ذكرى نساء واطفال استشهدوا في مصر على مدى التاريخ

حجم الخط
0

أحيانا يتوقف الإنسان عند بعض الشخصيات التي ربما يسجل لها التاريخ موقفا واحدا، ويتناولها في سطور قليلة، وقد يدفعه فضوله العلمي للبحث عن المزيد من المعلومات في المصادر والمراجع المختلفة فلا يجد ما يروي عطشه ولا مايشفي غليله، وأحيانا يمر ببعض الشخصيات الأخرى مرورا عابرا لا يلقي لها بالا ولكن تبقى هذه الشخصيات وتلك عالقة في الذهن حتى تدفع بعض الأحداث الى استدعائها من الذاكرة والتوقف عندها مليا.
وقد أدت المواقف البطولية التي سطرتها ولا تزال – الفئات المختلفة المناهضة للانقلاب وبصفة خاصة النساء والأطفال الذين يسطرون الآن بدمائهم الذكية ملحمة بطولية سيخلدها التاريخ بأحرف من نور الى استدعاء الذاكرة لبعض النماذج من النساء والأطفال التي لم يتوقف عندها التاريخ كثيرا ومر عليها مرور الكرام، والذين ضحوا بأرواحهم من أجل حرية واستقلال هذا البلد، والذي يستكمل أحفادهم اليوم مسيرتهم من أجل التحرر من القمع والاستبداد.
ومن هذه الشخصيات شفيقة محمد: يشار إليها على أنها أول شهيدة مصرية في ثورة 1919 ولكن يبدو من استقصاء شهداء ثورة 1919 أن هناك عددا من السيدات قد سبقوها في مضمار الشهادة، وفي مرحلة مبكرة من الثورة التي اندلعت يوم 9 اذار/ مارس 1919 مثل حميدة خليل من القاهرة التي استشهدت في 14 اذار/ مارس 1919، وأم محمد بنت جاد، ويُمن بنت صبيح من منيا القمح حيث استشهدتا يوم 16 اذار/ مارس 1919، ونعمات محمد، وفاطمة محمود من الفيوم استشهدتا يوم 19 اذار/ مارس 1919.
أما شفيقة محمد فقد استشهدت يوم 10 نيسان/ أبريل، وهي أرملة كانت تبلغ من العمر 28 عاما من سكان الخرطة القديمة بقسم الخليفة، وقد شاركت في أول مظاهرة نسائية في الثورة بتاريخ 16 اذار/ مارس، وهي من الأحداث الهامة في تاريخ الثورة وتاريخ مصر الحديث، ثم شاركت في مظاهرة يوم 10 نيسان/ أبريل والتي انطلقت في شوارع القاهرة حتى وصلت الى مقر المعتمد البريطاني لتقديم احتجاج له، وبالرغم من رفض القائم بأعمال المندوب السامي البريطاني مقابلة شفيقة فقد استطاعت اختراق الحصار المفروض عليهن من جانب الجنود الإنكليز ومقابلة القائم بأعمال المندوب السامي البريطاني وتسليمه الاحتجاج على الأعمال الوحشية التي يقوم بها الإنكليز ونفي زعماء الوفد الى مالطا، وبعد نقاش حاد معه غادرت شفيقة دار المعتمد البريطاني بعد تهديده لها بالاعتقال وبعد خروجها اطلق عليها أحد الجنود النار فارداها قتيلة وتم تشييع جنازتها في جنازة مهيبة شاركت فيها كل طبقات الأمة.
– ابن القباقيبي : اسمه الحقيقي محمد إسماعيل من شارع الركبية بقسم الخليفة شارك في ثورة 1919، وكان الثوار قد قرروا عقد اجتماع في الأزهر يوم 5 نيسان/ إبريل 1919 لتدارس الوضع في البلاد ولكن حالت سلطات الإحتلال البريطاني دون عقده في الأزهر بعد أن نشرت قواتها حوله لمنع الوصول اليه، فقرر الثوارعقد اللقاء في جامع بن طولون، وقاموا بوضع المتاريس وحفر الخنادق في الشوارع والطرق المؤدية للجامع لمنع القوات البريطانية من الوصول اليهم. ومن ضمن المتاريس التي أقامها الثوارما يشبه الحصن من الحجارة عند سبيل أم عباس ووضعوا على سطحه مدخنة وجلس خلفها بن القباقيبي والذي أخذ يشعل الخرق والأوراق ويضعها فيها.
وعندما وصلت القوات البريطانية اعترضها الأهالي من خلف المتاريس وتصدوا لها بالحجارة فقامت قوات الاحتلال بإطلاق الرصاص عليهم مما أدى الى سقوط عدد من القتلى والجرحى منهم بن القباقبيي الذي كان في الثانية عشرة من عمره وكان قد أصيب بطلق ناري من بندقية. وقد احتفل بتشييع جنازته يوم 6 نيسان/ إبريل في مشهد مهيب وقد أشارت قوات الاحتلال اليه في بلاغ أصدرته في نفس اليوم ذكرت فيه ‘إن جمهورا معاديا هجم صباح أمس على دورية في حي السيدة زينب فاضطرت إلى إطلاق النيران وقد قتل لسوء الحظ ولد في العاشرة أو الثانية عشرة من عمره كان بين الجماهير’.
– أم صابر: أول شهيدة من النساء في معارك القناة عام 1951 التي اندلعت عقب إلغاء معاهدة 1936، وهي سيدة ريفية بسيطة وزوجة لأحد المزارعين كانت تقيم بمدينة أبوحماد التابعة لمحافظة الشرقية، وقد توجهت الى مدينة التل الكبير وفي الطريق استوقفتها نقطة تفتيش بريطانية قبل التل الكبيرعند منطقة تعرف بالمحجر، وقد اعترضت هذه السيدة على الطريقة المهينة التي يقوم بها الإنكليز بتفتيش المارين بهذه النقطة وأبت بكل إباء وشمم أن تمتد إليها يد الإنكليز الذين أطلقوا عليها النار فأردوها قتيلة وقد كرمتها ثورة يوليو فأطلقت اسمها على أول قرية أنشئت بمديرية التحرير(قرية أم صابر تتبع الآن مركز بدر بمحافظة البحيرة)، وكذلك على مسجد القرية وذلك عام 1954.
نبيل منصور: تلميذ في المدرسة الابتدائية من بورسعيد لم يتجاوز سنه الحادية عشرة، هالته الفظائع التي ارتكبتها القوات البريطانية في بورسعيد عندما تصدت مصفحاتها للمظاهرات التي اندلعت بالمدينة يوم 16 تشرين الاول/ اكتوبر وأطلقت عليها النارحيث سقط العديد من الشهداء والجرحى، فصمم على الانتقام منهم فتسلل في جنح الليل الى معسكر القوات البريطانية في الغولف، وقام بإلقاء الخرق المشتعلة المبللة بالبنزين على خيام الإنكليز مما أدى الى اشتعال النار بالعديد منها والتي تصاعد منها ألسنة النار والدخان وقد أطلق عليه الإنكليز النار فأردوه قتيلا.
د صفوت حسين
كاتب ومحلل سياسي
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية