المُخَلِّص ‘رمز الميثولوجيا السياسية في الفكر العربي’
22 - January - 2014
حجم الخط
0
المجتمع العربي حاليا يعاني من العجز البنيوي الشامل في الدولة والمجتمع، وتظهر فيه كل الازمات، خاصة وهو يعاني من مظاهر مرحلة الانتقال الصعبة، هنا تبرز حالات القلق والهلع والضعف في الارادة الفردية والجمعية، فيتجه العقل بموروثه الثقافي نحو فكرة ‘المُخَلِّص’ الزعيم، القائد، الملهم، الذي يتطلع اليه كل المجتمع لأن يقوم بدور الناظم لوحدة المجتمع، الحامي له من الاشرار. وهذا النمط من القيادة مشرعن في ثقافتنا وفي تاريخنا الاجتماعي، وهو جزء اصيل في المخيال الشعبي ضمن موروث فلكلوري تترابط فيه الحقيقة مع المتخيل والاسطورة. ومن هنا نجد هذه الفكرة في غالبية المجتمعات ولها دلالات في الثقافة الدينية التي تشرعن وجود المخلّص المتخيل الذي يفدي المجتمع وينقذه على غرار المسيح المُخَلِّص للبشر من خطاياهم. وفي سياق الازمات السياسية والاقتصادية والتهديد بانفجار المجتمع وتعميم الفوضى وضعف فاعلية الاحزاب، بل وبؤسها الفكري والسياسي وانبطاحها امام مراكز القوى وامام التمويل الخارجي ـ كما هو واقعنا اليوم- تبرز الدعوات والرغبات والتمنيات بحضور المُخَلِّص القائد البطل، الذي يقود الامة ـ المجتمع – وينقذها من ازماتها ويخرجها من منعطفات خطيرة تهدد حاضرها ومستقبلها، وهنا ايضا ظهر مفهوم المستبد العادل وتمت شرعنة حضورة من مفكرين اسلاميين وقوميين وتعزيز القبول به في الثقافة الشعبية. ففي نفس السياق المجتمع بكل مظاهر الفوضى منذ مئة عام قال بعض رواد النهضة العربية متسائلين، أما لهذا الشرق من مستبد عادل يخلصه من حيرته وينقذه من الضياع. واليوم مجتمعاتنا العربية عامة، وذات الربيع/الخريف العربي خاصة، في اطار عدم اكتمال الثورات بل سرقتها والانحراف بمسارها وزيادة مظاهر الفوضى الشاملة ـ كما في حالة اليمن- احس الافراد وعامة المجتمع بالحاجة الى منقذ يتمحور الاجماع الوطني عليه، فكانت مصر على موعد مع استكمال مسار الثورة بهبة شعبية دعمها الجيش، وهنا تبلورت شخصية المنقذ والمُخَلِّص للشعب والمجتمع المصري من خلال القائد العسكري ووزير الدفاع -السيسي- وتمت شرعنة هذه الفكرة من قوى مدنية وتقليدية والكثير من جماهير المجتمع . مع ان الاصل ان يتم احداث قطيعة مع الفكر الشعبوي ومع الموروث السياسي والثقافي المعادي للديمقراطية وفاعلية الافراد والشعوب، فهذه الاخيرة مهمتها وحدها صناعة تاريخها وفق ادراك ووعي كاملين يستهدفان تحقيق مؤسسات ونظم وقوانين تشكل في مجموعها عقدا اجتماعيا جديدا، يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها ونواظمها وفرض هيبتها وسيادتها، وهنا يتم خلق ثقافة سياسية جديدة، البطل فيها هو الشعب وتمثيله في مؤسسة الدولة ودستورها وقانونها. ولكن لماذا يعود العربي الى مخياله الشعبي نحو اعادة انتاج فكرة لا تظهر الا وقت الازمات والاهتزاز في الارادة. فالخوف من الاعداء في الخارج يتطلب فارسا ومنقذا كما هو الخوف من ازمات الداخل. ولاننا معشر العرب نتاج تاريخ قبلي عشائري يشكل البناء البطريركي رمزا وجوديا للاسرة والقبيلة والعشيرة ضمن سلطة تراتبية يكون الاب حاكم الاسرة والشيخ في القبيلة والملك والامير في الدولة وهذا الاخير زاد فيه انتحال صفات من النبي، من دون وجود الوحي، باعتباره حارس الاسلام والدولة والمجتمع وهو اجتهاد فقهاء السلاطين . ولان تاريخنا نتاج مجتمع بطريركي لم نخرج من أسره ومنظومته الثقافية فان الحاكم في الدولة تمت شرعنة واحديته وتجريم وتكفير الخروج عليه وهنا كان الملك، الامير، الرئيس، شبيها للنبي، وهو الامر الذي تبرزه حاليا بعض الاحزاب والجماعات بالنظر الى قياداتها بهالة من التقديس المفارق للوعي الديني الصحيح. وفي هذا السياق اظهر صاحب كتاب الاحكام السلطانية اهمية كبرى للامام، الخليفة وكذلك في الفقه الزيدي بشروط ذاتية تتمحور حول شخص الامام او الخليفة كونه ذكرا بالغا مجتهدا وكل الصفات التي تجعل منه خارقا للعادة. وهنا بدلا من ان تظهر ثورات الربيع العربي نمطا جديدا من الثقافة السياسية التي تتمحور حول مفاهيم المواطن والادراك والوعي وفاعلية الانسان والمجتمع والدولة ككيان سياسي قانوني ناظم لشؤون الافراد، وفق توافق سياسي ومجتمعي حول هوية الدولة ونظامها وعقدها الاجتماعي، غابت كل هذه المفردات الحداثية وظهر وعي كنا نظن اننا تجاوزناه من قبل النخبة والعامة على السواء، ننتظر فيه المُخَلِّص ليستكمل مسار ثوراتنا وينقذها ممن يتأمرون عليها. وهنا وبنفس هذه الثقافة ذات المغزي الاسطوري والخرافي نعيد تأسيس الاصول الاجتماعية والثقافية للديكتاتورية وللحكم التسلطي بدلا من نفيه ونفي أسسه ومرتكزاته لتأسيس نظام حكم مغاير يقوم على الديمقراطية وحرية الاختيار. واذا كانت السوسيولوجيا الحديثة بلورت مفاهيم الكاريزما للقائد الموجه والزعيم كمصدر للشرعية من خلال منظورات ماكس فيبر، وتأكيد ماركس على فاعلية الافراد ووعيهم بصناعة تاريخـــــهم ووجودهم الاجتماعي، واهتمام هيجل بالفكر المطلق الحامل لمشـــــروع الامة والمجتمع، وتعبير نيتشة عن الانسان الخارق للقدرات الطبيــــعية، فنحن لا يمكننا العودة الى مجتمع القبيلة والعشيرة – اي مجتمع اللادولة – واعتماد تميمة أوطوطم كرمز نعزز به أسطرة الفكر السياسي والاجتــــماعي، ومن ثــــم ننتظر المُخَلِّص، فهذا يعني في دلالاته ردة فكرية وانحطاطا في الابداع والتنظيم السياسي والمجتمعي، لان متغيرات الزمن الذي نعيشه محليا واقليميا وعالميا بمــــفرداتها المادية والفكرية والتنظيمية لا تدع مجالا للقول بالاســـطرة السياسية وباعادة المخيال الشعبي ومنظومته الثقافية، بل لابد من تفعيل الادراك والوعي الكاملين للفرد والمجتمع واعتماد هندسة سياسية للمجتمع والدولة، وفق مقتضيات العصر ومتطلباته وجعل المؤسسة الدولة – ناظمة للمجتمع وعلاقات الافراد وفق مرجعية دستورية يشارك الشعب في صناعتها. وهنا لا مجال للفرد مهما كانت عبقرياته وابداعاته حتى ان وجد هكذا شخص فلا يجب ان يعول عليه في شيء، بل ان يكون الشعب صانعا لتاريخه ومستقبله من خلال العمل في انتاج الثروة وفي تنظيم المجتمع وفي الابداع الفكري والفلسفي والاجتهاد العقلاني دينيا ومجتمعيا ومعرفيا، وهنا فقط نكون حققنا ادراكا واعيا لبداية الطريق وفق منطلقاتها العلمية والعقلانية ووفق قدرات الارادات الفردية والجمعية التي تتشكل منها ومعها ارداة الشعب وانتصاره لحقه في التطور والنماء وادارة شؤونه عبر اطر مؤسسية لا مجال معها للمثيولوجيا السياسية. ان حاضر ومستقبل العرب يرتبط بوعي مدني يؤسس لوجودهم السياسي والاجتماعي، وهنا تكون الدولة كاطار قانوني وسياسي ناظم للمجتمع وحارس للحريات العامة، وهنا يكون الدين مجالا للاعتقاد الفردي والجمعي وفق منظور عقلي يؤسس لضمير الفرد وضمير المجتمع. في هذا الحالة يتبلور ادراك متطور لمفهوم الدين ودلالاته بدوره يؤسس لعقلنة المجتمع في انظمته وعلاقات افراده دونما افتئات من احد على ضمير الفرد او ضمير المجتمع . اننا بحاجة لاعادة الاعتبار للدين باعتباره مؤسسا لمدنية الحياة الفردية والجمعية وتكون الدولة تعبيرا سياسيا عن هذا التشكل المدني.. ومن هنا نعول على دور الفرد والمجتمع وفق الادراك والوعي الكاملين لوجودهما الاجتماعي وفاعليتهما في صناعة الحاضر والمستقبل، وهنا تنتهي حاجتنا الى المخلص والقائد والزعيم او السيد المعصوم الذي نعلق عليه كل آمال وطموح الشعب، فجميع هؤلاء لا نحتاج اليهم بقدر حاجتنا الى تفعيل الارادة الحرة والتفكير العقلاني والدولة المدنية. ففي عصر العلم والتكنولوجيا والعولمة لا مجال للميثولوجيا السياسية لانها تعيدنا الى مجتمع اللادولة، ونحن في صناعتنا للثورات والانتفاضات الشعبية انما نسجل حقنا ووعينا في الانتقال نحو الدولة والمواطنة والمستقبل في اطار النظر الى وعينا ووجودنا كنتاج عملية جدلية لفاعلية الافراد ووعيهم بمحيطهم الفيزيقي والاجتماعي وقدراتهم في السيطرة عليه ومن ثم صناعة حاضرهم ومستقــــبلهم وفق مدركات الثقافة والابداع والعمل والاجتهاد، وهنا تتأسس الحياة المدنية بدلالاتها المختلفة.