كرم إسرائيلي
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأهمية الاستراتيجية لمياه بحيرة طبريا في منظومة المياه الإسرائيلية، فكيف ولماذا ينزل الكرم الإسرائيلي في الموافقة على تزويد الأردن والسلطة الفلسطينية بنحو خمسين مليون متر مكعب من مياه بحيرة طبريا لكل منهما؟ وذلك بحسب مشروعات القناة المنوي تنفيذها، والتي ستصل البحر الأحمر بالبحر الميت ـ نحو 180 كيلومترا ـ وبحسب الاتفاق الذي تم توقيعه مؤخرا في واشنطن بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية.
لا شك إن المغانم لإسرائيل تفوق كثيرا ما يمكن أن تمنحه أو تتبرع به من مياه. وعلينا التذكير بأن إسرائيل استحوذت على مصادر من مياه كثير من البلدان المحيطة بها، بعد حرب عام 1967، كمياه نهر الأردن الأعلى وقسم من مياهه في الأسفل، وأخذت حصتها كاملة من مياه نهر اليرموك ـ نحو مئة مليون متر مكعب ـ بعد أن أقيم عليه سد توزعت مياهه على سورية والأردن، فماذا بقي من مياه لتصب في البحر الميت؟
لا شك أن بقايا من مياه الجداول، ربما لا زالت تصب فيه، وحبيبات من المطر قليلة وربما نادرة تسقط عليه من أمطار الشتاء الشحيحة في المنطقة التي تنخفض عن سطح البحر بنحو 400 متر؛ هكذا هو الأمر بالنسبة لهذا البحر، الميت، الذي أخذ يموت تدريجيا مع مرور الزمن، فقلت مياهه وعمقه، وانحسرت مساحته، وتراجع إنتاج الفوسفات منه من قبل الأردن وإسرائيل معا.
ذكر بعض العلماء إنه في حال استمر التدهور في ما يخص هذا البحر على ما هو عليه، فإنه سيختفي في موعد ربما لا يتجاوز عام 2050، وإذا ما كانت مشاريع عدة قد تم رسمها على الورق منذ مئات السنين، لوصل البحر الميت بالبحر الأبيض المتوسط أو بالبحر الأحمر؛ إلا أن ذلك لم يأخذ حيزه التنفيذي، بسبب عقبات مالية أو سياسية أو فنية وغيرها، فهل يمكن للمشروع الجديد أخذ حيزه التنفيذي، خصوصا أن تسوية سلمية لم يتم التوصل إليها حتى اليوم، ولم تحل القضايا المعلقة بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، كقضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه والأمن والأسرى والمستوطنات.. إلخ.
علينا التذكير هنا بأن مشروعا لتقاسم المياه بين الكيان الصهيوني والبلدان العربية المحيطة، تم طرحه عن طريق الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، أطلق عليه اسم ‘مشروع جونستون’، إلا أنه لم يصل إلى مرحلة التنفيذ، نظرا لتحيزه في إعطاء إسرائيل حصة من مياه الأنهار التي تنبع وتسير في البلدان العربية، أكثر بكثير من حصة بعض تلك البلدان، وبسبب ـ وهذا هو الأهم ـ أن أحد أهدافه الرئيسة تمثلت في حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عن طريق توطينهم في البلدان التي لجأوا إليها، وعدم عودتهم إلى ديارهم، حسب القرار الأممي الرقم 194 الصادر في العام 1948. فما هي تفاصيل المشروع الجديد، بحسب ما نشر في الصحافة الإسرائيلية والعربية، وما نقلته وكالات أنباء عالمية؟
مشروع أولي
في تصريح لافت لرئيس الوزراء الأردني عبدالله النسور نقلته صحيفة ‘الحياة’ في 21/8/2013 أي قبل نحو أربعة أشهر من توقيع الاتفاق رسميا في واشنطن، ذكر فيه ‘أن الأردن سيبيع ويشتري مياها من إسرائيل، بعد إنجاز المرحلة الأولى من مشروع ناقل قناة البحرين ـ بين البحر الأحمر والبحر الميت ـ بكلفة 980 مليون دولار’، وبحسب النسور تتضمن المرحلة الأولى من المشروع سحب المياه من البحر الأحمر وتحليتها في مدينة العقبة، وتصريف المياه المالحة في البحر الميت ـ يبعد نحو 180 كيلومترا عن البحر الأحمر ـ بينما سترسل المياه العذبة إلى العقبة، حيث ستلبي احتياجات المنطقة، ويباع الفائض لإسرائيل؛ إذ أن كلفة إعادة ضخها إلى مناطق الشمال مرتفعة، بينما ستشتري المياه من إسرائيل، بهدف توفير احتياجات محافظات الشمال ـ تم حل هذا الإشكال عن طريق مياه بحيرة طبريا’.
أما وكالة الأنباء الفرنسية، فإنها نقلت تصريحا لسيلفان شالوم وزير الطاقة والتطوير الإقليمي في التاسع من الجاري، ذكر فيه ‘إن المشروع ينص على سحب المياه من خليج العقبة شمال البحر الميت، وسيحلى بعض هذه المياه ويوزع على إسرائيل والأردن والأراضي الفلسطينية، بينما سينقل الباقي عبر أربعة أنابيب إلى البحر الميت الذي ستخف مياهه بحلول عام 2050.
أما عن أهمية هذا المشروع، فإن شالوم ذكـــــر إن الاتفاق يتضمن جوانب اقتصادية تتمثل في تزويد الدول المجاورة بمياه محلاة رخيصة، وجوانب بيئية تهدف إلى إنقــــاذ البحـــر المــيت، وجوانب إستراتيجية هذا هو الأهم إذ أن توقيعه يترافق مع انهيار مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وهذا اختراق بعد سنوات عديدة، مؤكدا أن هذا لا يقل عن ‘خطوة تاريخية’.
سابق ولاحق
ويمكن تسجيل التالي على ما تم نشره عن المشروع:
إنه يأتي في وقت يتم الحديث فيه عن حل اقتصادي، في ما يتعلق بالدولة والقضية الفلسطينية التي يتم التفاوض ـ بشكل مرير ـ من أجل إقامتها. ويبدو أن هذا المشروع هو من الخطوات العملية الأولى، إذا ما تم المضي قدما في إقامته.
لم يتورع شالوم عن الاعلان عن انهيار مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، إلا أنه اعتبر الاتفاق ‘اختراقا وخطوة تاريخية، والسؤال هنا هل يتواءم ويتوافق هذا مع ذاك، وهل التكحيل يمنع العمى؟ لا شك في ان المشروع ما زال في بدايات جس نبضه لإمكانية أن يمضي قدما في التنفيذ، وهو جزء بسيط من مشروع أكبر وأضخم وأكثر كلفة، ويمكن أن تبرز في وجهه ألف عقبة وعقبة.
أخيرا يمكن التذكير بأن مشروع جونستون الأمريكي لحل مشكلة المياه في المنطقة، تشاطر ونص على توطين الفلسطينيين، حيث هم في أماكن لجوئهم، بعكس ما يطالب به القرار الأممي رقم 194. لذا فإنه فشل وتوقف الحديث عنه. وها هو المشروع الجديد يحصر نفسه بمشكلة بسيطة، تتعلق بالمياه، وتم طرحه على أنقاض ‘مباحثات السلام’ المعطلة بحسب ما ذكر شالوم. فهل يمكن الاستمرار بإنضاج ظروف إقامته في ظل المعطيات القائمة والمصابة بالعديد من الاختلالات؟
‘ كاتب فلسطيني