الرباط ـ “القدس العربي” من محمود معروف:
يستعد المغرب للانتخابات التشريعية المقرر اجراؤها في خريف 2007 باعتبارها نهاية المرحلة الانتقالية التي تعيشها بلادهم منذ منتصف التسعينات.
واذا كانت الدولة والاحزاب السياسية تستعد باعداد القوانين واللوائح المنظمة لتلك التشريعات، فإن استعدادات علي صعيد حشد الرأي العام تقوم بها الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات حول رؤية كل منها للمسار الانتخابي والعملية الديمقراطية فيما تذهب جمعيات نحو استمرار البحث في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي عاشتها البلاد خلال العقود السابقة وربط ذلك بالعملية الديمقراطية.
وتأسست في هذا الاطار العديد من الجمعيات والهيئات التي قالت انها تمحور اهتمامها في وضع ضمانات لانتخابات شفافة ونزيهة وديمقراطية وخالية من الفساد والافساد التي كانت تعرفها علي مدي العقود الثلاثة الماضية العمليات الانتخابية التي شهدتها البلاد.
واذا كان الفساد في الحلقات الاولي من المسلسل بالنسبة لهؤلاء من اختصاص الدولة واجهزتها او ما كان يطلق عليه بالحزب السري، فإنه شهد في المرحلة الثانية حياد الدولة لكنه الحياد السلبي الذي حول الفساد من القطاع العام الي القطاع الخاص أي للمشاركين في العمليات الانتخابية ويقولون ان المرحلة الثالثة والاخيرة من هذا المسلسل شهدت تدخل الدولة الايجابي لمحاربة الفساد والتزوير وان معالجات ما جري في انتخابات ثلث اعضاء مجلس المستشارين (الغرفة التشريعية الثانية) التي جرت في الثامن من ايلول/سبتمبر الماضي والمتابعة القضائية للفائزين في هذه الانتخابات يؤشر علي عزم الدولة وضع حد للتشكيك بالمسار الانتخابي المغربي.
وتنظم منذ عدة اسابيع محاضرات وندوات حول مستقبل المغرب الديمقراطي علي ضوء ما تعرفه البلاد من تحولات وتطورات علي الصعيد الحزبي والمجتمعي وفي هذا الاطار نظمت المؤسسة الاشتراكية للأبحاث والدراسات والتكوين التابعة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ندوة بالرباط بعنوان إشكالات المغرب الحديث وآفاق معالجتها بمشاركة مسؤولين حزبيين وأساتذة باحثين.
واستعرض محمد جسوس رئيس المؤسسة أربع اطروحات شائعة لتفسير الواقع تتمثل أولها في أطروحة الركود وأطروحة الأزمة التي تري أن القديم لا يموت والجديد لا يتطور وأطروحة الانتقال من القديم إلي الحديث والانتقال في المجال الديمقراطي وكذا أطروحة التحول التي تري أن للتغيرات طابعا تراكميا.
وأوضح جسوس أن ما يحدث في المجتمع المغربي ناجم عن تحولات كبري لها عواقب وإكراهات وإنجازات كما أن لها انعكاسات علي العمل السياسي وعلي الممارسة اليومية داعيا إلي إعادة النظر في القواعد التي نشتغل بموجبها وفي الأولويات والأساسيات.
وركز الدكتور فتح الله ولعلو عضو المكتب السياسي للحزب ووزير المالية منذ 1998 علي ضرورات التراكم والتجاوز والتجديد وعلي ربط التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي بالعولمة بكل أوجهها مشددا علي عناصر أساسية من قبيل التشبيب والدفاع عن الذات والتربية والتكوين وكذا علي تقوية موقع المغرب في عالم اليوم والدفع بـ اشتراكية الفرص لجميع المغاربة وتقوية الأداة الحزبية.
وطرح حسن السرغيني في مداخلة حول بعض القضايا الأساسية للمغرب بين المقاربة الدوغمائية والمقاربة البراغماتية أسئلة للنقاش تتمحور حول الإرادة السياسية وتقرير التنمية البشرية داعيا بالخصوص إلي تبني التحليل الموضوعي وتحديد أهداف العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر وتحديد الإصلاحات.
واعتبر أن المشاكل الكبري للبلاد تتمثل بالخصوص في التحول الديمغرافي (الشغل، شيخوخة المجتمع..) والعولمة و ضعف الموارد البشرية والتطرف الديني والتنوع الثقافي والفساد والتهريب. وقال أن تحقيق ثمانية في المئة من النمو الاقتصادي السنوي من شأنه، إلي جانب إصلاح إداري وتوزيع عادل للثروات وتغيير العقليات، أن يسهم في حل عدد من مشاكل البلاد.
وبخصوص البعد الديني لإشكالات المغرب، اعتبر محمد العيادي أنه ليست هناك ضوابط لمعرفة حجم الظاهرة مشيرا إلي أن هناك فكرتين أساسيتين حول الدين الإسلامي أولهما أنه ذو حمولة سياسية أكبر مقارنة مع الديانتين اليهودية والمسيحية وثانيهما كون الربط بين السياسي والديني في المجتمعات الإسلامية مرتبط بظروف سياسية.
وتحدث بنسالم حميش عن ضرورة تجاوز إشكالية التفاؤل والتشاؤم مشيرا في هذا السياق إلي مقولة غرامشي حول تفاؤل الإرادة بالرغم من الأزمات. كما تحدث عن ثالوث الأمية والفقر والفساد الذي ينخر المجتمع، وعن اللغة والعولمة المغايرة وعدم ضرورة تبني موقف مضاد للعولمة.
وفي مدينة مكناس أجمع مشاركون في مائدة مستديرة في موضوع أي دور للمجتمع المدني في الانتخابات علي ضرورة اضطلاع المجتمع المدني بدور استراتيجي في شفافية الانتخابات المقبلة.
وفي معرض إشارتهم الي وسائل تدخل المجتمع المدني في الحقل السياسي، أكد المتدخلون علي ضرورة أن تقوم الجمعيات المحلية بحملة تحسيسية للوقوف في وجه كل محاولة لشراء الأصوات، خصوصا في الأحياء الفقيرة، وحث الشباب والنساء علي المشاركة بشكل مكثف في الانتخابات الجماعية.
وأضافوا أن دور المجتمع المدني يكمن في تعزيز ثقافة المواطنة والمسؤولية والحوار، موضحين أن بمقدور الجمعيات المحلية التدخل في المسلسل الانتخابي من خلال إعداد برنامج محدد بدقة ومتمحور حول التكوين والتحسيس.
وأوصي المشاركون بضرورة انخراط المجتمع المدني في إنجاز مشاريع تنمية الجماعات المحلية، مستحضرين بهذا الخصوص النماذج الفرنسية والأنغلو-ساكسونية.
وشددوا أيضا علي أولوية عقد لقاءات ونقاشات مع المنتخبين الذين سينتخبون مستقبلا، داعين في هذا السياق الأحزاب السياسية الي التقدم خلال الاستحقاقات المقبلة بمرشحين أكفاء ويمتلكون المقدرة علي ضمان تسيير فعال للشأن المحلي.
واعتبر المختار بنعبد اللاوي مدير مركز الدراسات والأبحاث الانسانية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المجتمع المدني يضطلع بدور المواكبة والتنسيق والمتابعة والاتصال خلال الانتخابات الجماعية، واصفا دوره بـ الرئيسي بالنسبة لبلد يعيش، علي الخصوص، مرحلة انتقال ديمقراطي.
وتنظم لجنة الخروقات لفرع الرباط للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بعد غد الخميس ندوة حول صدور كتاب شهادات بدون قيود من أجل الحقيقة، والذي يتضمن جميع الأنشطة العمومية للاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي نظمت من 12 فبراير إلي 02 تموز/ يوليو 2005 وستتم مناقشة مضامين هذا الكتاب، وأيضا مناقشة آخر مستجدات ملف ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويشارك في هذه الندوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف ومنظمة العفو الدولية ــ فرع المغرب وجمعيات هيئات المحامين. وكتاب شهادات بدون قيود من أجل الحقيقة هو العنوان والشعار الذي اختارته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان للأنشطة العمومية للاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب.
وقد مكنت هذه الأنشطة الضحايا ليس فقط من التعبير عن حجم الانتهاكات وهول المعاناة الجسدية والنفسية، ولكن أيضا من تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية عن جرائم القمع السياسي بالبلاد.
ويتضمن الكتاب مقاربة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لملف الانتهاكات الجسيمة المتمثلة في كشف الحقيقة كاملة غير مبتورة عن الانتهاكات بمختلف أنواعها وتجلياتها. وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية وجبر الأضرار الفردية والجماعية والمجتمعية ومساءلة المتورطين ومحاسبتهم والاعتذار الرسمي والعلني للدولة المغربية واتخاذ التدابير الدستورية والقانونية والتربوية لتفادي تكرار ما جري. والمتتبع لأطوار المحاكمة الرمزية الواردة في نهاية هذا الكتاب يستخلص مقاربة الجمعية في إعمال المساءلة الجنائية ضد مرتكبي جرائم القمع السياسي، وذلك ليس نزوعا نحو الانتقام أو الضغينة أو الفتنة، كما ادعي البعض، ولكن في إطار محاكمة عادلة يتمتع فيها المسؤولون عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بضمانات المحاكمة العادلة.