قبل ثلاثة اشهر بعد انتهاء قضية مغطاة اعلاميا ومستمرة، وقعت الدول الغربية الكبرى برئاسة الولايات المتحدة مع رئيس سوريا بشار الاسد على واحد من اكثر الاتفاقات هذيانا في تاريخ الدبلوماسية. ففي اطار ذلك الاتفاق الذي جاء على إثر الأدلة التي شهدت على استعمال الرئيس السوري للسلاح الكيميائي، أصدر دكتاتور دمشق في واقع الامر ‘كلمة رجل’ مؤيدة اذا لم تكن كافية في نظر شخص ما بكلمة رجل آخر وهو فلادمير بوتين أنه يلتزم بأن يسلم الى مراقبي الامم المتحدة كل السلاح الكيميائي في مخازنه وألا يخفي عليهم شيئا. عوض ذلك التفضل في اطار الاتفاق حصل الرئيس الاسد على ضوء اخضر أكثر لمعانا مما كان في أي وقت مضى في السنتين والنصف الاخيرة، للاستمرار على ذبح عشرات آلاف المواطنين الأبرياء بذلك السلاح الذي قتلهم به حتى ذلك الحين، وليس هو سلاحا كيميائيا بالطبع بل هو سلاح تقليدي. وحظي بثناء متحمس من وزير الخارجية الامريكي لـ ‘تعاون’ حكومته وكأن ذلك حبة الكرز في الكريما. مُنح الاسد شرعية جديدة ستصاحبه في الطريق الى قمة جنيف التي لا فائدة منها، ثم مباشرة الى ولايته التالية. إن مثل هذه الكمية من الاخفاقات التي طبخت في طهران وقدمتها موسكو ساخنة لم تُبتلع منذ كانت ميونيخ في 1939. قال حكماؤنا إن الجناية تجر الجناية، وبعد شهر ونصف من الاتفاق الفاضح مع سوريا فتح البيت الابيض وحليفات الولايات المتحدة الساذجة أفواهها لتتناول طبيخ الاخفاقات ذاك من المطبخ الايراني مباشرة في هذه المرة على هيئة ‘توجه جديد’، ببطولة الرئيس الجديد المبتسم حسن روحاني. إن روحاني ذاك الذي أسر قلب الغرب هو في حقيقة الامر متطرف خميني أكثر تشددا بأضعاف من محمود احمدي نجاد الحسن الذكر. إنتبهوا الى مثال واحد من امثلة كثيرة: فقد اختار نجاد القلم الذي سيوقع به على صفقة ‘اليورانيوم مقابل قضبان الوقود الذري’ مع فرنسا قبل سنتين، وهو اتفاق أفضل كثيرا من المهانة الحالية وكان الذي أعاق تلك الصفقة الحلقة ‘الاصلاحية’ و’الخضراء’ لحسين موسوي و خمنتم تخمينا صحيحا حسن روحاني. وعلى كل حال فان الاتفاق مع ايران الذي انطلق أمس في واقع الامر اسوأ حتى من الاتفاق مع سوريا. فالايرانيون بخلاف الاسد لم يلتزموا بأن يسلموا شيئا، فقد بقيت جميع الاجهزة والمعدات والتكنولوجيا المطلوبة لانتاج قنبلة ذرية في أيديهم، وقد وافقوا في الحاصل على أن يقللوا مؤقتا مستوى تخصيب اليورانيوم، ويشبه ذلك تقريبا أن تستعملوا غسالتكم في البيت بصورة ابطأ. يمكن دائما العودة الى مستوى التخصيب ‘الاشكالي’ بل أكثر منه في يوم واحد تقريبا. في مقابل هذه المصالحة النبيلة حصل الايرانيون على جوائز أعظم حتى مما حصل عليه الاسد: فقد حصلوا على حرية الدفع قدما بالمشاريع الاستراتيجية في الشرق الاوسط التي تثمر ثمرات كثيرة عصيرية دون أية مساعدة ‘ذرية’؛ وعلى اقتصاد مجدد زاهر وقد أُسقط الآن جزء كبير من العقوبات المؤلمة؛ وعلى ‘تحول’ للصورة من محور الشر الى دولة سليمة العقل محبوبة جدا في المنطقة. عند الروس مثل يقول لا أحد يدوس على المعزق نفسه مرتين، ومن المؤسف أن الامريكيين لا يعرفون اللغة الروسية.