لبنان: صراع المذاهب وبيوت العناكب

حجم الخط
0

في لبنان اليوم ثمانية أقطاب سياسية لا تاسع لهم. هم أربعة من المسلمين – على اختلاف مذاهبهم، وأربعة من النصارى من المذهب الماروني فقط. وكل ما عداهم، هم موالون أو أتباع، لأقطاب هذا الفريق المذهبي أو ذاك. أما المسلمون، فهم عن الشيعة: السيد حسن نصرالله والإستاذ نبيه بري، وعن السنة: دولة الرئيس سعد الحريري، وعن الدروز: الإستاذ وليد جنبلاط. والنصارى الأربعة الموارنة هم: الرئيس أمين الجميل، والعماد ميشال عون، والإستاذ سليمان فرنجيه، والدكتور سمير جعجع، مع حفظ الألقاب الأخرى العديدة التي يوسمون بها. أما نفوذ الأقطاب النصارى الأربعة، فتائه بين طرفين يدوران في مداري فلكين سياسيين مسلمين، هما فلك السيد حسن نصرالله والإستاذ نبيه بري، ويدور حوله العماد ميشال عون والإستاذ سليمان فرنجيه، ويدعون بفريق 8 أذار. وفلك دولة الرئيس سعد الحريري، ويدور فيه الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع، ويدعون بفريق 14 أذار. أما الإستاذ وليد جنبلاط، فيدور حينا في فلك 14 أذار، وحينا أخر في فلك 8 أذار، ويلعب دور’بيضة القبان’ بين الطرفين، وبما يتلائم مع مصالح زعامته الطائفية المطلقة. في الإمكان اختصار – وليس تبسيط – كيفية وصول الوضع السياسي في لبنان الى ما هو عليه حاليا، من منظور حقب انتقال النفوذ السلطوي والنفعي السياسي من طائفة الى أخرى. حيث جعل ‘الميثاق الوطني’ الغامض الذي توافق عليه اللبنانيون بكل طوائفهم ومذاهبهم، مع بداية عهد الإستقلال، هذا النفوذ في عهدة الرئاسة الأولى المارونية المطلقة. انتقل هذا النفوذ الى رئاسة الحكومة السنية مع ‘إتفاق الطائف’، الأكثر غموضا، في نهاية الحرب الأهلية في تسعينيات القرن العشرين، والتي طالت لما يقارب العقد والنصف، حيث أسقط نفوذ الموارنة نتيجة تحاربهم مع بعضهم البعض، وانقضاض سلطة مال البترودولار على جميع امتيازاتهم في السلطة. استمر النفوذ السني من خلال امتيازات رئاسة الوزراء السني، مع دولة الرئيس رفيق الحريري، من 1990 الى 2005، عام مقتله في إنفجار ما زالت تداعياته السلبية تتردد من خلال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. أما الحقبة الثالثة التي ما زالت رحى طواحينها تربك طرفي النزاع، فبدأت مع خروج ‘قوات الردع السورية’ من لبنان عام 2005، على أثر أغتيال الرئيس الحريري، وبداية ملامح النفوذ الشيعي، وخاصة، الأثر البالغ الذي كان لانتصار المقاومة اللبنانية الإسلامية على إسرائيل في حرب صيف العام 2006. فعوضا عن البقاء بعيدا عن القضايا الداخلية اللبنانية الغارقة في لعبة الطائفية السياسية المقيتة، تورطت زعامات المقاومة البطلة في نزاعات داخلية، منها 7 أيار/ مايو 2007، حتى أصبح النفوذ السياسي السلطوي في عهدة الشيعة، وعلى رأسهم الإستاذ نبيه بري. ويبدو الأمر حاليا كأن الشيعة هم – تحت الكواليس حينا، وفوقها أحيانا عديدة – في صدد التحضير لإتفاق جديد، يؤدي الى الشيعية السياسية، من المتوقع أن يجري التوقيع عليه في مكان غير معروف تاريخه.
توازى هذا السباق السني-الشيعي الى السلطة، مع الصراع الإقليمي السعودي- الإيراني، وتداخل أيضا مع قرب تحقق ‘الهلال الشيعي’ – ويضم إيران والعراق وسوريا ولبنان – الذي حذر منه العاهل الأردني، عبدالله الثاني. جر هذا التسابق الباطني بين السنة والشيعة، الوبال الأمني على الداخل اللبناني، في تفجيرات ذهب ضحيتها شخصيات سياسية، وأبرياء لبنانيين كثر، جراء تواجدهم في أماكن استهداف هذه الشخصيات. لا شك أنه لا يمكن إستبعاد الكيان الصهيوني عن الإتهام بارتكاب مثل هذه الجرائم الوحشية، إلا أنه لا يخفى على المراقب أن مثل هذه التفجيرات يندر حدوثها عندما يتواصل أطراف الصراع ويدعون الى الحوار ونبذ التطرف، ودعم الجهات الأمنية في مكافحة ‘الإرهاب’ و ‘التكفيريين’. مصير لبنان حاليا هو بين فكي كماشة النزاع السني-الشيعي الإقليمي الذي له أرتداداته الأمنية على الداخل اللبناني، ولا خلاص للبنان دون تحمل طرفي التنازع اللبناني كامل مسؤولياتهما الوطنية والوصول الى شاطىء الأمان. ولا بد من الإقرار أن لا دور، ولا قدرة، لكافة الأقطاب النصارى، بأن يقوموا بأي مبادرة، لأن لا حول لهم ولا قوة، اقليمية كانت أو دولية، بل اصبحوا أشبه بـ’شرابة خرج’، كما يقول المثل اللبناني الشعبي الصادق.
سعد نسيب عطاالله لبنان
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية