قناة البحرين الأحمر والميت هل تنقذ البحر الميت من الموت؟

في تسعينيات القرن الماضي، وعندما كان الجنوب اللبناني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، جاءت لجنة فنية مائية متخصصة، في عجلة من أمرها في أحد أشهر الصيف الحارة إلى الجنوب المحتل، وأخذت في البحث والتقصي والمعاينة والمراجعة عن كثب، كي تحاول كشف أو اكتشاف أسباب تدني مستوى المياه في بحيرة طبريا. فلم تكتف اللجنة بتقارير إدارة الاحتلال التي أفادت بأن لا شيء قد حدث أو يحدث على الأرض، وأنها لم تكتشف لا مخططات ولا مشاريع ولا قنوات جر أو تفريعات، ولا حتى ضربات معول لأي فلاح لبناني، أراد تحويل ساقية لإرواء حقله، أو حتى من أجل الحصول على مياه الشفة، مع أن ذلك من حقه بحسب القوانين المحلية والعالمية؛ فنهرا الحاصباني والوزاني، وأنهار صغيرة أخرى وفروعها، تنبع وتسير في الأراضي اللبنانية، إلا أنها تلتقي بعد كيلومترات تقل عن أصابع اليد الواحدة مع أنهار أخرى تنبع من هضبة الجولان السورية؛ كنهر بانياس ونهر القاضي (الدان) الذي ينبع ويسير على خط الحدود بين سورية وفلسطين. تلتقي هذه الأنهار وغيرها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتتجه جنوبا لتصب في بحيرة طبريا، وتعرف هذه الأنهار بعد التقائها وامتزاجها، بنهر الأردن الأعلى.
إذن لم تجد بعثة المياه الإسرائيلية التي جاءت على عجل وتوتر، أي مشروع على الأنهار اللبنانية، يمكن أن يؤثر على كميات المياه في بحيرة طبريا. لذا فإن البعثة ربما قبلت على مضض أن شح المطر بالمنطقة كلها في ذلك العام، ربما كان السبب في انخفاض كميات المياه في البحيرة، وبالتالي لا حاجة بنا إلى التأكيد، بأن بحيرة طبريا هي الخزان والمصدر الأول للمياه في فلسطين المحتلة، وأن كمية من مياهها بعد تحويلها إلى الساحل الفلسطيني، وبعد ذلك إلى صحراء النقب ـ نحو نصف مساحة فلسطين ـ هي العامل الأول في توفير وتموين مشاريع مياه الشفة والري والزراعة والصناعة في فلسطين المحتلة.

كرم إسرائيلي

إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأهمية الاستراتيجية لمياه بحيرة طبريا في منظومة المياه الإسرائيلية، فكيف ولماذا ينزل الكرم الإسرائيلي في الموافقة على تزويد الأردن والسلطة الفلسطينية بنحو خمسين مليون متر مكعب من مياه بحيرة طبريا لكل منهما؟ وذلك بحسب مشروعات القناة المنوي تنفيذها، والتي ستصل البحر الأحمر بالبحر الميت ـ نحو 180 كيلومترا ـ وبحسب الاتفاق الذي تم توقيعه مؤخرا في واشنطن بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية.
لا شك إن المغانم لإسرائيل تفوق كثيرا ما يمكن أن تمنحه أو تتبرع به من مياه. وعلينا التذكير بأن إسرائيل استحوذت على مصادر من مياه كثير من البلدان المحيطة بها، بعد حرب عام 1967، كمياه نهر الأردن الأعلى وقسم من مياهه في الأسفل، وأخذت حصتها كاملة من مياه نهر اليرموك ـ نحو مئة مليون متر مكعب ـ بعد أن أقيم عليه سد توزعت مياهه على سورية والأردن، فماذا بقي من مياه لتصب في البحر الميت؟
لا شك أن بقايا من مياه الجداول، ربما لا زالت تصب فيه، وحبيبات من المطر قليلة وربما نادرة تسقط عليه من أمطار الشتاء الشحيحة في المنطقة التي تنخفض عن سطح البحر بنحو 400 متر؛ هكذا هو الأمر بالنسبة لهذا البحر، الميت، الذي أخذ يموت تدريجيا مع مرور الزمن، فقلت مياهه وعمقه، وانحسرت مساحته، وتراجع إنتاج الفوسفات منه من قبل الأردن وإسرائيل معا.
ذكر بعض العلماء إنه في حال استمر التدهور في ما يخص هذا البحر على ما هو عليه، فإنه سيختفي في موعد ربما لا يتجاوز عام 2050، وإذا ما كانت مشاريع عدة قد تم رسمها على الورق منذ مئات السنين، لوصل البحر الميت بالبحر الأبيض المتوسط أو بالبحر الأحمر؛ إلا أن ذلك لم يأخذ حيزه التنفيذي، بسبب عقبات مالية أو سياسية أو فنية وغيرها، فهل يمكن للمشروع الجديد أخذ حيزه التنفيذي، خصوصا أن تسوية سلمية لم يتم التوصل إليها حتى اليوم، ولم تحل القضايا المعلقة بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، كقضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه والأمن والأسرى والمستوطنات.. إلخ.
علينا التذكير هنا بأن مشروعا لتقاسم المياه بين الكيان الصهيوني والبلدان العربية المحيطة، تم طرحه عن طريق الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، أطلق عليه اسم ‘مشروع جونستون’، إلا أنه لم يصل إلى مرحلة التنفيذ، نظرا لتحيزه في إعطاء إسرائيل حصة من مياه الأنهار التي تنبع وتسير في البلدان العربية، أكثر بكثير من حصة بعض تلك البلدان، وبسبب ـ وهذا هو الأهم ـ أن أحد أهدافه الرئيسة تمثلت في حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عن طريق توطينهم في البلدان التي لجأوا إليها، وعدم عودتهم إلى ديارهم، حسب القرار الأممي الرقم 194 الصادر في العام 1948. فما هي تفاصيل المشروع الجديد، بحسب ما نشر في الصحافة الإسرائيلية والعربية، وما نقلته وكالات أنباء عالمية؟
مشروع أولي

في تصريح لافت لرئيس الوزراء الأردني عبدالله النسور نقلته صحيفة ‘الحياة’ في 21/8/2013 أي قبل نحو أربعة أشهر من توقيع الاتفاق رسميا في واشنطن، ذكر فيه ‘أن الأردن سيبيع ويشتري مياها من إسرائيل، بعد إنجاز المرحلة الأولى من مشروع ناقل قناة البحرين ـ بين البحر الأحمر والبحر الميت ـ بكلفة 980 مليون دولار’، وبحسب النسور تتضمن المرحلة الأولى من المشروع سحب المياه من البحر الأحمر وتحليتها في مدينة العقبة، وتصريف المياه المالحة في البحر الميت ـ يبعد نحو 180 كيلومترا عن البحر الأحمر ـ بينما سترسل المياه العذبة إلى العقبة، حيث ستلبي احتياجات المنطقة، ويباع الفائض لإسرائيل؛ إذ أن كلفة إعادة ضخها إلى مناطق الشمال مرتفعة، بينما ستشتري المياه من إسرائيل، بهدف توفير احتياجات محافظات الشمال ـ تم حل هذا الإشكال عن طريق مياه بحيرة طبريا’.
أما وكالة الأنباء الفرنسية، فإنها نقلت تصريحا لسيلفان شالوم وزير الطاقة والتطوير الإقليمي في التاسع من الجاري، ذكر فيه ‘إن المشروع ينص على سحب المياه من خليج العقبة شمال البحر الميت، وسيحلى بعض هذه المياه ويوزع على إسرائيل والأردن والأراضي الفلسطينية، بينما سينقل الباقي عبر أربعة أنابيب إلى البحر الميت الذي ستخف مياهه بحلول عام 2050.
أما عن أهمية هذا المشروع، فإن شالوم ذكـــــر إن الاتفاق يتضمن جوانب اقتصادية تتمثل في تزويد الدول المجاورة بمياه محلاة رخيصة، وجوانب بيئية تهدف إلى إنقــــاذ البحـــر المــيت، وجوانب إستراتيجية هذا هو الأهم إذ أن توقيعه يترافق مع انهيار مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وهذا اختراق بعد سنوات عديدة، مؤكدا أن هذا لا يقل عن ‘خطوة تاريخية’.

سابق ولاحق

ويمكن تسجيل التالي على ما تم نشره عن المشروع:
إنه يأتي في وقت يتم الحديث فيه عن حل اقتصادي، في ما يتعلق بالدولة والقضية الفلسطينية التي يتم التفاوض ـ بشكل مرير ـ من أجل إقامتها. ويبدو أن هذا المشروع هو من الخطوات العملية الأولى، إذا ما تم المضي قدما في إقامته.
لم يتورع شالوم عن الاعلان عن انهيار مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، إلا أنه اعتبر الاتفاق ‘اختراقا وخطوة تاريخية، والسؤال هنا هل يتواءم ويتوافق هذا مع ذاك، وهل التكحيل يمنع العمى؟ لا شك في ان المشروع ما زال في بدايات جس نبضه لإمكانية أن يمضي قدما في التنفيذ، وهو جزء بسيط من مشروع أكبر وأضخم وأكثر كلفة، ويمكن أن تبرز في وجهه ألف عقبة وعقبة.
أخيرا يمكن التذكير بأن مشروع جونستون الأمريكي لحل مشكلة المياه في المنطقة، تشاطر ونص على توطين الفلسطينيين، حيث هم في أماكن لجوئهم، بعكس ما يطالب به القرار الأممي رقم 194. لذا فإنه فشل وتوقف الحديث عنه. وها هو المشروع الجديد يحصر نفسه بمشكلة بسيطة، تتعلق بالمياه، وتم طرحه على أنقاض ‘مباحثات السلام’ المعطلة بحسب ما ذكر شالوم. فهل يمكن الاستمرار بإنضاج ظروف إقامته في ظل المعطيات القائمة والمصابة بالعديد من الاختلالات؟

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية