مؤرخان بريطانيان يفضحان المسكوت عنه في تاريخ فرنسا القمعي بالجزائر
فرق الموت كانت من صلب اجهزة الدولة ذاتها مؤرخان بريطانيان يفضحان المسكوت عنه في تاريخ فرنسا القمعي بالجزائرباريس ـ القدس العربي من شوقي أمين:في ظل الأجواء المشحونة بين تركيا وفرنسا بسبب مطالبة فرنسا تركيا بالاعتراف بمذابح الارمن سنة 1915، وبسب قانون صادق عليه برلمانها يقضي بتسليط عقوبة السجن علي من يشكك في صدقية مفهوم حرب الابادة، ومطالبة تركيا فرنسا ـ علي سبيل الرد بالمثل ـ الاعتراف بجرائمها في الجزائر، فاجأ كتاب المؤرخين البريطانيين في، نايل ماكمستر من جامعة ايست انجليا، وجيم هاوس من جامعة ليدز (شمال)، النخبة السياسية والفكرية الفرنسية، بكتاب يحمل عنوان باريس 1961 .. الجزائريون، ارهاب الدولة والذاكرة صدر عن مطبوعات جامعة اكوسفورد، يفضحان فيه فصولا مسكوت عنها في تاريخ فرنسا الاستعمارية، وبخاصة ما وقع في 17 تشرين الاول/أكتوبر 1961 في باريس، الذي يعتبر يوما أسود في حياة فرنسا الحريات ، حيث لقي عشرات الجزائريين حتفهم علي أيدي الشرطة الفرنسية في حملة قمعية واسعة النطاق.واعتُبر الكتاب سابقة في تاريخ فرنسا الرسمية التي ما زالت تماطل في فتح أرشيفها لتلك الفترة بالرغم من الضغوط التي تمارسها المنظمات الحقوقية والجمعيات المناهضة للتعذيب وجرائم الحرب. فلقد تركز النقاش لفترة طويلة حول القمع الوحشي الذي طال الجزائريين في مظاهرات نظمها فرع حزب جبهة التحرير الجزائري في فرنسا، قبيل شهور من استقلال الجزائر علي تاريخ واحد، هو السابع عشر من تشرين الاول/اكتوبر الذي ارتبط باسم موريس بابون، قائد شرطة باريس، الذي أعطي أمر شرطته وقتئذ بابادة كل جزائري تجده في طريقها.لذا يأتي الكتاب في مرحلة دقيقة تمر بها الذاكرة الفرنسية وطبقتها السياسية التي مازالت تتعامل مع تاريخها وفصوله المزعجة، بانتقائية لا تخفي علي أحد، منتهجة سياسة الهروب الي الأمام التي فرخت قانونا في 23 شباط/فبراير، ينص علي تدريس الدور الايجابي لفرنسا في مستعمراتها في شمال افريقيا ومنطقة ماوراء البحار.ويشير الكاتبان في هذا السياق الي أن القمع حتي وان بدأ حقيقة في السابع عشر من تشرين الاول/أكتوبر 1961، الا أن حملة مطاردة الأشخاص استمرت شهرين كاملين، أي الي كانون الثاني/نوفمبر، مشككين في الرقم الرسمي لعدد القتلي الذي تحدث عن وجود نحو 120 قتيلا فقط، مؤكدين قناعتهما بأن عدد الضحايا الحقيقي لن يعرف ابدا في ظل وجود اجراءات تعسفية لا حصر لها، تم التكتم عليها في تلك الفترة، فضلا عن الغموض الكبير الذي يلف عدد الجثث التي ألقي بها في نهر السين.وأماط الكتاب اللثام عن استراتيجية العنف التي تبناها موريس بابون، والتي كانت تهدف، كما كان يقول دائما، الي ارهاب الارهابيين ، وهي الاستراتيجية التي لم تؤت أكلها، حسب الكتاب، بل أدت الي نتيجة عكسية تماما، اذ كانت عاملا جوهريا في توحيد وتماسك الجزائريين، وفي تعزيز سلطة حزب جبهة التحرير الوطني .ويذهب المؤرخان الي اعتبار موريس بابون الذي عمل مطولا موظفا ساميا في نظام فيشي الموالي لالمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، واجهة لنظام رعب لم يشمل العناصر الفاشية في الشرطة فقط بل يشمل كذلك فرقا حقيقية للموت تنضوي تحت جناح أجهزة الدولة نفسها. كما ألقيا الضوء علي واقع اليسار الفرنسي في تلك المرحلة الذي لم يندد بهذه السياسة القمعية ولم يتظاهر ضدها الا بعد مقتل مواطنين فرنسيين بمطارق الشرطة في محطة شارون لمترو الأنفاق.ولا يستمد هذا الكتاب البريطاني قوته من دقته في التحري وتعرية التفاصيل الدقيقة التي وقف عندها الكثير من المؤرخين الناشطين في حقوق الانسان والجامعيين الفرنسيين فقط، بل في قدرته علي توضيح المعني السياسي والاجتماعي لـ منهجية النسيان ، واعادة اكتشاف الحدث من جديد عن طريق صور وسجلات أرشيف تنشر لأول مرة.