يا ايهود.. السنيورة، زعيم حساس، ومعتدل وراغب في السلام، ولكن اتركه الان
تسمع الأذنان وترفضان التصديق: وقف رئيس حكومة اسرائيل، ايهود اولمرت، اول أمس علي منصة الخطباء في الكنيست ودعا نظيره اللبناني، فؤاد السنيورة، الي البدء في تفاوض سلمي.
ماذا يشبه الأمر؟ يشبه جارين، يوجه أحدهما فجأة شتما لاذعا الي رفيقه. وفي رد علي ذلك يمسك المشتوم بجاره، ويلكمه في وجهه، ويسقطه ارضا، ويركله، ولا يسكن حتي تتكسر أضلاعه وينزف جسمه دما. وفي النهاية، بعد أن ينجح سكان البيت في الفصل بينهما، يمد المشتوم يده الي جاره، ويبتسم في وجهه ويقول أترك السخافات، تعال نصنع صلحا. رد السنيورة علي دعوة اولمرت مثل انسان كُسرت أضلاعه. سيكون لبنان، ولم يكن ذلك للمرة الاولي، آخر من يصنع الصلح معكم.
مثير أن نعلم ما الذي جعل رئيس الحكومة يطرح اقتراحه علي رئيس حكومة لبنان، رغم أنه فعل ذلك مؤخرا ورُفض. قد تكون تلك السذاجة السياسية. وربما أراد أن ينشئ لنفسه صورة الراغب في السلام. كما عرفنا السلوك السياسي – الأمني في الاشهر الأخيرة، يمكن أن نتكهن بأن اقتراح اولمرت لم يوجه الي بيروت، بعد نقاش عميق في ديوان رئيس الحكومة. لانه لو كان أُجري نقاش كهذا، بمشاركة خبراء، لكان اولمرت أدرك مدي عدم احتمالية اعلانه.
عالم مقلوب: دولة هاجمناها 33 يوما بالقنابل، نقصفها باقتراحات الصداقة، رغم انها غير ناضجة لذلك. بالمقابل، هناك جارة اخري يرسل رئيسها الينا صباح مساء دعوات السلام، ويحظي بتجاهل عنيد. يمكن أن نشك في أن من الأسهل علي القيادة الاسرائيلية أن تصنع السلام مع لبنان، لانهم هناك لا يُسلمون اراضي غالية. ولكن المعقول أكثر أن سبب المفارقة الشمالية مخالف قطعا. لم يدرس بعضهم بما يكفي ملف لبنان.
إن متابعة ولو سطحية لما يتم في الحلبة الداخلية اللبنانية قد يضيء واقعيا مد اليد الاسرائيلي. بعد شهرين من انقضاء الحرب، لبنان بلد نازف، ومدمر، كثير من لاجئيه بلا بيت وينامون في المدارس وفي الحدائق العامة. يحارب رئيس حكومته محاولات حزب الله حل حكومته وإبعاده عن الساحة. انهم يعملون ضده، لانه تجرأ علي منح اسرائيل انجازا كبيرا – فقد دفع وساعد في الساحة الدولية علي المجيء بالقوات الاجنبية الي جنوب لبنان. بل انه يوجد من يسمونه خائنا ويهدرون دمه. هناك من يعتقدون في أمان أن مفوضي سورية وحزب الله أصبحوا يفكرون في امكانية تفجير سيارة مفخخة علي مسار سفره.
اسرائيل، كما في الحالة الفلسطينية والسورية بالضبط، تصر علي عدم سماع الاصوات الداخلية لجاراتها. انها تغتصبها لتفعل كما تشاء وتسد أذنيها عن سماع ازماتهم الصادقة. بعد أن خنق الدمع فؤاد السنيورة أمام عدسات التصوير، بازاء مئات المواطنين اللبنانيين الذين قُتلوا في الحرب، قبضتنا وجوهنا بازائه. طلبت اثنتان من كبريات النساء في السياسة الاسرائيلية اليه أن يكف عن البكاء وأن يبدأ العمل. لم تنقض اسابيع، حتي طلب اليه رئيس الحكومة أن ينتحر من اجل السلام. لا يعمل السنيورة عندنا.
يا ايهود، أتركه بحياتك في راحة. السنيورة، زعيم حساس، ومعتدل وراغب في السلام، ويريد في أعماق قلبه التفاوض معك. ولكن في لبنان تشرين الاول (اكتوبر) 2006، هذا خط احمر. دع اللبنانيين ينضجون في المرق الجديد الذي طبخته لهم. ستكون بعدُ تطورات. لانهم يبغضون نصر الله أكثر منك. تابع ما يحدث من بعيد. اذا حانت لحظة رمي حجر ما في البئر، فاجلس الي خبرائك وصُغ سطرا ذكيا، تُفصح عنه في الفرصة المناسبة. واحيانا يكون الصمت أعظم مردودا.
جاكي حوجيمراسل للشؤون العربية(معاريف) ـ 18/10/2006