص وقوفه إلي جانب الرعية ضد تجاوزات الحُكام وأعوانهم، نوعا من الحَـكـَم – البديـل للسلطة القائمة. ألمْ تصبح الطرق الصوفية في فترة لاحقة، شريكة في بعض الأحيان للنظام السياسي الفاعل علي أرض الواقع؟ واللافت للانتباه هو أن المعارضة الدينية- السياسية ضد الموحدين، والمذهب الموحدي، قد اصطبغت طيلة القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد بهذا اللون الصوفي، فتزعمها أفراد ليسوا فقهاء محترفين وإنما هم زهاد وعُـبّاد ومتصوفة قضوا معظم حياتهم العملية بالأرياف والجبال والرباطات النائية، أو حمل لواءها بعض المتنبئين الطامحين إلي الحكم، معتمدين في ذلك علي استثمار الموجة الصوفية أو ادعاء المهدوية.وهذا الأمر لم يغرب عن بال الخلفاء الموحدين. فقد أدركوا مدي القوة التي يلعبها تيار التصوف في اجتذاب المريدين وتنظيمهم، واستشعروا خطورته علي دولتهم. فحــــاولوا، منذ فترة مبكرة، الاستفادة من التيار الصوفي كوضـــع قائم، وعمدوا أحيانا أخري إلي تنظيمه بشكل يسمح باحتوائه وضبطه والتحكم فيه، كما راموا الاستفادة من شعبية أقطابه ورموزه، ولعب ورقتهم أمام العامة، كما حاولوا الاستعانة بالتصوف كقوة سياسية لا بد منها من أجل توطيد ركائز السلطة، وخلق قاعدة عريضة تكون دعامتها القوية وسندها الفاعل. إن فهم مجمل التحولات التي طبعت علاقة المتصوفة بالسلطة بالمغرب الموحدي يقتضي وضع هذه العلاقة في إطارها التاريخي الصحيح، ورصد مختلف جوانبها الاجتماعية والسياسية والدينية، وتحديد الدوافع التي حتمت مواجهة التيارات الصوفية للجهاز السياسي الموحدي، أو عاضدته وشدت من أزره. ذاك ما حفزنا علي إعداد هذه الدراسة، التي نأمل أن تسهم في تجلية بعض الجوانب الغامضة التي ما فتئت تلف موضوع : ثنائية الحكــم والدين في النسق المغربي الوسيط . حول جذور التصوف المغربيمن بين القضايا التي ما يزال يلفها الغموض بخصوص موضوع التصوف بالمغرب هناك مسألة تحقيب تطوره بشكل مقنع ودقيق، وطبيعة التيارات الخارجية التي أثرت فيه سواء بالنسبة للمشرق أو الأندلس. وليس هدفنا في هذا المدخل استجلاء هذه القضايا الشائكة، وإنما نروم التذكير فقط ببعض مصادر التأثير والقنوات التي تسربت منها تيارات التصوف لبلاد المغرب.تميل كثير من الدراسات المتخصصة إلي ربط انتشار ظاهرة الأولياء والمتصوفة بالمرحلة الأخيرة من العصر المرابطي، حين تجذرت الأزمة في مختلف شرايين الحياة العامة. إلا أن هذا التحديد لا ينبغي أن يجعلنا نتغاضي عن الرصيد التاريخي الذي سبق هذه الفترة ومهد لها، وما يقتضيه من انعزال عن الملذات الدنيوية والاعتكاف علي العبادة والتردد علي الرباطات …إلخ. فالأمر يقتضي منهجيا التمييز بين ثبوت وجود السلوك الزهدي منذ فترة مبكرة نسبياً، وما رافقه من مظاهر عكستها المواقف الخاصة للزهاد، وبين التصوف باعتباره مذهباً و نسقاً فكرياً وسلوكياً يعبر عن آراء ومواقف فئة اجتماعية تشترك في خصائص ومقومات محددة فازدهار التصوف واكتساحه للنسيج الاجتماعي المغربي والأندلسي في القرن السادس الهجري خاصة (الثاني عشر الميلادي)، يجد جذوره في الحضور المستمر للميولات الزهدية بالأندلس، وهو تتويج للتطورات التي عرفتها القرون السابقة، خاصة مع انتشار مختلف مؤلفات الزهد والرقائق، ومجهودات بعض العلماء، أمثال أبي عمر الطلمنكي، الذين كان اهتمامهم بأصول الدين والتصوف مترابطاً جداً، وحاولوا استيعاب التصوف وإدماجه داخل نسق الإسلام السني.وبالنظر إلي المعلومات المتوفرة، المشتتة فيما يخص الفترة المبكرة، يبدو أن التصوف قد دخل المغرب عن طريق ثلاث قنوات متزامنة : الإفريقية والأندلسية والمشرقية. وهذا الأمر يفترض القول إن ظهور التصوف بالمغرب كان متأخراً بالنسبة لبلاد المشرق، وكذا بالنسبة لبلاد افريقية والأندلس. ولكننا نميل إلي افتراض أن هذا التأخير مرتبط بتأخر الآثار الكتابية الشاهدة، لا بتأخر الظاهرة نفسها. ويبدو أن عدم وجود مقياس معياري واضح للتصنيف بين الأشخاص، وعدم الفصل بين صفات الخير والفضل والعلم في تراجم الفترة المبكرة، قد فوت علينا فرصة التعرف عن قرب علي جذور التصوف المغربي في بواكيره الأولي، خاصة وأن هناك مؤشرات عن بعض المغاربة الذين يوصفون بـ الصلاح أو النسك منذ بدايات الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.ومن الطبيعي أن تكون القناة المشرقية هي مصدر التأثير المباشر باعتبار المشرق الإسلامي مجال التصوف ومنطلقه، وإليه كان يهرع المغاربة لأداء فريضة الحج أو للاستزادة من العلم والنهل من معين الثقافة الإسلامية، أو للتجارة والتكسب، ومنه يعودون محملين بأفكار وتعاليم وسلوكات ومؤلفات صوفية، يعملون علي نشرها في الوسط المغربي. ويزخر كتاب المستفاد ـ مثله مثل كتاب التشوف ظ بأسماء عدد من المغاربة الذين يمموا وجوههم شطر المشرق، وأخذوا عن شيوخ التصوف هناك. ويكفي بهذا الصدد التذكير أنه عن طريق هذه القناة بالذات دخل مذهب الغزالي مبكراً إلي المغرب، وخاصة إلي مدينة فاس، ربما عن طريق أبي محمد صالح ابن حرزهم، الذي تتلمذ مباشرة علي الغزالي. إلا أن القناتين الأخريين (الإفريقية والأندلسية) لا تقلان أهمية عن القناة الأولي (المشرق).فعن طريق القناة الإفريقية تسرب المجهود الدعائي لبعض شيوخ افريقية الزيرية، ومن بينهم تلامذة القاضي أبي عمران الفاسي. بل نتوفر علي شهادات حول وجود متصوفة بافريقية، منذ القرن 3 هـ / 9 م علي الأقل. ونعرف مثلا أنه في هذه الفترة كانت جماعات صوفية تجتمع بشكل دوري في بعض المساجد بالقيروان، وفي رباط المنستير خاصة. وتقوي التصوف بافريقية خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي خاصة، إذ تميزت هذه الفترة بازدياد الاحترام الشعبي للأولياء، وبظهور ممارسات صوفية وطقوس أثارت حفيظة بعض الفقهاء المالكيين. وخلال القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر للميلاد، برزت محاولات للتوفيق بين التصوف ومبادئ المذهب المالكي. ويعزز هذا الافتراض أن أغلب التراجم التي أوردها ابن الزيات التادلي (ت. 627 هـ) لرجالات من بلاد افريقية، يشترك أصحابها في امتلاك رصيد علمي وفقهي، بالإضافة إلي منحاهم الزهدي والتعبدي. بل إنهم كانوا ميالين للاستعاضة عن تدريس الفقه بالعمل علي نشر المؤلفات الصوفية. ولقد هاجر بعض هؤلاء الشيوخ من افريقية- ربما خلال النصف الثاني من القرن 5 هـ/11م واستقروا بالمغرب الأقصي، مساهمين بذلك في نشر التصوف في هذه المنطقة. فليس جزافاً أن تكون أولي تراجم كتاب التشوف هي تلك المتعلقة بهؤلاء الأفارقة بالذات، مثل : ابن سعدون القيرواني (ت. 485 هـ/1092 م)، صاحب عدة تآليف في الفقه المالكي، وناشر تعاليم الشيخ أبي بكر المطوعي في التصوف، أو عبد العزيز التونسي (ت. 486 هـ/1093 م)، الذي كان يحثّ تلامذته من المصامدة علي قراءة رعاية المحاسبي، ونحو ذلك من علوم التصوف، أو أبي الفضل ابن النحوي (ت. 513 هـ/ 1119م)، الذي أقام خلال فترة في سلجماسة وفاس، وهو أحد الذين ساهموا مساهمة كبيرة في نشر كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي والدفاع عنه. والملاحظ أن أغلب هؤلاء المتصوفة اختاروا أغمات وريكة – عاصمة المرابطين قبل بناء مراكش- مكانا لإقامتهم.أما بخصوص القناة الأندلسية، فلا يخفي دورها في نقل التأثيرات الزهدية إلي بلاد المغرب كما تبين ذلك كتب التراجم المغربية الأندلسية، وعدد من الدراسات الحديثة حول انتشار الميولات الزهدية بالأندلس منذ فجر الإسلام بها حتي بدايات القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. وقد شكلت هذه الميولات الخميرة التي انبثق عنها مذهب صوفي من المحتمل أنه ظهر بالأندلس قبل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. خلال هذه الفترة، تم مثلا انتشار بعض أهم التآليف المشرقية المتعلقة بالتصوف مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي، و رعاية المحاسبي . وارتسمت كذلك أولي مراكز للأنشطة الصوفية بالأندلس ومن بينها مدينة ألمرية – التي من أشهر ممثــــليها ابن العريف (توفي سنة 536 هـ/1141م) وقرطــــبة واشبيلية. وفي هذه الأخيرة ظهر ابن برجان (ت. 536هـ/1141م). ويجب أن لا نغفل بهذا الصدد أهمية القاضي أبي بكر بن العربي (ت.543 هـ /1148 م)، أحد أبرز الذين أدخلوا إحياء علوم الدين ، الذي شكــــل القاعدة المذهبية الأساس التي تغذت منها التيارات الزهــــدية الصوفية الكامنة بمنطقة الغرب الإسلامي. وتميز القرن السادس الهجري /12م بالانــــتقال المستمر لشيوخ التصوف بين ضفــــتيْ المضيق. ولدينا شهادات تفــــيد أنه عقب انكســـار ثورة ابن قسي (توفي سنة 546هـ/1151م) ، إمام طريقة المريدين بغرب الأندلس، لجأ بعض أتباعه إلي المغرب.إلا أن تأثير مختلف هذه القنوات ما كان له أن يلاقي وسطاً محتضناً ومتقبلا داخل المجتمع المغربي لو لا تجذّر الأزمة في شرايينه، وخاصة أواخر العصر المرابطي، سواء علي المستوي الاقتصادي والاجتماعي، أو علي الأصعدة السياسية والإيديولوجية والثقافية، وهي الأزمة التي استغلها ابن تومرت لتقويض دعائم مشروعية الدولة المرابطية من خلال مهاجمته لمواطن الفساد في سياسة المرابطين في مختلف المجالات العقدية منها والثقافية والاجتماعية، وبركوبه موجة التصوف.الممارسة الصوفية لابن تومرتحسب الإستوغرافية الموحديةلقد أوضحت بعض الدراسات الحديثة كيف أن الممارسات السياسية والدينية للمهدي ابن تومرت كانت تحاول إعادة إنتاج الرمزية النبوية. ولكن الإستوغرافية الموحدية الرسمية، وشبه الرسمية التي تصور لنا المهدي بأنه فتي شب علي التقوي والورع تحاول أن تضفي عليه كذلك طابع الولاية والكرامة عندما تخرج بدعوته من حيز العمل المنظم والهادف إلي حيز الظواهر الخارقة للعادة، وهذا ما نلمسه بوضوح عند أبي بكر البيذق وابن القطان اللذين يوردان كثيراً من كرامات المهدي بن تومرت. أما عبد الواحد المراكشي فهو يشير إلي كيفية جمع ابن تومرت بيت السلوك الزهدي والرغبة في تغيير الواقع قائلا : (كان) يكثر التزهد والتقلل، ويظهر التشبه بالصالحين والتشدد في إقامة الحدود، جاريا في ذلك علي السنة الأولي . ودون أن نضاعف من الأمثلة، يمكن القول إن الأمر يتعلق هذه المرة بمحاولة إضفاء طابع الولاية علي سيرة المهدي بن تومرت، أو إعادة إنتاج الرمزية الصوفية عن طريق إبراز المنحي الزهدي التقشفي والكرامي (التنبؤي) في سيرته الذاتية.وقد يتساءل المرء عن لحظة إعادة التركيب التاريخي للمنحي الصوفي في شخصية ابن تومرت علي مستوي التدوين التاريخي. وإن كنا لا نعرف تاريخ تأليف كتاب فضائل الإمام المهدي المنسوب لأبي القاسم المؤمن، فإننا نرجح أن يكون هذا الموضوع قد بدأ في الظهور ابتداء من القرن السابع الهجري /13 م، أي بعد وفاة ابن تومرت بقرن من الزمن تقريبا، وبتزامن مع تشكيل أولي الجماعات الصوفية المنظمة في طوائف بالمغرب الأقصي، مثل طائفة أبي محمد صالح، وطائفة الهزميري، وتعميم التبجيل والاحترام الشعبي للأولياء والتبرك بهم.ففي حين يذكر البيذق في معرض تتبعه لخطوات ابن تومرت في عودته إلي بلاد المغرب، مرور المهدي بتلمسان، وإقامته في منزل ابن صاحب الصلاة (قاضي تلمسان حسب ابن خلدون) بموقع يقع في ضواحي المدينة يسمي أكدير حيث التزم الطبلة المذاكرة للامام المهدي ، نجد أن راوية صاحب المعجب تختلف جذريا عن هذه الراوية البيذقية . فهو يذكر أن المهدي لما أتي تلمسان أقام بمسجد بظاهرها يعرف بالعباد ، وهو مكان يرتاده الصالحون، ويورد المراكشي قصة لابن تومرت أطلق فيها سراح المسجونين من سجن تلمسان، وكان السجانون والحرس يتمسحون به لبركته. وهذه الرواية – كما يظهر- لها شبه كبير بكرامات الأولياء.والملاحظ أن إعادة تركيب رواية إقامة ابن تومرت بتلمسان ليست اعتباطية. ففي فترة تأليف المراكشي لكتابه، كان موضع العباد يؤوي جماعة صوفية كبيرة، وتحول إلي مركز يؤمه الوافدون لزيارة ضريح الشيخ أبي مدين. فبإيراده لرواية إقامة المهدي بهذا المكان، كان المراكشي يربط شخصية المهدي بأحد المراكز الحساسة للتصوف المغربي في القرن السابع الهجري /13م، وبإضفائه الكرامات علي ابن تومرت كان يعمل، من جهة أخري علي مساواته، في الحقيقة، مع باقي الأولياء الذين أصبحوا موضوع تبجيل من طرف العامة. إن المراكشي يؤكد بنفسه ـ في مكان آخر ـ أن ابن تومرت كان يكثر التزهد والتقلل، ويظهر التشبه بالصالحين .ويحاول ابن القطان من جهته ـ هو من مؤرخي البلاط الموحدي في القرن السابع /13م ـ إيجاد رابط، ولو بصفة مصطنعة ، مابين المهدي ابن تومرت والأوساط الزهدية الصوفية. فبينما يذكر البيذق ـ وهو شاهد عيان ـ انتقال ابن تومرت إلي نواحي ملالة بعد طرده من مدينة بجاية، يدعي ابن القطان أنه خرج من بجاية إلي رباط خارجها وعلي القرب منها يقال له رباط ملالة حيث يقيم بعض الزهاد. وهنا عمر مجلسه الطلبة والصالحون . وفي نفس السياق يخصص ابن القطان فصلا كاملا للحديث عن الكرامات المنسوبة لإمام الموحدين.وإذا كانت الإستوغرافية المرينية الرسمية تميل إلي التشكيك في هذا المنحي الصوفي للمهدي ابن تومرت فإن الدعاية الموحدية قد لقيت، علي ما يبدو، صدي لدي المؤرخين، إذ نجد أن ابن خلدون يتحدث عن قيام ابن تومرت علي المرابطين والتغلب عليهم وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر علي المكاره والتقلل من الدنيا وأنه كان يلبس العباءة المرقعة، وله قدم في التقشف والعبادة . ويصف ابن خلكان بدوره شخصية ابن تومرت قائلا : كان ورعا ناسكا متقشفا مخشوشنا مخلولقا، كثير الإطراق، بساما في وجوه الناس، مقبلا علي العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة . بل إنها ربطت نجاحه في كسب الأتباع بعد إعلانه الثورة علي المرابطين بظهوره بمظهر الشيخ الزاهد صاحب الكرامات. يقول ابن أبي زرع الفاسي : وفرق من يثق بسياسته من تلامذته في البلاد القاصية والدانية يدعون إلي بيعته ويثبتون عند الناس إمامته، ويزرعون في قلوبهم محبته، مما يذكرون له من الفضائل والكرامات، ويصفونه به من الزهد في الدنيا ومن جانب آخر، فمن الثابت حاليا أن ابن تومرت ـ علي عكس ما ترويه سيرته الرسمية ـ لم يلق الغزالي، ولا حضر حلقة دروسه، وبالأحري لم يوكل له الإمام المشرقي مهمة إصلاح الإسلام ببلاد المغرب، أو تقويض سلطان المرابطين بها. وكل شيء يدفعنا للاعتقاد أن قصة لقائه بالغزالي هي بدورها عبارة عن إعادة إنشاء إستوغرافية لاحقة. فالاستشهاد بالغزالي واستغلال مكانته أمر متأخر كثيراً. ولا يظهر اسمه بوصفه منطلق حياة ابن تومرت العامة إلا في الوقت عينه الذي بدأ يفتر فيه نفور الفقهاء المغاربة من الآراء الكلامية للإمام المشرقي الكبير.من جهة أخري، نجد أن السلطة الموحدية حاولت بدورها الاستفادة من نوع معين من الحساسية الدينية لدي العامة، وهو المتمثل في زيارة قبور بعض الأولياء. ولرفع ابن تومرت إلي درجة الأولياء عمد الخلفاء الموحدون إلي ترسيم زيارة قبره بتينملل. وأصبحت زيارة الخلفاء لقبر المهدي تتم في جو من الطقوس الرسمية، وخلالها يتم التذكير بغر فضائله ومآثره . وإلي جانب ذلك، شجعت السلطات الموحدية زيارة بعض الأماكن المرتبطة بدعوة المهدي، وقامت ببناء رابطتين قرب مغارة كان ابن تومرت قد لجأ إليها بعد هروبه من مراكش سنة 514 هـ /1120م في موضع ايجليز من هرغة. ونعرف من بين هذه الأماكن المقدسة ، رابطة وانسري ورابطة الغار. فقد كان الناس يأخذون التراب منهما، فيتبركون به ويجعلونه علي المرضي . وواضح أن الخلفاء الموحدين كانوا يهدفون، في الحقيقة، السموّ بابن تومرت، ووضعه علي قدم المساواة مع الأولياء والمتصوفة الذين أصبحوا يحظون بشعبية كبيرة في أوساط السكان.وثمة أمر مثير للانتباه هو أن كتب المناقب المغربية لا تشير إلي شيوع المؤلفات المذهبية للمهدي، وتداولها في الأوساط الصوفية، خلال العصر الموحدي، مع العلم أن الخلفاء الموحدين شجعوا علي الاهتمام بآثار المهدي الفكرية والعقدية، وأصدروا ظهائر يأمرون فيها بحمل الرعية علي الاعتناء بها والإقبال عليها. ولم تعرف مرشدة ابن تومرت، مثلا، إقبالا من لدنهم إلا في القرن الثامن الهجري /14م. فقد لاحظ أبو عبد الله محمد بن يحيي الشيباني الطرابلسي (منتصف القرن الثامن الهجري /14م) مؤلف إحدي الشروح علي المرشدة ، الاهتمام الكبير الذي تحظي به هذه الأخيرة في الأوساط الصوفية في عصره، ويشير أبو عبد الله محمد بن أبي العباس الأموي، المعروف بابن النقاش، وهو صاحب شرح علي المرشدة عنوانه : الدرة المفردة في شرح العقيدة المرشدة ، إلي انكباب فقراء ومتصوفة مدينة تلمسان علي حفظ مرشدة المهدي ابن تومرت، يقول : رأيت العقيدة المعروفة بالمرشدة المنسوبة إلي الإمام المهدي، رحمه الله، كثيراً ما يستعملها أهل الفضل من الصوفية ويقرؤونها علي جهة التبرك في أذكارهم، وقد تشوف بعضهم إلي بسط ألفاظها وشرح معانيها .ولم يخفت اهتمام متصوفة تلمسان بمرشدة المهدي خلال القرن التالي (9 هـ/15م). فهناك شيخ آخر من هذه المدينة ألف شرحا عليها، هو محمد بن يوسف بن عمر السنوسي (ت. سنة 895 هـ /1490م)، فضلا عن شروح أخري للمرشدة لم تصلنا، مما يدل علي بعض التعلق بها، وعلي بعض الأثر لتفكير ابن تومرت في القرون الموالية له .ونشير إلي أن ابن عباد الرندي (ت. 792 هـ/1390م) يعتبر من بين الشيوخ المغاربة الأوائل الذين خصصوا شرحاً لمرشدة ابن تومرت، وإليه ينسب كتاب الدرة المشيدة في شرح المرشدة. وبهذا التأليف دشن ابن عباد تقليدا سيستمر لاحقا، وهو المتمثل في شرح مرشدة ابن تومرت من وجهة نظر صوفية. إلا أنه لفهم انتشار مرشدة ابن تومرت في صفوف الدوائر الصوفية بالمغرب خلال القرن الثامن الهجري /14م، يبدو من الضروري استحضار نقاش، له طابع مذهبي، حول ضرورة الشيخ أو عدمه، لسلوك طريق القوم وفي هذا الجدل ـ المنطلق من غرناطة والذي شارك فيه علماء فاس ـ يدافع ابن عباد علي ضرورة الشيخ، ويقول في إجابته علي سؤال أبي إسحاق الشاطبي: الذي أراه أن الشيخ في سلوك التصوف علي الجملة أمر لازم لا يسع أحدا إنكاره . ومن المهم أن نلاحظ أن ابن عباد، في دفاعه عن دور الشيخ كمرشد روحي للمريدين المبتدئين، قد يكون اعتمد علي الدلائل التي استعملها ابن تومرت في بداية القرن السادس الهجري. لقد ضمن ابن تومرت في المرشدة العبارة التالية : من لا شيخ له، فشيخه الشيطان . لذا يري بعض الباحثين أن ابن عباد في دفاعه عن دور الشيخ كمرشد روحي للمريدين المبتدئين قد يكون استند علي الدلائل التي استعملها ابن تومرت ـ ولو في إطار آخر ـ في بداية القرن السادس الهجري، إن توافق طروحات ابن تومرت وطروحات بعض شيوخ التصوف في القرن 8 هـ/14م ـ وخاصة فيما يخص موضوع المريد السالك، وضرورة الشيخ- يبين حيوية الفكر التومرتي، ويبرر انتشار مؤلفه المرشدة في صفوف شريحة هامة من المتصوفة المغاربة بعد قرنين من تأليفها. إلا أن عدم انتشارها في الأوساط الصوفية الموحدية يبقي لغزاً محيراً، علي الرغم من تأثر بعض المتصوفة بها كأبي القاسم اللجائي (ت. 599 هـ) الذي يعالج في كتاب قطب العارفين كثيرا من المسائل التي وردت في المرشدة .وكيفما كان الحال، فإنه يمكن التأكيد علي أن الإستوغرافية الموحدية الرسمية لم تعمل إلا علي عكس ما كان ابن تومرت قد كرسه بفعله وممارسته السياسية. فنحن نعلم كيف نجح في استثمار التيار الصوفي الذي استقطب العامة، وربط حركته بالغزالي، ومزج بين الفكر الصوفي والمهدوية وآمال العامة . فترة الخليفة عبد المؤمن بن علي:سياسة قمعية ـ احترازية تجاه المتصوفةيتضح الموقف الرسمي للدولة الموحدية من المتصوفة، بصورة جلية خلال فترة الخليفة عبد المؤمن بن علي (ت. 558 هـ /1163م). فقد تحكمت في الإستراتيجية التي اتبعها هذا الخليفة تجاه أتباع المذهب ظهور ثورتين ضد سلطة الموحدين خلال سنوات 541ـ 546 هـ/ 1146ـ1151م، وبزعامة شخصيتين ذات منحي صوفي.الأولي هي ثورة ابن هود برباط ماسة سنة 541 هـ/1146ـ1147م بمساندة الجماعة الصوفية المرتكزة في هذا الرباط الذي كان قد تحول، منذ مدة، إلي بؤرة لجذب الصلحاء، وكان يقام به موسم يجتمع خلاله عدد كبير من المريدين. ومن المرجح أن اختيار ابن هود لهذا المكان لبدء ثورته مرتبط بتأكده من دعم رجال الصلاح الذين التفت العامة حولهم. فقد كانوا وراء انتصاراته الأولي ضد الجيش الموحدي.أما الثورة الثانية، فقد اندلعت ابتداء من سنة 539 هـ /1144م بزعامة أبي القاسم أحمد بن الحسين بن قسي (ت. سنة 546 هـ/1151م)، وكان مسرحها منطقة الغرب الأندلسي، وقد أطلق إمام هذه الحركة التمردية، ذات الإيحاء الصوفي، علي أتباعه إسم المريدين ، وتعرف حركته في المصادر التاريخية بـ حركة المريدين . وقد لعبت دوراً كبيراً في التعجيل بانهيار السلطة المرابطية بالأندلس. وليس غرضنا هنا تتبع مراحل هذه الثورة وأسباب فشلها، فذلك قد أغنتنا عن القيام به كثير من الدراسات الحديثة، وما يهمنا بالخصوص هو ما يستشف من المعلومات التي يقدمها ابن الخطيب حين يقيم علاقة سببية بين تمرد ابن قسي علي الموحدين، في فترة لاحقة من بداية ثورته، وتمرد ابن هود برباط ماسة سنة 541 هـ/1146ـ1147م، خاصة وأن كلا الثائريْن قد أسسا طموحاتهما الشرعية علي مفهوم الهداية.وهناك ثورة أخري يفترض أنها من إيحاء صوفي كذلك قادها يدر الدكالي في منطقة دكالة. وهذا هو علي الأقل رأي الدكتورة عصمت دندش التي تري أن الدكالي قد التف حوله المتصوفة الذين سموا أصحاب الركوات . وكانت دكالة قد أصبحت مركز نشاط صوفي كبير، كرسه التأثير الكبير للرباط الذي أقامه آل أمغار في تيط الفطر. وقد تم سحق ثورة الدكالي بواسطة جيش بقيادة الحسن بن المعلم.وبصفة عامة، تبدو خطورة هذه الحركات في توقيتها، فقد اندلعت وسلطة عبد المؤمن ما تزال تبحث عن توازنها، والدولة الموحدية لم تثبت دعائمها بعد. وكان لهذا الأمر تأثيره المباشر علي موقف الخليفة من المتصوفة، بحيث أضحت الحيطة والصرامة والتنافر والتباعد من سمات سياسته تجاههم.فالمراقبة الرسمية لنشاطات بعض المتصوفة المشهورين تدخل في إطار قمعي شامل استعمله الخليفة الموحدي لتنحية الانشقاقات السياسية والثورات التي تبعت الاستيلاء علي عاصمة المرابطين مراكش، وثورة ابن هود. ووصل القمع درجته القصوي مع ما يعرف بعملية الاعتراف الدموية التي قام بها عبد المؤمن سنة 544هـ /1149ـ1150م، لاستئصال المعارضين والعناصر المشكوك في ولائها في مختلف القبائل الخاضعة للموحدين. بل يجب التذكير أن انتصارات الموحدين في هذه الفترة كانت في أغلب الأحيان دموية، ولم يكن أي انتصار من انتصاراتهم سهلا، ولم يتم لهم الاستيلاء علي أية مدينة هامة إلا عنوة، بما يؤشر علي المناخ البشري المناوئ الذي شبت عليه الحركة الموحدية، سواء في وسط القبائل، أو الحواضر المغربية، مما سيكون له تأثير سلبي مباشر علي موقف السكان من الحكم الموحدي لاحقا. وفي هذا السياق يري باحث مختص أن التطرف الدموي الذي شاب حركة الغزو الموحدي وما استتبعه من إجراءات نعتها بـ سياسة الميز العنصري ، قد مهدت مباشرة للإقبال الشعبي الواسع علي التصوف الزهدي.أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي7