خطأ في تحديد أولوية الأهداف أفسد الثورة !

حجم الخط
0

بعد ثلاث سنوات من ثورة تونس بدى الأمر كأن شيئا لم يتغير، حتى ان رموز المنظومة القديمة عادوا من جديد بكل قوة، ليحتلوا مواقعهم السابقة والجديدة التي وقعت ترقيتهم اليها بعد الثورة، وكان ذلك بمثابة اعلان فشل، فكأن الثورة أخطأت الطريق الذي كان يجب أن تسلكه، نتيجة خطأ في تحديد أولوية الأهداف.
الحرية والكرامة والتشغيل كانت هي الأهداف الكبرى للثورة التي نادى بها الجميع. ولكن الحرية لا تصح في الفوضى، والكرامة لا تتحقق في الرداءة والعبث، والعمل على تشغيل اكثر من 800 الف عاطل في سنة او ثلاث في دولة صغيرة ومحدودة الموارد مثل تونس يعتبر ضربا من الجنون والخبل. ونسيان العدو الذي ثارت من اجله القوى الشبابية كان هو الخطأ الفادح الذي ارتكبه الثوار الحقيقيون، فقد كان من المفترض لتحصين الثورة وإنجاحها ان يكون الهدف الأول هو كبح جماح الأعداء في خلق مناخات التعفن والفوضى.
لقد أخطأت النخب السياسية حينما ذهبت لعرض عضلاتها من خلال الحديث عن الحرية والكرامة والتشغيل في قراءة عرجاء لما خرج من أجله الشعب. شعاران هامان رفعهما الثوار، كان فيهما التعبير الدقيق لما يجب ان يكون الهدف الاول، وهما ‘يسقط حزب الدستور، يسقط جلاد الشعب’ و ‘تونس حرة حرة والتجمع على برة’. المعنى كان التخلص من منظومة حزب الدستور وحزب التجمع لنجاح الثورة، وبما ان رأس النظام الهارب لا يكفي وحده فقد تواصلت النداءات بالتخلص من المنظومة كاملة الى حد انتخابات 23 تشرين الاول/ اكتوبر، ولكن لا النخب السياسية ولا الحكومات المتعاقبة قد تلقفت المعنى.
فحكومات ما قبل 23 تشرين الاول/ اكتوبر كانت جزءا من المنظومة القديمة، وحكومات ما بعد 23 قد بنت تسييرها للبلاد على خطيئتين، الأولى اعتبار ان الكل انضبط لنتائج الانتخابات واعترف بها بمن فيهم العدو، والثانية مقايضة السلم والأمن الاجتماعيين مقابل الاستجابة لكل المطالب الاجتماعية والاقتصادية ما يصلح منها وما لا يصلح. والخطيئتان قد استغلهما اعداء الثورة ايما استغلال لتهييج كل القطاعات للحصول على اكبر المكاسب الممكنة دون اعتبار لواقع تونس، وقد ابهرتنا الحكومات المتعاقبة بانصياعها لأغلب المطالب، التي ادت في النهاية الى نتيجتين، أولهما دخول البلاد في مأزق اقتصادي وأمني وثانيهما اكراه الحكومة القائمة على قبول الاستقالة. وهذا ما ينبئ بدخول تونس في تحركات اجتماعية قادمة قد تكون قاتلة.
ومن نتائج عدم تقدير الهدف الحقيقي الأولي للثورة، هو التشكيك في حدوث ثورة في تونس. فبعد ثلاث سنوات من الصمت، خرج الجنرال احمد شابير، الذي عايش ما قبل الثورة وما بعدها وهو رئيس المخابرات العسكرية، ليقول بان ما حدث يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2011 تحديدا ليس سوى محاولة انقلاب امنية بمساعدة مخابرات اجنبية، وان تلك الجماهير التي كانت مرابطة في شارع الحبيب بورقيبة لم تكن قادرة على اسقاط المخلوع، والدليل انه تم التخلص منها في اقل من ساعة. ثم أضاف بان ليس هناك ما يسمى قناصة، لينفي وجود ثورة وقتلة. وفي نفس الوقت الذي تحدث فيه السيد شابير، صرحت ‘مفجرة الثورة’ العون بلدية السيدة فادية حمدي لتقول بأنها لم تصفع البوعزيزي، لتسقط بذلك كل التسلسل التاريخي الذي اسال حبرا كثيرا مثل ‘الصفعة التي صنعت ثورة’.
في المحصلة، ان الفشل في تحصين الثورة من اعدائها، والذي يفترض بان يكون هو الهدف الأول والأهم لحماية دماء الشهداء وحماية تونس من عودة الاستبداد، قد مكن هؤلاء الأعداء من العودة بقوة، فقد رحل رأس النظام، وبقيت منظومته كما هي، بل اقوى من ذي قبل.
د. محجوب احمد قاهري
تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية