في مهرجان الأقصر: تحدي الرقابة والاحتفاء بالسينما المحلية

حجم الخط
0

الأقصر- من أحمد شوقي: على ضفاف النيل وفي المدينة التاريخية الساحرة، افتتحت فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية.
المهرجان الوليد الذي يحاول بصعوبة إثبات وجوده على الساحة السينمائية، في ظل ظروف سياسية واقتصادية متوترة، تجعل إقامة المهرجان في حد ذاته خطوة إيجابية، وإن كان الأهم في حالتنا هذه هو العمل على خروج المهرجان بصورة إيجابية، سواء على صعيد البرمجة واختيارات الأفلام المشاركة، أو على الصعيد التنفيذي خاصة فيما يتعلق بوصول الأفلام لمستحقيها، وهم في حالتنا أهالي مدينة الأقصر، والتي برغم شهرة مدينتهم وانفتاحها ـ بحكم النشاط السياحي ـ على عدد ضخم من الثقافات، تظل حتى يومنا هذا محرومة من وجود قاعة سينما واحدة تعمل باستمرار طوال العام.
الأقصر صارت الآن تستضيف مهرجانين سينمائيين سنويا، أحدهما خاص بالسينما الأفريقية والآخر بالسينما المصرية والأوروبية، حدثان يقدمان السينما كفكرة لمواطني المدينة. لذلك فمشاهدة الأهالي في القاعات يشاهدون فيلما كان من المستحيل أن يصل لهم دون المهرجان، تعد مكسبا حقيقيا، حتى لو كان عدد الحاضرين محدودا، فلو خرج مهرجان كامل بمشاهد وحيد أصبحت السينما شيئا مهما في حياته، فهذا هدف يستحق الاحترام.
مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية يحافظ هذا العام على الطابع الذي ميزه منذ دورته الأولى: الحميمية والاهتمام بالمحتوى أكثر من العدد. فهو مهرجان صغير في حجمه وعدد ضيوفه، يطمح لعرض عدد محدود من الأفلام، تمتاز بجودة المستوى الفني وبوجود أهداف واضحة من البرمجة، بدلا من حشو البرنامج بعدد أفلام ضخم تُعرض دون أن يشاهدها أحد، ويختلط فيها الغث بالثمين، كما تفعل بعض المهرجانات لتُثبت أنها مهرجانات كبيرة.
الهدف بدا واضحا من الكلمة الافتتاحية التي كتبها المخرج محمد كامل القليوبي رئيس مؤسسة نون المنظمة للمهرجان في بداية الكاتالوج، والتي قال فيها أنه لن يقول أن المهرجان ‘ولد عملاقا’ كما تزعم الكثير من المهرجانات، بل سيعترف بأنه مهرجان صغير يجاهد لإثبات الوجود، في واحدة من أكثر الكلمات الافتتاحية صدقا وابتعادا عن الديباجات المحفوظة. أما إذا تحدثنا عن الملامح الأولية الأبرز للدورة الجديدة من المهرجان، فسنجد أن أبرز ملمحين هما تحدي الرقابة والاحتفاء بالسينما المحلية المصرية.

تحدي الرقابة مرتين
ينتصر المهرجان لحرية التعبير في وجه كل ما يقيدها، وذلك بعرض فيلمين كانا من آخر الأعمال التي أثارت معارك رقابية في مصر، كلاهما كان ممنوعا لفترة من الفترات، قبل أن يتمكن أخيرا من الحصول على التصاريح اللازمة للوصول إلى شاشة السينما، ليتمكن مهرجان الأقصر من الحصول على حق العرض العالمي الأول لكليهما.
الفيلم الأول هو فيلم افتتاح المهرجان ‘لا مؤاخذة’ للمخرج عمرو سلامة (أسماء، زي النهارده)، والذي ظل فترة عاجزا عن تنفيذ فيلمه بالرغم من حصوله على دعم وزارة الثقافة المصرية، بسبب تعنت الرقابة التي رفضت إجازة السيناريو باعتباره يزكي الفتنة الطائفية، عبر حكاية طفل مسيحي ثري ينتقل لمدرسة فقيرة، فيضطر لإخفاء ديانته والتظاهر بأنه مسلم، تفاديا لمعاملة سيئة قد يتلقاها من زملاءه إذا ما عرفوا ديانته، تضاف إلى قائمة معاناته معهم بسبب الطبقية المضادة واختلاف الثقافات.
المخرج تغلب على الرفض الرقابي بتقديم معالجة خالية من الأمور الخلافية المرفوضة ليجيزها الرقيب، ثم قام بتصوير فيلمه كما يريد، ليتأكد الرقباء عند مشاهدة العمل في صورته النهائية، بأن الأمر ليس مخيفا أو مكدرا للسلم العام ـ حسب التهمة الشهيرة ـ كما كانوا يعتقدون، فيمنحونه تصريح العرض أخيرا، قبل أيام قليلة من عرضه في المهرجان.
الفيلم الثاني هو الأكثر إثارة للجدل في الفترة الماضية، فيلم ‘أسرار عائلية’، أول أعمال السينارست هاني فوزي (بحب السيما، أرض الأحلام، بالألوان الطبيعية) من على كرسي الإخراج، والذي أصبح حديث الوسط السينمائي المصري مؤخرا، بعدما رفضت الرقابة عرض نسخته النهائية، بسبب الموضوع الحرج الذي يطرحه، وهو اضطراب الهوية الجنسية والميول المثلية، عبر حكاية شاب يعاني من شعوره بالانجذاب للذكور، والذي يتحول داخل مجتمع محافظ ورجعي إلى كابوس حقيقي، يسيطر على حياته ويوقعه في مشكلة تلو الأخرى.
‘أسرار عائلية’ وصل للشاشة عن طريق لجنة التظلمات، الجهة العليا التي يلجأ لها صناع الأفلام عند الاختلاف مع قرارات الرقابة، والتي قضت هذه المرة بأحقية الفيلم في العرض، بعد تعديلات طفيفة تختلف جذريا عن طلبات الرقابة المتعنتة بحذف وتعديل 13 مشهدا كاملا من الفيلم. وعرض الفيلم في أمسية خاصة خارج المسابقة الرسمية، هو تأكيد على دعم كل مبدع في الحصول على مساحة لعرض أفلامه، حتى لو اختلفنا حول مضمونها الفكري بل ومستواها الفني.

الاحتفاء بالسينما المحلية
وإذا كان النصيب الأكبر من برنامج دورة المهرجان الأولى كان لصالح الأفلام الأوروبية، فإن الدورة الجديدة تبدي اهتماما واحتفاء كبيرا بالسينما المصرية، والتي يمكن بسهولة ملاحظة كونها الأفلام الأكثر جذبا لجمهور الأقصر، الذي يحرص كثيرون منه على عروض الأفلام المصرية، حتى القديمة منها التي شوهدت من قبل.
مهرجان الأقصر يضم برنامجا خاصا للسينما المصرية المستقلة، ذلك التيار الذي بدأ في نهاية القرن الماضي على استحياء، في صورة تجارب لصناعة أفلام بكاميرات الكاميرات الرقمية، التي كانت اختراعا جديدا وقتها، حتى وصل في أقل من العقد ونصف العقد لأن يكون المصدر الرئيسي لغالبية الأفلام المصرية الجادة، وأعاد تواجد الدولة ذات الصناعة العريقة في المهرجانات العالمية، بعد أعوام من الوقوع في فخ الأفلام التجارية وحسابات شباك التذاكر.
برنامج السينما المستقلة يضم ثمانية أفلام، تمثل مراحل التيار منذ مولده وحتى يومنا هذا، بداية من تجربة يسري نصر الله في ‘المدينة’ إنتاج 1999، ومحمد خان في ‘كليفتي’ 2003، ومرورا بأفلام ‘بصرة’ لأحمد رشوان، ‘الشتا اللي فات’ لابراهيم البطوط، ‘هرج ومرج’ لنادين خان، ‘عشم’ لماجي مرجان، ‘الخروج للنهار’ لهالة لطفي، وصولا إلى ‘فرش وغطا’ لأحمد عبد الله، والذي توّج مؤخرا بالجائزة الكبرى لمهرجان مونبيليه السينمائي.
الاحتفاء بالسينما المحلية لا يتوقف على برنامج السينما المستقلة فحسب، بل يمتد لحصول المهرجان على حق العرض المصري الأول لفيلم المخرج محمد خان الجديد ‘فتاة المصنع’، والذي يعرض في القسم الرسمي خارج المسابقة، بعد أن قوبل بحفاوة بالغة عندما عرض عالميا لأول مرة في مهرجان دبي السينمائي خلال الشهر الماضي. كذلك يعرض المهرجان فيلم ‘فيلا 69’ للمخرجة أيتن أمين، في عرض خاص يُقدم الفيلم الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة لفيلم من العالم العربي من مهرجان أبو ظبي السينمائي لجمهور مدينة الأقصر.
كذلك يواصل المهرجان تقليدا بدأ مع الدورة الأولى، متمثلا في تنظيم عروض استعادية لأفلام من كلاسيكيات السينما المصرية، تضم هذا العام أربعة أفلام قيمة، كتب الحوار لاثنين منها رئيس شرف المهرجان الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، وهما ‘شيء من الخوف’ لحسين كمال، و’الطوق والإسورة’ لخيري بشارة، بالإضافة لفيلم ‘المومياء’ لشادي عبد السلام، الذي اختير مؤخرا كأحسن فيلم في تاريخ السينما العربية ضمن استفتاء مهرجان دبي، وفيلم ‘وقائع الزمن الضائع’، الذي يكتشف مسيرة محمد بيومي، رائد السينما وأول صانع أفلام في تاريخ مصر والمنطقة العربية بأكملها.

تكريمان ومسابقة حافلة وإهداء
تقليد آخر متميز يحافظ المهرجان عليه هو الاقتصاد في عدد المكرمين. فبينما توزع بعض المهرجانات التكريمات دون حساب، اختار المهرجان أن يكرم في كل دورة شخصين فقط، ممثلين لدائرة اهتمام المهرجان: السينما المصرية والأوروبية. فشهد حفل الافتتاح تكريم الممثل والمنتج المصري نور الشريف، والمخرج والممثل الروسي فلاديمير مينشوف، الحائز على أوسكار أحسن فيلم أجنبي عن فيلمه الشهير ‘موسكو لا تؤمن بالدموع’.
يرأس مينشوف أيضا لجنة التحكيم، والتي تُحكّم مسابقتي المهرجان للأفلام الطويلة والقصيرة. مسابقة الأفلام الطويلة تضم 11 فيلما، من أبرز العناوين فيها الفيلم السويدي ‘كُل.. نمَ.. مُتّ’ للمخرجة جابريلا بيتشلر، الفائز بجائزة الجمهور في إسبوع نقاد مهرجان فينيسيا، والفيلم الروسي ‘حياة طويلة وسعيدة’ لبوريس كليبنيكوف، المُشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين، بالإضافة للفيلم المصري ‘لا مؤاخذة’، وثمانية أفلام أخرى تمثل إتجاهات ومدارس متنوعة في السينما الأوروبية المعاصرة. كذلك تضم مسابقة الأفلام القصيرة 23 فيلما من 14 دولة.
القسم الأخير في المهرجان هو إهداء خاص للسينما الألمانية الجديدة، ويتضمن ثمانية أفلام ساهمت في رسم صورة مغايرة عن صناعة السينما الألمانية منذ نهاية القرن الماضي، من أبرزها ‘إجري يا لولا إجري’ لتوم تيكوير، ‘حياة الآخرين’ لفلوريان هينكل فون دونيرسمارك، ‘وداعا لينين’ لوولفغانغ بيكر، و’حافة الجانة’ لفاتح أكين.

بعد الافتتاح
النظرة السريعة على برنامج المهرجان تكشف عن قائمة اختيارات حافلة بالرغم من محدوديتها، فالأفلام التي لا يتجاوز عددها 39 فيلما طويلا و23 فيلما قصيرا في كافة البرامج والمسابقات، تضم دولا ومدارس عديدة، وعناوين جديرة بالمشاهدة، لا سيما إذا ما كان الجمهور المستهدف الرئيسي للمهرجان هم الأهالي الذين يعانون من غياب كامل لفن السينما عن مدينتهم الساحرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية