فرنسا 24

حجم الخط
0

محمد كريشان

أخيرا حزمت فرنسا أمرها وستطلق قناتها التلفزيونية الدولية فرانس 24 الأسبوع الأول من شهر كانون الأول/ ديسمبر المقبل باللغات الفرنسية والانجليزية والعربية بعد أن شهدت هذه الفكرة التي تحمس لها الرئيس شيراك ورعاها الكثير من الأخذ والرد في مسائل مختلفة ليس فقط من حيث موعد اطلاقها وتمويلها الذي بدا للصحف الفرنسية متواضعا (80 مليون يورو) وانما أيضا من حيث اللغات التي ستبث بها وحصة كل واحدة (نصيب العربية في الانطلاقة 4 ساعات فقط) وطبيعة الاعلانات التجارية التي ستبثها ومدي ارباكها للسوق الاعلانية الفرنسية المحلية، وصولا الي الخط التحريري الذي سيطبع عملها والذي صيغ في نهاية الأمر في وثيقة تحدد القيم التي سيتم الترويج لها والدفاع عنها في هذه المحطة الجديدة التي يعمل بها 170 صحفيا من جنسيات مختلفة.

ورغم كل التردد واللغط الذي صاحب الولادة العسيرة لتلفزيون فرنسا الدولي فان هذه المحطة تبدو مبدئيا واعدة اذا ما أخذنا في الاعتبار أوراق القوة التي تمتلكها منذ اليوم الأول مقابل بعض التحديات التي لا يعلم بعد علي وجه الدقة ما اذا كان القائمون علي المشروع قد أخذوه بعين الاعتبار منذ الآن أم ليس بعد. علي صعيد أوراق القوة يمكن استعراض أبرزها كالتالي:

ـ المحطة ستكون مرتاحة للغاية في تغطيتها للملف العراقي الملتهب والمرشح لمزيد من الالتهاب فهي علي عكس المحطات الدولية الكبري الأمريكية والبريطانية ليست في وارد الشعور بعقدة معينة في تناول الشأن العراقي بحكم تورط جيشيهما في هذا المستنقع. أكثر من ذلك، المقاربة النقدية التي ميزت الموقفين الرسمي والشعبي من الحرب علي العراق منذ البداية لا يمكن الا أن تترك بصماتها في هذا الشأن دون أن تكون في وارد أن تصبح في المقابل عرضة لجملة الاتهامات التي تعرضت لها المحطات العربية كلما غطت أحداث العراق برؤية تسارع واشنطن في غالب الأوقات بوصفها بالمتحاملة وغير المتوازنة.

ـ نفس الشيء يمكن أن يقال كذلك في الشأن الفلسطيني مع اضافة هامة للغاية وهي أن السياسة الفرنسية ظلت تاريخيا وأساسا منذ عهد زعيمها الراحل شارل ديغول الأقدر علي التعاطي مع محنة الفلسطينيين بأكبر قدر من الانصاف حتي مع التعديلات الطفيفة التي كثيرا ما تطبع هذا الملف بحكم تدوال الحكم بين اليمين واليسار في فرنسا. هذا الانصاف الذي قدره البعض وعارضه البعض الآخر الي حد وصفه بالمعادي لاسرائيل.

ـ التركيبة المتعددة عرقيا ودينيا في فرنسا يفترض أن تجعل القائمين علي الخط التحريري لهذه المحطة الأقدر علي ضرورة مراعاة احترام الآخر واحترام تنوع المعتقدات والخلفيات التاريخية في هذا العالم بعيدا عن أية وصاية أو ازدراء أو سهولة استمراء اللجوء الي الأحكام المسبقة. كل ذلك مهم رغم أن فرنسا بدت في بعض المناسبات أقل رحابة صدر في التعامل مع المهاجرين وموروثهم من دول أوروبية أخري وأساسا بريطانيا قبل اللوثة الأخيرة التي سببتها تفجيرات تموز/ يوليو 2004. بالطبع لا يوجد في العالم الآن هذه الملفات فقط دون غيرها ولكنها في الوقت الحالي علي الأقل هي الأكثر اشتعالا وهي المسيطرة علي عناوين الأخبار في كل المحطات رغم تعدد مشاربها وهي التي يتوقف الحكم للقناة أو عليها علي الكثير من أسلوب معالجتها لهذا النوع من الملفات الذي لا يعرف عن فرنسا فيها تماه مع الموقف الأمريكي المتشدد الذي كرسه في السنوات الماضية الرئيس جورج بوش وفريقه. في المقابل، هناك تحديات هامة تواجه محطة فرنسا 24 الجديدة بعضها اداري ومالي يتعلق خاصة بمدي قدرتها فعلا علي جذب كفاءات تلفزيونية بارزة في سوق يشهد تنافسا كبيرا لا تبدو باريس، حاليا علي الأقل قادرة علي مجاراته خاصة علي مستوي الرواتب، أما البعض الآخر، وهو الأهم، فهو كيفية أن تحدد المحطة الوليدة لنفسها نظام حصانة ضد التدخلات السياسية الرسمية، بعد تجارب سابقة مريرة في محطات اذاعية يمكن أن يكون راديو مونتي كارلو العربي نموذجا لها، خاصة فيما يتصل بملفات كبري كالهجرة والموقف من الاسلام وما يوصف بالحرب علي الارهاب، ففرنسا تبدو مقبلة في حمي المواعيد الانتخابية التي تنتظرها علي كثير من التجاذبات والنقاشات وحتي المزايدات بين اليمين واليسار وهي أجواء من المهم أن تنقلها المحطة الجديدة دونما تورط فيها لا الآن ولا مستقبلا بعد اتضاح الفائز وسعيه الأكيد لكسبها لصالح توجهاته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية