هو سؤال ممتد ويبدو سخيفا في ظل التعقيدات الحادثة في كل دول الربيع العربي، فمنتج تلك الثورات كان مخيبا للآمال، هذه الخيبة ظهرت في محاربة المثقف، كما يبدو لي، ووقوفه ضد خطوات السير الى الخلف التي جاءت مع تلك الثورات، فإن كان المثقف قد تحرق شوقا لحدوث ثورة هنا او هناك ـ سابقا- فإن شوقه هذا خمدت جذوته كثيرا لاستشعاره بأن واقع الثورات مثل اجتثاثا لمنجزاته التنويرية البسيطة، وحمل شارة وأد لكل أحلامه الكبيرة، ولم يرض بقبول مقولة ان لكل ثورة تعقيداتها وأنها بحاجة لفترة زمنية لكي تصفو.
ان مثل هذه التعليلات يمكن قبولها لو أن بذرة تلك الثورات حملت بشارة السير للغد، في حين أن كل بشائرها كانت التلويح بالعودة للماضي، فالثورات الاوروبية التي احتاجت لزمن لكي تصفو حملت شعار السير للغد مبكرا، بينما ثوراتنا العربية كانت تراهن على جذب مجتمعاتها لإعادتهم إلى الرفوف وإلى مواقع الكتب الصفراء، ورفض كل المنجزات المجتمعية بوصمها منتجا لا يستقيم مع تعاليم الدين، أكان ذلك تصريحا أو تلميحا، وهي المكتسبات التي ناضلت من أجلها الشعوب العربية منذ حروب الاستقلال وصولا إلى زمن الربيع العربي.
وبالنسبة لي، هذا لو سمحت لنفسي بالانتماء إلى طابور المثقفين، لم أكن أظن أنني سأقف ضد أي ثورة تنهض في العالم العربي، وهذا الظن حملته منذ أن دخلت إلى عالم القراءة وبدأت أتهجى أسباب تخثر الفكر العربي وسطوة السياسي بتنحية الأفكار الحديثة وإماتتها باستهلاكها استهلاكا شكليا يؤدي إلى إسقاطها على أرض الواقع.. ومع مرارة الحكومات الشمولية التي عمت العالم العربي بجميع أشكال أنظمة الحكم فيه، جمهوريا- ملكيا ـ أميريا، كان ثمة تحرك بطيء نحو المستقبل إن لم يتقدم فانه لم يمت. ولم تكن أي دولة مهما تحجرت، قادرة على إعلان محاربتها للتنوير علانية، فكل منها يدعي وصلا بليلى، فاختلفت الشعارات المرفوعة للحكومات وتنوعت من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وكل منها تدعي أنها تسير حثيثا نحو المستقبل.. وكان المثقف يتابع او يعتنق تلك الشعارات وفق صيغته الثقافية أو وضعية نظام حكم بلاده، ومن لم يشأ اعتناق تلك الشعارات يظل يعمل على الهامش من أجل تحقيق رؤيته الفكرية. في ذلك الزمن كانت الدول، التي يطلق عليها دول المراكز الثقافية التنويرية، ومثقفوها يقودون قاطرة المستقبل، ادعاء او حقيقة، بالانتماء واعتناق الأفكار الحديثة، متصدرين الوعي الحضاري للأمة مع انتقاصها للدول الأطراف واتهام تلك الأطراف بالرجعية والتخلف، بسبب اعتناق دول الأطراف لأفكار ماضوية.
هذا التصنيف أحدث شرخا بين الدول ومثقفيها من التقدميين والرجعيين، فتمت الاستهانة بأثره في صياغة الخطاب التنويري العام للأمة، وتمثل ذلك الشرخ الذي لم يتم التنبه له جيدا، سواء من المثقف او من النظام الحامل للواء التقدمية، في البعد الاقتصادي، فالدول التقدمية كان أغلبها فقيرا، بينما الدول الموصومة بالتخلف كانت دولا غنية، فاستشعرت بالهجوم الضاري المركز على سياساتها ووجودها فتبنت المقاومة الثقافية المغايرة للمستقبل، باحتضان ودعم الأفكار الماضوية وتصديرها، ومع شراسة الحكومات الشمولية في دول المركز وشنها حربا شعواء على المثقفين الذين يجابهون سياسات أنظمتهم الشمولية، حدثت في هذه الفاصلة الزمنية هجرتان متعاكستان متضادتان: هجرة مثقف المركز إلى الدول الرجعية او إلى أوروبا، وهجرة ثقافة الدول الرجعية إلى دول المركز، فالمثقف الطليعي صمت داخل الثقافة الرجعية، أو ظل يتغنى بالتقدمية من دول اوروبا ويحفز مثقف الداخل لإحداث التغيير، ونذكر في هذا السياق صرخة الشاعر السوري ممدوح عدوان فلقتونا حرية، فغدا أثر المثقف الطليعي على أرض الواقع، كمحاولة أبكم لأن ينطق بجملة مفيدة، بينما كانت رحلة تصدير ثقافة الرجعية مدعومة بالمال الوفير تتغلغل وتتثبت في نفوس العامة، وتحدث انعكاساتها الفعلية وكسبت مواقع بين فئات المجتمعات فاستطاعت إحداث تغيير جوهري في النمط الثقافي لتلك الدول حتى إطمأنت للتغير الوجداني، تلت ذلك خطوة تهشيم كل المنجزات الفكرية التنويرية المكتسبة، وضربها في العمق بتشويهها وتصويرها بأنها ادوات هدم للدين، وكانت الثقافة الرجعية، كما يطلق عليها، تكتسب يوميا مساحة من تأييد الشارع الذي يعاني من حكومة شمولية أضافت لاستبدادها شح الموارد الاقتصادية ولم تحقق ادنى مطالب الحياة الكريمة لشعوبها، بينما كان الفرد في الدول الرجعية ينعم برفاهية العيش، وهي الرسالة التي تم تثبيتها بأن هذه الرفاهية هي نتاج السير على شرائع الدين، فزاد حنق الفرد في الدول التقدمية على السياسي والثقافي، وبدأت موجات محاربة ثقافة المراكز باسقاط كل رموز التنوير واتهامهم على مستويات متعددة، كتهمة موال للسلطة – محاربة الدين ـ تصدير الأيديولوجيات الكافرة والمشركة، وفي ظل الدعم المهول للثقافة الرجعية وصل الأمر إلى مواجهة التراث المنحرف ومحاولة تصفيته وإزالته من الوجود، فتم إحراق سفر ألف ليلة وليلة، ثم تقديم الكتاب والمثقفين للحساب (حيدر حيدر) والقتل (فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ) وجاء التسارع المهول لاسقاط الخطاب العربي التنويري بتبني امريكا لفكر القاعدة في محاربة الاتحاد السوفييتي، عندها انفتحت خزائن العالم لتغذية هذا التوجه.. وكانت الاشارات واضحة تماما بتغلب الثقافة الرجعية واقترابها من تسيد المشهد العربي حتى إذا جاءت الثورات العربية كانت من نفس النسيج، حكاما يبحثون عن وسيلة نقل تقلهم للماضي.
‘ كاتب سعودي