نتنياهو في نعلي آدم فيرته

حجم الخط
0

‘نُشر قبل بضعة اسابيع من هياج قضية المعلم آدم فيرته، الذي استدعي لمساءلة قبل الاقالة لأنه صدرت عنه آراء يسارية في الفصل الدراسي الذي درس فيه، نشر أمر قضية اخرى وهي أن اللجنة الادارية في جامعة حيفا استقر رأيها على عدم منح البروفيسور اسرائيل أومان لقب دكتوراة الشرف على إثر تصريحات يمينية له.
الحديث في ظاهر الامر عن قضيتين موضوعهما ‘الاسكات’ والاضرار المهني بسبب التعبير عن موقف سياسي فقد تحدث فيرته عن عدم اخلاقية الجيش الاسرائيلي، وعبر البروفيسور أومان عن شكوك في امكانية التعايش العربي اليهودي، وأوصى ببناء جدار حول السكان العرب في مناطق الاحتكاك بالسكان اليهود. وأطلقت في فضاء الفيس بوك الذي ثار في الايام الاخيرة عقب الانباء عن المعلم من كريات تفعون اسئلة أطلقها يساريون بارزون مثل: ‘أين كان كل اليساريين حينما استقر رأي جامعة حيفا على ابطال الجائزة للبروفيسور أومان؟’.
لكن المقارنة بين القضيتين مخطئة بل قد تكون خطيرة لأنه فضلا عن أن أومان وفيرته موجودان في فضاءين مهنيين واجتماعيين مختلفين تماما فاومان استاذ كرسي جليل ذو صيت عالمي وفيرته معلم شاب يدرس في مدرسة ثانوية فان العقوبات التي فرضت عليهما تختلف تمام الاختلاف، ففي حين مُنع اومان جائزة تشريف، سُلب فيرته شعوره بالامن الشخصي وربما يُقال من عمله. وفي حين مُنع اومان التشريف أصبح فيرته ضحية حملة صيد ذات رأسين: جهازي (شبكة أورت ووزارة التربية التي لم تدافع عنه)، وجماهيري (الجمهور الذي أمطره بالشتائم والتهديد وكان ذلك في جملة ما كان عن طريق صفحة فيس بوك ميخائيل بن آري).
واذا قارنا مع كل ذلك بين الحالتين فان الاستنتاج هو أن اومان يستطيع التعبير عن آرائه، وأن أكبر خطر يتوقعه هو ألا يحصل على زيادة بسبب ذلك؛ أما فيرته فلا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه قد يدفع ثمن ذلك مصدر رزقه بل قد يعرض أمنه الشخصي للخطر. والفرق بين العقوبتين في الحالتين يشبه الاختلاف الجوهري بين الشعور بحكة غير لطيفة وخوف دائم.
إن سبب الفرق الجوهري بين شدة العقوبتين هو أن المؤسسة الحاكمة والجمهور اللذين يسيطر اليمين عليهما اليوم يريان أناسا مثل فيرته والافكار التي يعبر عنها تهديدا وجوديا يعرض هيمنتهم ومنظومة قيمهم للخطر. إن البروفيسور اومان يعرض مواقف قد لا تطيب لآذان عدد من الاكاديميين، لكنها تطابق بهذا القدر أو ذاك مواقف السلطة: فكلامه عن عرب اسرائيل ليس أكثر تطرفا من اقتراح وزير الخارجية افيغدور ليبرمان عن تبادل السكان. ومواقفه لا تعترض على عدالة نهج السلطة فليست فيها دعوة الى التغيير أو الى تحول في الوعي. لكن فيرته في مقابله يعترض على الايديولوجيا السائدة ويشوش على مسار استدخالها التربوي في النفوس ويدعو الى تمرد فكري، ولهذا فانه تهديد وجودي تشعر المؤسسة والجمهور بحاجة الى مكافحته كل واحد بطريقته واسلوبه: أما الجهاز فبالقوانين والتهديد بالاقالة، وأما الجمهور فبالتنديد والاقصاء والتهديدات.
يتحدث كثيرون من نسل التصحيحيين وطلائعيي اليمين في البلاد الذين عمل عدد منهم أو يعملون اعضاء كنيست ووزراء في الحكومة، يتحدثون عن الشعور بالمطاردة الذي كان يصاحب آباءهم في سنوات حكم مباي، حينما كانوا يتمسكون بالمذكرة غير الصحيحة. إن التمييز المهني والاقصاء الاجتماعي والاسكات العنيف مشاعر كانت جزءا من تجربة حياتهم. وقد تغلغلت الى طفولتهم وضيقت خطواتهم سنين كما يزعمون. ويعرف بنيامين نتنياهو ابن البروفيسور بن تسيون ذلك أفضل من الآخرين.
إن نماء اليمين الذي أحرز على إثر عقد حلف بين المضطهدين طائفيا واجتماعيا وسياسيا قلب الهيمنة رأسا على عقب وغير اتجاه دائرة الاضطهاد. فقد تولى التصحيحيون والشرقيون والمهاجرون مقاليد الحكم الذي كان يقصيهم قبل ذلك، ويبدو الآن أنه قد حانت نوبة عدد منهم على الأقل لحماية هيمنتهم باعمال اضطهاد واسكات لآراء اخرى. إن مضطهَّدي الأمس أصبحوا مضطهِّدين.

هآرتس 22/1/2014

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية