نزار بين مكتبتين
عمر خليفةنزار بين مكتبتينينام نزار قباني هادئا في مكتبة جامعة كولومبيا الامريكية، كلماته خرساء، ونساؤه الساحرات اصبحن ظلالا لا تجد غيما يوقظها. وحيد نزار، غريب غربة لسان المتنبي المشهورة، غريب غربة الحب العربي في بلاد لا تحتاج ثورة نزار وتمرده. هل هذه مجموعات نزار؟ هل هذه هي السمراء التي قالت لكل الشباب العربي، لا لنزار وحده، فما بالها ما عادت تغازل شباب الضباب والكوكاكولا؟فوجئت حين رأيت دواوين نزار قباني تملأ أحد الرفوف في مكتبة جامعة كولومبيا العملاقة، إلي جانب عدد هائل من النصوص الإبداعية العربية، شعرا ورواية ونقدا، وقد تجد هنا رواية ظلت ممنوعة في موطنها، أو شاعرا حكم علي نصوصه في البلاد العربية، كما حكم علي ذاته قبلا، بالنفي والاغتراب. وإذا بحثت عن كتاب عربي ولم تجده علي رفوف المكتبة، فإنه قد يكون مخبوءاً لعشاق اصطياد الكلمة في مواقع فرعية للمكتبة تحوي ما لا يكثر عليه الطلب من الكتب التي ضاقت بها المكتبة الأم، وما عليك سوي طلب الكتاب عبر الانترنت ليصلك خلال يومين أو ثلاثة.لكن ذلك لم يكن سبب دهشتي الحقيقية لرؤية مجموعات نزار هنا، فما أدهشني حقا هو أنني، وللمرة الأولي في حياتي، أجد مجموعات نزار ماثلة أمام العيان دون أن تكون معارة أو مخبأة في غير أماكنها. نزار بعينه، بكلماته، يقف أمامي، بعد أن كان الحصول علي ديوان له يحتاج إلي رحلة بحث وانتظار. في مكتبة الجامعة الأردنية، حيث درست، تسافر دواوين نزار منذ اليوم الأول لبداية الفصل الدراسي، تسافر بلا رجعة، بتذكرة ذهاب فقط. تشعر أحيانا أن بعض الطلاب والطالبات- وربما الطالبات تحديدا- يغادرون قاعات التسجيل ركضا إلي المكتبة العامة في الجامعة الأردنية، فمخازن الكتب، فقسم الشعر، ثم نزار، قبلة العشق ولحظات الحرمان والتمرد. ورغم أن دواوين نزار متوفرة في الأسواق توفر الخبز والماء، من المكتبات الراقية في غرب عمان إلي بسطات وسط البلد، وبأسعار لا تتجاوز سعر ساندويش شاورما أحيانا، فإنها مع ذلك تظل من الكتب القليلة، وربما الوحيدة، التي تعيش خارج مكتبة الجامعة. ولو أن قياس مستوي القراءة في الجامعة الأردنية قام علي أساس قراءة نزار لحاز طلابها- وانا احدهم- علي أعلي المستويات. والغريب أنني كنت أبحث عن كتب نزار في أجهزة الحاسوب في المكتبة فلا أجد بجانبها الحرف (م) الذي يفيد أنها معارة، فأهرع راكضا لعلي أظفر بواحد منها، لكن بلا فائدة. وإذا شعرت بغضب شديد من لصوص الكتب الذين يخبئونها في غير أماكنها، فقد أتوجه إلي بعض موظفي المكتبة طالبا منه مساعدتي، لكنه يقطع أملي قائلا (بتدور علي شعر لنزار؟ انس الموضوع، والله لو تقعد شهر تستني ما اجت!) وأحيانا تسمع، وأنت تنبش عن كتاب أو تقرأ في صحيفة، همهمات لأحد الموظفين المنزعجين (هوهو عاد! جنّنونا بشعر نزار، الكل مستلمني بسأل عنه، والله منا عارف ليش!) ليش؟ ربما يكون من البلاغة غير المستحبة الإجابة عن هذا السؤال، فنزار لغة مشتركة بين كثير من العرب شيبا وشبانا، لكنه تعبير عن ضيق بازدحام شديد علي كاتب ربما لا يعني كثيرا للموظف الهرم الذي تجاوز مرحلة البحث عن نص الحب والحب ذاته. هذه الصور تداعت إلي ذهني عندما رأيت كتب نزار للمرة الأولي هنا في جامعة كولومبيا. ربما شعرت بحالة من النشوة غير المبررة لشاعر تشكل شهرته وسطوة حضوره حلما لكل عربي مبتدئ علي سلم الكتابة، فها هو ذا معشوق الجماهير يجلس وحيدا هنا، وها هي كتبه معروضة أمامي لأختار منها ما أشاء. المفارقة أنني لم أستعر أيا منها، علي الرغم من قدرتي علي أخذها جميعا مرة واحدة إلي غرفتي البائسة، إذ ليس ثمة سقف للكتب الممكن استعارتها من هذا المكان المدهش، أو كما أجابني موظف الإعارة هنا ضاحكا ردا علي سؤالي عن عدد الكتب التي أستطيع إخراجها مرة واحدة: as much as you can carry!. إذن، ورغبة مني في التماهي مع المجتمع الذي أعيش فيه، قررت عدم استعارة كتب نزار هنا، ومن ثم عدم قراءته، لأنني لن أجد أحدا يرهف أذنيه سماعا لأشعاره. لماذا أقرأ نزار هنا وأردده، في عالم تجاوز أحلام الفتي الدمشقي وأحلام الملايين من المعذبين بالحب العربي البائس، الرابض فوق الأحرف الظمأي لنسائم الصبوة والجمال؟ هنا، لا قارئة فنجان تنتظر، ولا أحد يبيع الدنيا وما فيها لأجل حبيبه.هل ثمة عينان هنا يجري فيهما نهر الأحزان؟ ماذا سيصنع نزار قباني لو أحب فتاة أمريكية؟هل سيقرأ لها الجريدة علي صفحات الانترنت أو يدعوها إلي فنجان قهوة في ستار باكس؟هل سيقول لها الان:ذات العينين الزرقاوين أو الخضراوين؟ ماذا سيقدم الحب العربي الممزوج بفلسفة الحرمان والخوف إلي فتيات تجاوزت تجاربهن مرحلة النظرة والخفقة الأولي؟ هل يمكن أن تتماهي الفتاة الأمريكية مع نجاة أو ماجدة الرومي وهي تسافر بعيون حبيبها؟ أرغب في البحث عن ترجمة لقصيدة نزار (كلمات) وقراءتها علي عدد من الفتيات الأمريكيات لأري كيف ينظرن إلي هذه الفتاة العربية التي قلب لها حبيبها حياتها في رقصة واحدة، أو لعل الأفضل أن أدعو إحداهن إلي رقصة حقيقية كي أري إن كانت كلماتي لها ليست كالكلمات! ربما أحاول نسيان قصائد نزار التي حفظتها في زمن مضي، فلعل الأجدي أن أحفظ أشعارا أخري تناسب المكان الزمان، أو ربما أجرب نظم قصائد معارضة لبعض قصائده، مقتفيا أثر أمير الشعراء شوقي في معارضة الكبار، قد أسميها (التحف النيويوركية في الرد علي الصبوات الدمشقية)، ولكن كيف نمحو الذاكرة التي شكلتها تلك القصائد،إن كانت ثمة إمكانية لمحوها؟ سنظل نرحل بحثا عن فتاة الفنجان تلك، ما ظل صوت عبدالحليم وكلمات نزار ماثلة في قلوبنا، من عمان إلي نيويورك إلي زوايا الأرض كلها، لأن نزار بشرنا،بداية، باستحالة العثور عليها.طالب فلسطيني ـ جامعة كولومبيا0