قضية الانبار التي تشكل منعطفا جديدا لواقع العراق الراهن تعد واحدة من المحطات التي ستفرز مفاجآت جديدة لا تصب في مصلحة العراقيين، فان لم تكن الاطراف السياسية العراقية خططت لها او تعثرت في ايصال الامور الى ما هي عليه، فانها من المؤكد نتاج المشروع الغربي الذي خطط لادخال البلاد في منزلق خطير لا تحمد عقباه، وهو الطرف الوحيد الذي يدرك الى أين يتجه المستقبل المجهول. ومعلوم ان بداية الازمة تظاهرات واعتصامات بدأت في كانون الأول/ديسمبر 2012 استمرت لأكـــثر من ســـنة، شهدتها ست مدن رئيسة، ابرزها الانـــــبار، وساد تلك الفـــترة الطـــويلة حالة مد وجزر ومناكفات واتهامات طائفــــية، الامر الذي خيل لكل مراقب ومتابع ان بوصلة الامور تسير نحو مواجهة وصدام مسلح يرسم مسار دمـــاء العراقييـــن، أيا كان من المتظـــاهرين او العســكريين من الجيــــش والأجهـــزة الأمنــــية الخاصة الضاربة، وكان المعــــول على الحكومة ان تتحلى بالحكمة والمسؤولية اللازمة لتفكــــيك عقــــد الازمة التي تنبــــعث منها رائحة ليست طيــــبة وتنذر بتشرذم عراقي اقـــل ما يتلفــــظ به المتصارعون هو الطائفية والحزبــــية والارهاب والدعم الخارجي، وان غياب الحكـــــمة لدى الحكومة سيؤدي الى ضعف هيبة الدولة، وهذا ما لا يقبله أي طرف، إن كان فردا او جماعة. على اية حال وصول الأزمة الى خط التماس في المعركة الفاصلة كان عندما اقدمت الحكومة على اقتحام منزل عضو مجلس النواب وشيخ عشيرة كبرى من قبائل الدليم، هو الدكتور احمد العلواني واغتيال شقيقه واصابة عدد من أفراد عائلته في منظر غير مقبول، اعتبر في نظر البعض تصرفا مهينا لمكون عراقي كبير، ما استفز المشاعر العشائرية والدينية التي كانت موجودة في ساحة اعتصام الانبار، وارتفعت لغة التهديد والاتهام بين الطرفين الأنباري والحكومي، وكأننا بتنا أمام خلاف ما بين دولتين، ووسط هذه الأجواء المحتدمة غابت أصوات العقلاء من السياسيين ورجال الدين من الاطراف المعول عليها القيام بمبادرة تحقن الدماء وتخفف الاحتقان الحاصل، فيما لعب طاقم المقربين من رئيس الحكومة دورا سلبيا باتجاه التصعيد، بدلا من الالتفات الى حجم مسؤولية الحكومة. واذكر من ذلك بالتحديد الطاقم العسكري والأمني، وحتى قائد شرطة الانبار المقال وبعضا من البرلمانيين المقربين، كل هذا الدفع المحتدم توج بجهود عسكرية باقتحام ساحة اعتصام الرمادي ورفع الخيم التي تحمل لافتات بأسماء عشائر الدليم المعروفة بتزمتها حيال مسألة كرامتها وهيبتها، فاشتعلت النيران عندما هللت أصوات المدافع ما بين الطرفين، وسط عويل وصياح الاطفال ونياح العراقيات، وارتفع صوت بعض الفضائيات وهي ترفع القصائد التي تزيد من همم رجال العشائر ‘طكن جيلات البرنو والهاون طك’ فيما قابلتها فضائيات أخرى تمجد انتصارات كبيرة للجيش ‘مـــــبروك هذا النصــــر يا جيشنا الغالي’ متناسين ان المنتصر هو خاسر في هــــذه الحرب لكونها (أهلية) فرضت على العراقيــــين ولا ندري ان كان سبب ذلك غياب حكمة المسؤولين الحكوميين، أم بدفع وتخطيط خارجي، كما ذكرنا انفا، لكن المتفق عليه ان هذه المواجهات هي ما بين الجيش والعشائر التي تم التغاضي وتحويل الانظار عنها سياسيا، نحو موضوع مقاتلة تنظيم ‘القاعدة’، لأن أصل الاشكالية مظاهرات واعتصامات للمطالبة بحقوق شعبية مضى عليها وقت طويل. ان الأيام تمضي والحكمة تغيب عن عقول المسؤولين عن ارواح العراقيين، والصمت يخيم على مكاتــب الاحزاب السياسية والكتل البرلمانية، وكأننا أمام استنتاج لا منافس له، هو ان الأطراف الصامتة تبغي من ذلك رغبة مركبة، الاولى اضعاف الطرف الحكومي واخراجه من حلبة التنافس على مستقبل الانتخابات البرلمانية التي ستجري في 30 نيسان/ابريل المقبل، والرغبة الثانية كسر شوكة الطرف الشعبي الذي يعارض دوما ويقف مطالبا بحقوقه، سواء أمام الأمريكيين او الحكومات المتعاقبة. والواقع ان هذه الافرازات وضعت ابناء الأنبار أمام تحد حقيقي، وأمام مستقبل مظلم بعد غياب سلطة الدولة وضعف هيبتها، خاصة في مدينتي الفلوجة والرمادي وضعفها في المدن الاخرى، وبروز قوى جديــــــدة ذات نفوذ لا يستهان بها، في وقت ان أبناء الانبار لن يلجأوا لطلب المساندة من الجيش لهم عند فرض الامن في محافظتهم بسبب سياسة كسر العظم التي حصلت مؤخرا جراء التعثر السياسي الحكومي، والجميع اليوم يقف أمام مبادرة جاءت متأخرة من قبل عمار الحكيم زعيم المجلس الاعلى الاسلامي، بتشكيل جيش من الانبار لحماية مناطقهم ومنح المحافظة مبلغ اربعة مليارات دولار تصرف على مدى أربع سنوات لاعمار مدن الانبار، بينما يرى الأنباريون أنها مبادرة فيها قفز وتناس لحقوقهم التي اعتصموا من اجلها لأكثر من عام وسالت من جرائها دماء. البعض رحب بها واعتبرها خطوة باتجاه نهاية الصراع الدائر وحالة التظلم السائدة. ونختزل من بين ثنايا هذه الأزمة ان أعداء العراق هم الطرف الرابح من ذلك الخلاف، فالامور تنذر باوضاع مأساوية على العراقيين ولا احد يوقف هذه المآسي سوى اقتراب الحكومة من شعبها، وكذلك وحدة العراقيين وتلاحمهم ولكن هل سيتحقق ذلك؟